جبر الضّرر بين الاستحقاقات والمغالطات: في نهاية ولاية الحقيقة والكرامة

 

ليست المناكفات الحادّة مؤخّرا بمجلس نواب الشعب وبمنابر إعلامية، حول صندوق الكرامة وجبر الضرر سوى أمثلة دالّة على عمق الفجوة وأزمة الثقة بين سياسيين ومثقفين وتونسيات وتونسيين. لم تنجح ثمان سنوات مضت عن ثورة الحرية والكرامة في ردم تلك الفجوة وبناء الثقة. وها هي هيئة الحقيقة والكرامة التي تنهي أعمالها موفّى هذا الشهر، لم تكفها حوالي الخمس سنوات لطيّ صفحة العدالة الانتقالية التي تعدّ أهم شروط المصالحة الوطنية وإنجاح التجربة الديمقراطية. وها هي الذكرى السبعين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان تمرّ دون أن تسجّل أيّ أثر إيجابي على هذا  الملف الذي يعدّ من أولويات بلادنا في هذه المرحلة.

جاء في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) في شرح أهمّ أسباب نشر الأمم المتحدة لهذه الوثيقة أنّه “لما كان من الأساسي أن تتمتع حقوق الإنسان بحماية النظام القانوني، إذا أريد للبشر ألاّ يضطرّوا آخر الأمر إلى اللياذ بالتمرّد على الطغيان والاضطهاد”. وللأسف أنّ بعض الناس، من سياسيين ومشتغلين بحقوق الإنسان أحيانا،  يفوتهم هذا الاعتبار الهام. فإذا لم يحم القانون حقوق الناس اضطروا إلى أخذ حقوقهم  بأيديهم بما يفسح المجال للتنازع والثأر والعنف واحتمالات الفوضى. فمن أوكد مهامّ الدولة رعاية حقوق مواطنيها. ومن زمن بعيد قال الخليفة أبو بكر في خطبة توليته ” الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه”.

ومن نعم الله علينا وعوامل نجاح ثورتنا المباركة وخصوصيات شعبنا، أنّ ضحايا الاستبداد، من الإسلاميين خاصّة، الذين يمثلون العدد الأكبر من الضحايا ويدور أغلب الجدال حولهم، لا زالت جراحهم تنزف بعد هروب المخلوع، وحين كان الموالون له والعاملون في نظامه في ذعر وحيرة من أمرهم، لم يستغلّوا الظروف الاستثنائية للحالة الثورية، ولم تغلبهم غرائز الثأر والانتقام أو حتى المعاملة بالمثل، ولم تسجّل عليهم حالات أخذ لحقوقهم من جلاديهم بأنفسهم. وقد حصل مثل هذا في بلدان عربية أخرى.

سقى عشرات الشهداء من حركة النهضة رحمهم الله تعالى طريق الحرية بدمائهم الزكية. وعاش المساجين السياسيون  وعائلاتهم ملاحم ومعاناة كشفت شهادات السماع العلنية بهيئة الحقيقة والكرامة بعض تفاصيلها المروّعة التي أبكت الكثير عند سردها. ضمّد الضحايا جراحهم وفرحوا بالثورة التي رأوا فيها أهم تتويج لنضالهم واستبشروا بالمستقبل وراهنوا على العدالة الانتقالية طريقا لتصفية ملفات الماضي المؤلم وشرطا للمصالحة الوطنية وإنجاح التجربة الديمقراطية الفتية.

عرّف القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 العدالة الانتقالية بأنّها “مسار متكامل من الآليات والوسائل المعتمدة لفهم ومعالجة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان بكشف حقيقتها ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر ضرر الضحايا وردّ الاعتبار لهم، بما يحقق المصالحة الوطنية ويحفظ الذاكرة الجماعية ويوثّقها ويرسي ضمانات عدم تكرار الانتهاكات والانتقال من حالة الاستبداد إلى نظام ديمقراطي يساهم في تكريس منظومة حقوق الإنسان”. فالغاية البعيدة لتلك العدالة تكريس حقوق الإنسان، بضمان عدم العود إلى الانتهاكات وتفادي مخاطر الانزلاق نحو الانتقام الفردي الذي لا ينتهي كما أسلفنا، بالحرص على ضرورة الالتزام بالقانون.

تطرّق القانون عدد 53 إلى أسس العدالة الانتقالية بتوضيح جملة من المفاهيم والمبادئ العامة التي تؤطر مسارها. فعرّف االفصل الأوّل العدالة الانتقالية. ونصّت الفصول الموالية على أنّ كشف الحقيقة حق تراعى فيه مصلحة الضحايا وكرامتهم دون المساس بحماية المعطيات الشخصية. (الفصل 2) وانّ الانتهاك هو  كل اعتداء جسيم أو ممنهج على حق من حقوق الإنسان صادر عن أجهزة الدولة أو من يتصرف باسمها. أو تقوم به مجموعات منظمة. (الفصل3) وأنّ كشف الحقيقة يشمل  ضبط الانتهاكات ومعرفة أسبابها وظروفها ومصدرها والملابسات المحيطة بها والنتائج المترتبة عنها. (الفصل 4) وأنّ حفظ الذاكرة الوطنية حق لكل الأجيال وهو واجب محمول على الدولة. (الفصل 5) وأنّ المساءلة والمحاسبة هي مجموع الآليات التي تحول دون الإفلات من العقاب أو التفصّي من المسؤولية (الفصل6) وأنّها من اختصاص الهيئات القضائية والإدارية. (الفصل 7) وأنّ الدعاوى المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان لا تسقط بمرور الزمن. (الفصل 9) وأنّ للضحايا أفرادا أو جماعة أو شخصيات معنوية الحق في جبر الضرر وردّ الاعتبار وأنّ ذلك من  مسؤوليته الدولة. (الفصل 11) التي توفّر العناية الفورية والتعويض الوقتي لمن يحتاجها من الضحايا وتأخذ بعين الاعتبار خصوصية بعض الفئات (الفصل 12).

وحول جبر الضرر الذي يسمّىه البعض “التعويضات” تحريفا مقصودا لمعناه، بيّن الفصل 11 هذه الحلقة الأساسية في العدالة الانتقالية، فذكر أنّ “جبر ضرر ضحايا الانتهاكات حق يكفله القانون، والدولة مسؤولة على توفير أشكال الجبر الكافي والفعّال بما يتناسب مع جسامة الانتهاك ووضعية كل ضحية. على أن يؤخذ بعين الاعتبار الامكانيات المتوفرة لدى الدولة عند التنفيذ”. فهو ردّ لمظلمة واسترداد لحق وليس تعويضا عن نضال كما يروّج. وجبر الضرر “يقوم على التعويض المادي والمعنوي ورد الاعتبار والاعتذار واسترداد الحقوق وإعادة التأهيل والإدماج” بنصّ القانون.

كان هذا التذكيرالمكثّف بمقتضيات قانون العدالة الانتقالية ضروريا، لفضح مزايدات بعض النوّاب والسياسيين والنشطاء الذين يستثمرون في نسيان الناس وعدم متابعتهم ليمرّروا مغالطاتهم وليتنكّروا إلى استحقاقات الضحايا تحقيقا لمآرب حزبية وشخصية عاجلة على حساب مخاطر وطنية آجلة. كما لا يغيب على هؤلاء أن استكمال مسار العدالة استحقاق دستوري تبعا لما ورد بالفصل 148، من دستور الجمهورية التونسية “تلتزم الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها”. فما قيمة المواد الدستورية والقانونية إذا لم تُحترم؟

والخشية، كل الخشية، أن يقابل صبر الضحايا ومراهنتهم على القانون في استرداد حقوفقهم، بمراهنة البعض على ربح الوقت وتشويه المسار وإفشال الثورة واستعادة الحكم. فبعض التصريحات الإعلامية وتدخلات عدد من النواب ممّن لم يكتووا بنير الاستبداد، خلال الجلسة الشهيرة للتمديد لهيئة الحقيقة والكرامة، أو حول صندوق الكرامة هذه المدة،  تؤشّر على عدم الاقتناع أصلا بالعدالة الانتقالية ولا بمقتضيات الديمقراطية. وحنينهم إلى الماضي أقوى من محاولات تأقلمهم مع مقتضيات الثورة.

تعقد هيئة الحقيقة والكرامة ندوة ختامية لأعمالها يومي 14 و15 ديسمبر 2018 لتفتح نقاشا حول نتائج أشغالها قبل نشر تقريرها الختامي نهاية الشهر، إشراكا لمختلف المتدخلين من الجهات الحكومية وغير الحكومية في ضبط تحديات مسار العدالة الانتقالية ما بعد هيئة الحقيقة والكرامة ومسسؤولية مختلف الأطراف في تنفيذ توصيات التقرير الختامي.

ومهما كانت تقييماتنا لرئيسة الهيئة وأعضائها، وسيأتي وقت التقييم، يبدو من المهمّ أن تتضافر جهود الجميع لغلق هذه المرحلة وفتح آفاق لبقية مسار العدالة الانتقالية. ولعلّ في حضور ممثلين بارزين عن الدولة، ولم لا الرؤساء الثلاثة،  وممثلين لمختلف الطيف السياسي والمدني، هذه الندوة الختامية أو حفل لإعلان التقرير الختامي، مؤشر إيجابي على التزام الدولة باستكمال المسار المدعوم من الجميع دون استثناء.

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 86، تونس في13 ديسمبر 2018.

https://scontent.ftun3-1.fna.fbcdn.net/v/t1.0-9/48355566_2230716353618803_7050620928748683264_n.jpg?_nc_cat=106&_nc_eui2=AeFler7-__9j6Cejv6dQWIUYGRYOEqHQSHtbGWdyJEFk-n4OfFUFRWMCuH6Zc8eDGWuiJqaOUqM7A4Map_TAoRF_H54UpsL-lj0xlBhdr7WNfA&_nc_ht=scontent.ftun3-1.fna&oh=f8becc8e418ae638e82528dbd2a41d1e&oe=5CA796DD

 

 

 

مشاركة
  •  
  •  
  •  
  •  


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: