اختطاف البحيري صاحب الجلد الخشن واللحم المرّ: يورّط الجميع..

كلّ من يعرف جيّدا الثنائي المحامي الأستاذ نور الدين البحيري وزوجته الأستاذة سعيدة العكرمي ومكانتهما في فضاء العدالة منذ نحو أربعين عاما، ومسارهما السياسي والحقوقي، يدرك دون عناء ورطة سلطة الانقلاب في اختطاف البحيري أمام أعين زوجته صباح الجمعة 31 ديسمبر 2021 واحتجازه قسريا في مكان مجهول، قبل أن يتمّ نقله إلى مستسفى بنزرت مساء الأحد بعد ثلاثة أيام من إضرابه الوحشي عن الطعام والماء والدواء، لتتكشف جوانب خطيرة من جرائم عديدة ضد الإنسانية لا تسقط بمرور الزمن. ويتّسع عدد المورّطين في هذه القضية، في جرائم الخطف والاحتجاز والإخفاء القسري وغيرها، ليشمل جزائيا من اتخذوا القرار ونفذوه، و أخلاقيا وسياسيا أيضا من تواطؤوا ممّن شمتوا أو علموا وصمتوا أو حاولوا التبرير وتحويل الاهتمام، سواء كانوا من السياسيين أو الإعلاميين أو نشطاء المجتمع المدني أو غيرهم. وإذ نرجو للأستاذ البحيري السلامة والعودة إلى أهله وأحبائه في أقرب الآجال، ولا نعلم ما تخبئه الأقدار، فإنّا نروم في الأثناء وبما يتيحه المجال، تدوين وقائع وملاحظات واستخلاصات ومشاعر، شهادة على العصر ومعذرة إلى ربيّنا، وتنبيها وتحذيرا.

ليس من المبالغة في شيء حين أصف الأستاذ نور الدين البحيري، الذي تعود علاقتي القريبة به إلى أربعين عاما أو يزيد، بأنّه  صاحب الجلد الخشن واللحم المرّ. فقد عرفته ساحات الجامعة التونسية وفضاءات العدالة وكواليس السياسة. وعركته المعارك الحقوقية والسياسية وتتالت عليه المحن واختبرته الشدائد، فلم نجد منه إلاّ العزم ورباطة الجأش والإقدام. فهو القيادي الأكثر حضورا في مختلف الساحات والمعارك والأوقات. وهو الشخصية الأكثر انفتاحا على المخالفين ومعرفة بهم وتعاونا معهم، رغم ما يُقال عنه في حضوره، والأغلب في غيابه، من كلام مسيئ له أو مشكّك  في خطابه أو مشاعره أو مسيرته، أو ترديد إشاعات بشأنه لم تتأكد أيّا منها. وهو الماضي في طريقه بثبات ورصانة وتفاؤل و”يا جبل ما يهزّك ريح.”

 يكفي أن أحدّث عمّا سمعته مباشرة من الأستاذ البحيري من ألوان التعذيب التي خضع لها بأقبية وزارة الداخلية نهاية الثمانينات، دون أن ينتزع منه جلاّدوه بعد أشهر، ولو مجرّد الاعتراف بالإنتماء للاتجاه الإسلامي آنذاك. وهو الذي تولّى باقتدار قيادة الفصيل الطلابي خلال الثمانينات، بعد الفراغ القيادي الناجم عن محاكمة 1981. وهو الذي ظلّ صامدا، يمشي على البيض حينا وعلى الجمر أحيانا أخرى، بعد محنة التسعينات. وكان مع زوجته سعيدة العكرمي ومحامين آخرين خير سند لعائلات المساجين السياسيين والموقوفين في قضايا الانتماء. كما كان مشاركا بارزا وفي مقدمة الصفوف في معارك النضال من أجل الحقوق والحريات حتى قيام ثورة الحرية والكرامة وانتصارها. وقد صقلته التجارب حتى خشُن جلده وصار عصيّا عن مُستهدِفيه.

 والأستاذ البحيري، هو المحامي واسع الصيت في فضاءات العدالة، قلّ ما تُبرم اتفاقات بين أهل المهنة دون مشاركته. وزوجته الأستاذة العكرمي عضو الهيئة الوطنية للمحامين لعدة دورات قبل الثورة وبعدها. وهو من أبرز قيادات حركة  النهضة بعد الثورة وشخصياتها المؤثّرة في البرلمان وفي فضاء الحكم  وفي هياكل الحزب أيضا. وهو السياسي المحنّك الذي نسج شبكة علاقات قوية ومؤثرة و يحظى بتقدير كبير لدوره من المتفقين معه والمختلفين. وهو وزير العدل الأسبق في حكومة الجبالي والوزير المعتمد مستشارا أوّلا لدى رئيس الحكومة في حكومة العريض. وهو النائب بالبرلمان منذ 2011 والرئيس السايق لكتلة حركة النهضة به. ولهذه الاعتبارات وغيرها كان اختطافه زلزالا سياسيا وخبرا ملأ الدنيا وشغل الناس في الداخل والخارج ، رغم مراهنة مستهدفيه على انشغال عموم التونسيين وخاصة المتابعين بعواصم العالم الكبرى باحتفالات نهاية السنة الميلادية. ولهذا أيضا نعدّ لحم البحيري مرّا على من أرادوا نهشه بعيدا عن عائلته،  في مكان مجهول ودون رقابة قضائية.

كان اختطاف البحيري صاحب الجلد الخشن واللحم المرّ، ورطة لسلطات الانقلاب. فبعد محاولة إخفاء صفة الخاطفين ومكان الاحتجاز القسري، وأمام ردّ الفعل القويّ من زوجته الأستاذة العكرمي التي أُخذ زوجها عنوة من سيارتها قريبا من منزلهما بعد تعنيفهما وافتكاك هواتفهما، تغيّرت المعطيات بسرعة. فبعد شيوغ الخبرفي الداخل والخارج، ونفي الجهات القضائية المختلفة أيّ علم لها بما حصل، وبعد تشكّل سريع لهيئة دعم من محامين لزميلهم، وبعد التصريحات الإعلامية الصادمة للأستاذة العكرمي، وبيانات حركة النهضة وندوتها الصحفية، وإثر الضغط الإعلامي بالمنابر المختلفة وفضاءات التواصل الاجتماعي خاصة، جاء بيان وزارة الداخلية مساء الجمعة ليذكّر بقانون حالة الطوارئ وبعض مقتضياته، ويتحدّث عن قرارين بإخضاع شخصين للإقامة الجبرية دون تسميتهما ولا ذكر مكان إقامتهما ولا تسليم الأمر للمعني به أو أهله أو منوبيه لإمكانية الطعن فيه لدى المحكمة الإدارية كما ينص القانون.

وأمام استمرار ضغوط هيئة الدفاع عن الأستاذ البحيري ومطالبة حركة النهضة ورئيس البرلمان بالكشف عن مكان احتجاز البحيري وتحميل المسؤولية الجزائية عن حياته لرئيس سلطة الأمر الواقع قيس سعيد ووزير داخليته توفيق شرف الدين وكل المورّطين في جرائم ضد الإنسانية لا تسقط بمرور الزمن.  وإزاء ردود الأفعال الغاضبة ومطالب هيئات حقوقية بزيارة البحيري وتعاظم الانشغال عن مصيره، جاء الخبر مساء اليوم الثالث للاختطاف الأحد 02 جانفي بأنّه تم نقل الأستاذ البحيري إلى مستشفى الحبيب بوقطفة ببنزرت. وبعد رفض تمكين زوجته ومحاميه من زيارته، تأكّد من خلال جهات حقوقية وخاصة الهيئة الوطنية لمقاومة التعذيب، أنّ الأستاذ البحيري، كما أعلم العميد بودربالة في اليوم الأول، يخوض منذ اختطافه إضرابا كليّا عن الطعام والماء والدواء، وحتّى الكلام مع مختطفيه. كيف لا والبحيري هو المناضل العنيد، الذي لا يملك غير تعريض حياته للخطر، في مواجة مختطفيه. بل لعلّه يعطي المثال لمن قد يتبعونه في المصير. وقد ساءت الوضعية الصحية للأستاذ البحيري في قسم الإنعاش في اليوم السادس للاختطاف، وصار “بين حياة وموت” كما وصفته هيئة الدفاع في نقطة إعلامية عاجلة قبل كتابة هذا المقال.

لم يقنع وزير الداخلية في ندوته الصحفية المقتضبة مساء الإثنين، والتي لم يتح فيها المجال لأسئلة الصحفيين. وكال تهما جزافا للأستاذ البحيري وتحدّث عن قضية مرفوعة ضدّه، وزعم تأخّر النيابة العمومية في التعهّد بها. لكن النيابة سارعت بالردّ من الغد في بيان مطوّل عن مباشرتها منذ شهر أكتوبر 2021  للقضية التي أشار إليها وزير الداخلية، وكشقت بعض تفاصيلها، واعتبرت أنّ الضابطة العدلية انتهى دورها في القضية وليس من حق وزير الداخلية التدخّل فيها. وهذا ما يزيد في حجج اعتبار ما حصل مع الأستاذ البحيري اختطافا واحتجازا وإخفاء قسريا وهي جرائم ضد الإنسانية، يعاقب عليها القانون التونسي والدولي أيضا. وقد صدرت بعد مواقف في هذا الاتجاه، من جمعيات ومنظمات حقوفية ذات شأن ومصداقية.

وبعد ما دفعت هيئة الدفاع بشكاوى عديدة داخلية وخارجية في الغرض، وستتبعها قضايا أخرى من جهات مختلفة، يظلّ التتبع الجزائي قائما في حق المتورّطين، أمرا وقرارا وتنفيذا. ولكن أيضا يظلّ الخزي يلاحق الجهات السياسية والإعلامية والحقوفية، التي ورّطها اختطاف االبحيري في خطابات ومشاعر ومواقف الشماتة والتواطؤ وخيانة القيم والمبادئ. وقبل  كل ذلك، وفي انتظار المسار القضائي للتهم المزعومة، لا يفوتنا أن نسجّل إلى حدّ الآن  تهافت سرديات تشويه الأستاذ البحيري وقيادات حركة النهضة. فبعد النبش في سيرهم وملفاتهم المختلفة منذ نحو ستة أشهر من انقلاب 25 جويلية، نجد أنفسنا أمام إدّعاء يتصل بتدليس إثنين من مضامين ولادة أو شهادات جنسية أو جوازات سفر ذكرت النيابة العمومية أنها تعود إلى ثمانينات القرن الماضي، ونسبة ذلك إلى وزير العدل سنة 2013. ومن الحمق ما يبكي ويضحك في آن.

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 238، تونس  في  06 جانفي 2022

مشاركة
    0 Comments

    No Comment.

    %d مدونون معجبون بهذه: