متى تتصالح دولة الاستقلال مع ثورة الحرية والكرامة؟(الدساترة والإسلاميين مثالا)

         أنتمي إلى جيل، ممّن لا يَخفى فضل دولة الاستقلال عليهم ماديا ومعنويا. فقد وُلدت بعد الاستقلال بأربع سنوات، وكان التعليم مصعدي الاجتماعي لتحسين وضعي. فأنا ابن القرية الذي ورث الفقر المدقع عن العائلة، وصرت أصنّف في الطبقة الوسطى منذ دخلت الحياة المهنية. ومع ذلك كنت ممّن عارضوا دولة الاستقلال في عهديها البورقيبي والنوفمبري، وممّن انخرطوا في ثورة الحرية والكرامة وابتهجوا لانتصارها. واعتمادا على مقاربة إصلاحية، كنت ولازلت أصدر عنها قبل الثورة وبعدها، لا أتردّد في الإقرار بأنّ المصالحة الوطنية الشاملة والعادلة، تظلّ أحد أهمّ شروط نجاح الانتقال الديمقراطي وتحقيق أهداف الثورة، وأنّ تصالح دولة الاستقلال وثورة الحرية والكرامة، والتقاء الدستوريين والإسلاميين عنوان بارز لتلك المصالحة.

ضعف التنمية السياسية في دولة الاستقلال

          لم يتوفّر للتنمية السياسية نفس الزخم والحظوظ  كما في بقية مجالات التنمية خلال عهدي دولة الاستقلال البورقيبي والنوففبري. وصاحب التحرّر الاجتماعي والاقتصادي والانفتاح الثقافي، مزيد من التسلّط والانغلاق السياسي. وزادت المواجهة مع المعارضة عموما، بمختلف أطيافها وأجيالها، ومع حركة النهضة خصوصا، في تعقيد الوضع وانغلاقه. وقادت سياسة الاستئصال تجاه حركة النهضة إلى توسيع نفوذ الأجهزة الأمنية وسطوتها وتشديد قبضتها على المجتمع. وتطوّر الحزب الدستوري الحاكم في قطيعة مع فكرة الانتقال للديمقراطية بل وبتأسيس هيمنة اعتمدها كنظرية في الحكم تغذّت من جذورنا الثقافية في الاستبداد.

          أنجزت دولة الاستقلال جزءا هاما من عملية التحديث. ففاقت نسبة التمدرس 90% وانخفض مستوى الأمية إلى ما دون 16 %ووصل مستوى الدخل الفردي إلى ما يفوق 4000 دينار وتشكلت طبقة وسطى عريضة واقتصاد نام بمعدل يقارب 5 %سنويا.  وكانت تلك مؤشرات على حاجة المجتمع إلى الديمقراطية. فالتغييرات التي طرأت على مستوى تحديث البلاد، بفعل الإصلاحات الجريئة، أهّلت المجتمع لحياة سياسية متطورة. وبدا من التناقض التنكّر لتلك النتائج المنتظرة.

         وليس من المبالغة في شيء القول إجمالا، بأنّ دولة الاستقلال التي قادها الدستوريون بزعامة الحبيب بورقيبة، حقّقت مكاسب لا ينكرها إلاّ جاحد أو جاهل، في التعليم والصحة والأسرة والبنية التحتية وخلق محرّكات للاقتصاد الوطني والتنمية، وغيرها من المجالات. لكنّ دولة الاستقلال للأسف انبنت على الاستبداد والحكم الفردي والمركزية والتفاوت بين الجهات، وجعلت الهوية الثقافية للشعب التونسي موضوع جدال ومسّت مشار الانتماء لأوسع فئات الشعب، وكانت تلك أهمّ عناوين معارضتها من أجيال على مدى عقود، ومن عائلات فكرية وسياسية مختلفة، ليتراكم النضال ويتعدّد الضحايا، حتَى كانت ثورة الحرية والكرامة سنة 2011.

         ونستحضر في هذا السياق شهادة وداديّة قدماء البرلمانيين التونسيين، وهي جمعية تضمّ إطارات مهمّة جدّا ممّن عملوا في البرلمان زمن حكم بورقيبة وبن علي، وكانوا أيضا قيادات في الحزب الدستوري بمختلف مراحله وتسمياته، التي أصدرت، في الذكرى الستين للاستقلال بيانا سياسيا بعنوان “القراءة النقدية لسياسات فترة الحكم في تونس من سنة 1955 إلى سنة 2010”، وأقرّت فيه بوضوح أنّه  “ممّا يجب التسليم به أن هذه الفترة الغنية بالإنجازات التاريخية، لم تفلح في ميدان أساسي، ألا وهو قيادة البلاد، تدريجيا، في سبيل الديمقراطية، وذلك خاصة في مراحل معينة كانت الفرص فيها مواتية لذلك، لو استطاع النظام الحاكم اغتنامها”. وعدّد أصحاب الوثيقة الأخطاء التي اعتبروها عوامل تفسّر الاستقبال الحسن لإزاحة بورقيبة سنة 1987. وانتهوا بعد تقييم حكم بن علي إلى أنّ على الدستوريين “ألاّ ينكروا ما تخلّل بعض مراحل الحكم من توجّه خاطئ أو زيغ عن الحق، وظلم لبعض ذوي القربى في الوطن، وذلك مما يرفع عن ضمائرهم الوطنية الحرج، ويزكي حقّهم في أن يواصلوا، في مسيرة الديمقراطية الوليدة”.

تجاذبات الانتقال الديمقراطي

         في ظلّ النهج السلمي للثورة التونسية، وخيار الانتقال الديمقراطي، كان من المُؤمَّل أن تنفتح دولة الاستقلال على الطاقات التي عانت من الإقصاء والتهميش، وأن تسري دماء جديدة في الحكم مُشبعة بقيم الثورة ووفيّة لأهدافها، حتّى تصحّح الدولة مسارها دون قطيعة أو هزّات لا تتحمّلها، وحتّى تتكامل الأجيال وتلتقي مختلف العائلات الفكرية والسياسية على خدمة مصالح وطنية جامعة. وأن ينتهي احتكار الدولة من طرف واحد لتكون جاذبة لأبنائها لا طاردة لهم. كما كان على الذين عملوا طويلا من موقع المعارضة، في مواجهة الدولة، أن يندمجوا في مؤسساتها وأن يعملوا من داخلها. فالثورة تجبّ ما قبلها. لكن ها نحن للأسف نستكمل السنة العاشرة للثورة ونحتفل بالذكرى 65 للاستقلال دون أن يتحقّق الأمل.

                 وكأنّ “الدولة الصلبة” تستعصي عن إدماج معارضيها السابقين، وأنّ دستور الجمهورية الثانية والمكاسب السياسية الهشّة للمرحلة الانتقالية، لم تؤمّن بعد، انتقالا ديمقراطيا مُطمئنا. إذ يتخفّى البعض وراء شعار الدفاع عن “البورقيبية” وعن مكاسب دولة الاستقلال، لاستمالة أنصار منظومة ما قبل الثورة، في مواجهة خصوم سياسيين جاءت بهم الثورة إلى الحكم. ومع كل أزمة سياسية أو اجتماعية، تزداد المخاوف عن مستقبل “الثورة السائلة”. ولذلك نرى أنّ التصالح بين دولة الاستقلال والثورة، إحدى الشروط التي لا غنى عنها للمصالحة الوطنية المتأكدة. وليس ذلك بعزيز البتّة إذا تعقّل الجميع وغلّبوا المصلحة الوطنية على المناكفات الأيديولوجية والسياسية والضغائن الشخصية.

          فماذا على “البورقيبيين” ومن أسهموا في الحكم قبل الثورة لو اعترفوا بأخطائهم واعتذروا بشجاعة عن النهج الاستبدادي  لحكمهم؟ وأعلنوا انخراطهم في مسار الثورة وأهدافها؟ وأسهموا في تحقيق العدالة الانتقالية؟ وماذا على معارضي  “البورقيبية” بالأمس، والمستفيدين من الثورة اليوم، لو اعترفوا بفضائل بورقيبة، أول رئيس للجمهورية، الذي لا يلغي استبداده بالحكم وشخصنته له، ما كان يتمتع به من “كاريزما” وما كانت تحظى به اجتهاداته الموفّقة من تأييد شعبي وتقبّل واستحسان خارجي؟  وأن يقرّوا بمكاسب دولة الاستقلال ويبنوا عليها مسار الإصلاح والتجديد؟ وأن يقرّوا ببعض أخطائهم التاريخية في الفكر أو الممارسة؟

الغرياني مستشارا للغنوشي وعبير موسي في الزاوية

       لا يزال تعيين آخر أمين عام للتجمع الدستوري المنحلّ محمد الغرياني، مطلع هذه السنة البرلمانية، مستشارا بديوان رئيس البرلمان راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة، يثير جدالا وتعليقات متياينة في الداخل والخارج. وحين نستحضر صفة الرجلين قبل الثورة، باعتبار الغنوشي أهم خصوم النظام السابق ورئيس الحزب الذي دفع تكلفة باهظة في مقاومة الاستبداد، وباعتبار الغرياني  الأمين العام  لحزب الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، الذي قامت عليه ثورة الحرية والكرامة، وحين نستحضر خصوصيات الانتقال الديمقراطي في تونس ومصاعبه في هذه المرحلة،  نتبيّن أكثر  الدلالات  الوطنية والسياسية للموضوع.

       كان التعيين خطوة متوقّعة ومتفهَّمَة وربّما متأخّرة في نظر بعض المتابعين. فقد غيّر الغنوشي مبكّرا موقفه من التعامل مع رموز منظومة الحكم السابق. فصدع بمعارضته لمشروع قانون العزل السياسي وصوّتت كتلة حركة النهضة ضدّه بالمجلس الوطني التأسيسي فأسقطته. وكان لقاء باريس سنة 2013 بين المرحوم  الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي محطّة فارقة في إنقاذ التجربة التونسية من أزمة سياسية حادة تردّت إليها الأوضاع، بعد الاغتيالات السياسية واشتداد الاستقطاب وتضاعف التآمر الداخلي والخارجي على الثورة. وتدعّم التوافق بين الزعيمين، ليشمل حزبي النداء والنهضة المتنافسين الغريمين في انتخابات 2014.  فكانت تجربة الحكم المشترك وسرديّة “الاستثناء التونسي” أمام العواصف التي عبثت ببقية تجارب ثورات الربيع العربي. كما تمّ اشتغال البعض على تحقيق مصالحة تاريخية بين الدستوريين والإسلاميين عموما، بعد عقود من التنافي والصراع، في إطار عدالة انتقالية ومصالحة وطنية عادلة وشاملة.

       وفي المقابل يُعدّ ما آلت إليه عربدة الفاشية عبير موسي مؤخرا مؤشرا إضافيا على فشل نهج الاستئصال والاحتراب. فهي التي استفادت من فضائل الثورة والديمقراطية وأسست حزبا وشاركت في الانتخابات،  لكنها جعلت منذ يومها الأول بمجلس نواب الشعب، ترذيل البرلمان واستهداف الغنوشي وحركة النهضة هدفا رئيسيا لها. وهي التي لا تنفك عن ترذيل الثورة وعدم الاعتراف بدستور 2014  ورفض المسار الديمقراطي وتمجيد النظام البائد، وتلقى الدعم الداخلي والخارجي لأجندتها. وها هي عبير رئيسة الحزب الدستوري الحر، بعد فشلها المتكرر في سحب الثقة من الغنوشي، وفي تعطيل البرلمان، وبعد أن صغّرتها مسيرة 27 فيفري 2021، التي دعت إليها النهضة وكشفت حجما الضئيل في الشارع، وبعد أن فضّ الأمن الجمهوري اعتصامها أمام مقر فرع اتحاد العلماء المسلمين بالعاصمة وألزمها التقيّد بالقانون، ها هي عبير بعد خيباتها المتتالية، تدخل في هستيريا سياسية وتطال الجميع بعربدتها وإساءاتها، فتواجه رئيس البرلمان ورئيس ديوانه والموظفين والعملة والصحفيين وسائر الكتل، وينتهي بها المطاف إلى العزلة ومواجهة الجميع لها.

       ليست عبير موسي ممثّلا للدستوريين، ولا محمد الغرياني أيضا. ولكنهما تعبيرتان دالّتان عن منهجين مختلفين في تعاطي رموز من المنظومة القديمة مع الثورة ومع خصوم الأمس. وما نخلص إليه في ضوء تجربة عشرية الثورة، وتقلّبات المشهد السياسي، أنّ مشاكلتنا في الأغلب لا تتصل بنظام الحكم كما يتراءى للبعض، بل المشكلة في الحكم ذاته. فنحن نعاني منذ 2011 من فراغ في السلطة يغذّي الطموحات والأطماع والأجندات الشخصية الداخلية والخارجية، ويوقعنا في المجهول مرات. إذ لا توجد قوة سياسية تحظى بأغلبية واضحة، وإن فازت بالمرتبة الأولى في أية انتخابات على غرار حركة النهضة. وقد زاد تأخّر المصالحة المتأكدة بين الدستوريين والإسلاميين، في استمرار هذا الفراغ. فهم المرشّحون قبل غيرهم لملئه، اعتبارا لتمثيليتهم غير الخافية، ولما نراه في توافقهم من عنوان لحكم مستقرّ، ينهي الفراغ في السلطة وينهي أيضا عدم الانسجام بين الأغلبية البرلمانية في باردو،  ومن يمسكون الحكم بقرطاج والقصبة.

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 199، تونس  في  25 مارس 2021     

مشاركة
    0 Comments

    No Comment.

    %d مدونون معجبون بهذه: