من جماعة سرّيّة إلى حزب في الحكم: حركة النهضة تتطوّر سياسيّا وتتردّد فكريّا

من جماعة سرّيّة إلى حزب في الحكم:

حركة النهضة تتطوّر سياسيّا وتتردّد فكريّا

 

إنّ حركة النهضة التي لاحقها الاستبداد على فترات مختلفة من تاريخ تونس المعاصر ومنع تنظّمها القانوني وشوّه تطوّرها الفكري وأربك مسارها السياسي وألحق أذى كبيرا بالمنتسبين إليها، كانت لها مساهمة فعّالة في النضال من أجل ديمقراطية الحكم، رغم أنّ بيانها التأسيسي لسنة 1981 خلا من أيّ ذكر للديمقراطية ومن أيّ استعمال لمعجم الحداثة السياسية في  التعاقد والمواطنة والمساواة وحقوق الإنسان وغيرها. وإنّ هذه الحركة التي كانت لها الأغلبية في المجلس الوطني التأسيسي، والتي صادقت في دستور الجمهورية الثانية لسنة 2014 على كفالة الدولة لحرية المعتقد والضمير ومنع دعوات التكفير، وتخلّت عن مطلب جعل “الشريعة الإسلامية” مصدرا  للتشريع التونسي، ما زالت وثيقة رؤيتها الفكرية ومنهجها الأصولي، المعتمدة منذ مؤتمرها المنعقد سنة 1986 تتضمن تصريحا واضحا بتكفير من خالف فهما معيّنا للعقيدة الإسلامية. كما تتضمّن الوثيقة تحديدا لمنهج أصولي في فهم أحكام الشريعة وتطبيقها، لا يخلو من تكفير مبطّن ويتعارض مع ما تضمنه الدستور وما جرت به القوانين في بلادنا. وتلك المفارقات من أوكد دواعي التغيير والتطوير الفكري والسياسي.

فبعد تجربة في الحكم لم تكن سهلة، وفي ظلّ تقلّبات إقليمية وأوضاع تونسية صعبة بل بالغة التعقيد، وأمام انتظارات كبرى من حركة النهضة التي تشكّل أهم طرف سياسي وطنيا وتجربة مميّزة عربيا وإسلاميا، بات مطلوبا من هذه الحركة أن  تُقدم على قرارات واعية وديمقراطية عبر مؤسساتها، على تغيير رؤيتها الفكرية ومزيد تطوير معجمها السياسي، لتواكب نصوصها النظرية تطوّرها الملحوظ في الممارسة، وحتى تطمئن التونسيين أكثر على مدنيّتها وتونسيتها وحداثتها، وحتّى لا يظلّ خصومها يتّهمونها بالازدواجية أو بالتنازلات تحت إكراهات الواقع. وحتى تستفيد الحركة من تجربتها الطويلة  بعد ما يزيد عن الثلاثة عقود، في ضوء تطورات المشهد التونسي بعد الثورة وفي ضوء انخراطها في إنجاح المسار الديمقراطي وتعهّداتها في الداخل والخارج واستعداداتها لمواجهة استحقاقات مرحلة مختلفة عن سابقاتها.

في السياق التاريخي للرؤية الفكرية الحالية لحركة النهضة

تجتمع عوامل مختلفة، نرى من المهمّ الوقوف عندها، لتوضيح دواعي ما نذهب إليه من تركيز على “الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي” لحركة الاتجاه الإسلامي بتونس سابقا وحركة النهضة حاليا، في تحديد المرجعية الفكرية لحركة النهضة بتونس واتجاهات خطابها، وعلى الحاجة إلى تغييرها، بتغيّر السياق التاريخي الذي صيغت فيه.

فمؤسسو “العمل الإسلامي” بتونس نهاية ستينات القرن الماضي وبداية السبعينات، كانوا عموما شبابا حديثي التخرّج من الجامعة، أو طلاّبا بها، ولم تكن لهم أدبيات منشورة تحدّد مرجعيّتهم الفكرية. كما أن “الجماعة” كما كانت تسمى في البداية، منذ انطلاقها إلى حدود نهاية الثمانينات، لم يبرز بين صفوفها كُتّاب أو أصحاب إنتاج فكري، عدا حالات محتشمة لراشد الغنوشي وعبد المجيد النجار، تدعّمت خلال الفترة الأخيرة بصورة لافتة.  كما لم تصدر عن الحركة (التنظيم)  أدبيات فكرية ذات بال. وهذا ما يخلق صعوبة في اعتماد مراجع معيّنة لتحديد الخصائص الفكرية للحركة الإسلامية بتونس في نشأتها.

ومن جهة ثانية، فمن الناحية الحركيّة، خاضت النواة المؤسسة للعمل الإسلامي تجارب مختلفة عكست حالة من التردّد والبحث عن الطريق. فقد سلكت في سنواتها الأولى نهج  “جماعة التبليغ والدعوة” ذات الأصول الباكستانية،  كما عملت لفترة أخرى ضمن “جمعية المحافظة على القرآن الكريم”،  وحاولت لاحقا استنساخ تجربة “الإخوان المسلمين” بمصر، ثم كان التأثّر خلال ثمانينات القرن الماضي، بالثورة الإسلامية في إيران وبالفكر الاجتماعي لإخوان السودان  وبتجارب اليسار التونسي بالجامعة.

إنّ غياب مرجعية فكرية أو حركية مُحدّدة مسبقا، وتعدّد الرموز المؤسسين واختلاف تكوينهم وعدم وجود “مشائخ علم”، كانت عوامل لم تخل من إيجابية، إذ ساعدت على اتّسام “الاتجاه الإسلامي” بدرجة لا بأس بها من التحرّر الفكري وتعدّد الاجتهادات وتنوع الخطابات، في صفوف قيادات العمل الطلابي بالجامعة خاصة. كما ساعدت على انفتاح “الإسلاميين” بتونس، على كتابات من مرجعيات متنوّعة، بغرض الاستفادة منها أو في إطار الصراع مع مخالفيهم. لكن هذه العوامل ذاتها، تخلق صعوبة في تحديد الخصائص الفكرية للحركة بصفتها تنظيما سياسيا، بناء على خطاب جامع أو أدبيات مُلزمة.

ويبدو أنّ انضمام “الجماعة الإسلامية” في تونس إلى “جماعة الإخوان المسلمين” بمصر، فكريّا على الأقلّ، في ظلّ غموض العلاقة بما يسمّى “التنظيم الدولي للإخوان المسلمين”، كان انضماما متسرّعا ولم يُبن على دراسة معمّقة لتجربة هذه الحركة. رغم أنّ حضور فكر الإخوان المسلمين في الساحة التونسية وصدى دعوتهم في الصحافة وفي الخطابات تعود إلى فترة ما قبل الاستقلال، وخاصة من خلال “جماعة الشبّان المسلمين” بتونس .

تعامل مؤسسو “الجماعة الإسلامية” مع “الإخوان” من موقع الانبهار والاستهلاك وليس من موقع النقد والاستئناس. وقد شكّلت كتابات أعلام من الإخوان المسلمين عل غرار سيد قطب وشقيقه محمد قطب ومؤلفات عبد القادر عودة وفتحي يكن، مادّة أساسية في تكوين الجيل الأوّل من المنتمين للحركة الإسلامية بتونس. لذلك كان نقد الفكر “الإخواني” في مقدمة مواضيع الخلاف الذي عرفته الجماعة مبكرا وأدى إلى تصدّع تنظيمي تأسس بمقتضاه “الإسلاميون التقدميون”.  وكان احميدة النيفر، وهو أحد مؤسسي الجماعة الإسلامية، أوّل من بدأ  بنقد الإخوان المسلمين على إثر لقاء تعرّف خلاله على  محمد قطب مباشرة  في زيارة عمرة  إلى مكّة، قبل سفره إلى القاهرة لاحقا للتعرّف على حركة الإخوان من قريب، ثم  اطّلاعه على بعض الكتابات الناقدة للإخوان.

تركّز النقد الداخلي لمن سيسمّون لاحقا “الإسلاميين التقدميين”، على النزعة “الأخلاقويّة” لدى الجماعة واهتمام الخطاب بالسلوك الفردي وبالمسائل الروحية على حساب نقد المجتمع والدولة والاهتمام بالأبعاد الاجتماعية، كما دعوا إلى ضرورة التفريق بين “الإسلام” بصفته وحيا من قرآن وسنة صحيحة، ثابتا وملزما،  وبين “التراث الإسلامي” بصفته اجتهادا بشريا مرتبطا بظروفه وغير ملزم للأجيال المتعاقبة. ونقدوا نظرة الإسلاميين للمرأة ولدورها، وموقفهم السلبي من الموسيقى وسائر الفنون، وامتد النقد ليشمل الموقف من الثقافة الغربية ومن الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان وعلاقة العقل بالنقل والفهم المقاصدي للشريعة وغياب التاريخية في فهم النصوص … وقد عكست مجلة “المعرفة” آنذاك جوانب من بداية هذا التحوّل الفكري، أكتفي بإحالتين في هذا السياق لدلالتهما العميقة.

فقد انتقد احميدة النيفر على سبيل المثال “الإمّعية” والتبعيّة في الفكر والسلوك و”المشيخية” في القيادة، إذ يذكر أنّ “الإمّعية تعني تربية نموذج بشري بعيد عن الفساد السائد في المجتمع ولكنه عاجز على أن يكون متحرّرا داخل الجماعة. فهو مسحوق قبل الانتماء ومسحوق بعده. لقد كانت للرسول صلى الله عليه وسلم القيادة ولكنه لم يحطّم شخصيات الصحابة. وكانت له الإمارة ولم يصنع إمّعة واحدة. وهذا مظهر من مظاهر صدق نبوّته وعظمته الكامنة في الدعوة إلى اللهّ. أما في عصرنا فقد كوّن كل قائد/شيخ باسم مبدأ الإمارة “مدرسة” طبعها بطابعه وفكره ومزاجه، ووراءه أتباع مهزومون في الغالب، متمرّدون ومنشقون أحيانا، منحرفون حتما بعد وفاته”.  وكتب صلاح الدين الجورشي مشدّدا على الحاجة إلى المراجعة الجذرية “إنّ نقدا ذاتيا لا بدّ أن يحصل. إنّ قداسة وهمية لا بدّ أن تزول عن تاريخنا وعن أنظمة وحركات وشخصيات أفرزها نضالها الطويل من أجل تحوّل جادّ. إنّ رؤية جديدة لقضايا الناس وللعلاقات الاجتماعية لا بدّ أن تظهر، وأنّ مواقف من الفرد والمرأة والمجتمع والملكية والحضارة لا بدّ أن توضّح وتعمّق. باختصار إن روحا جديدة لا بدّ أن تسري فينا وإن فكرا جديدا لا بدّ أن يطرح من قبلنا ومن داخل صفوفنا.” . هذا النقد الذي بدأ ذاتيا، أي من داخل الجماعة، سرعان ما انتهى إلى تصدّع وانشقاق تنظيمي، ليتواصل النقد ويتعمّق من موقع المنافسة والضغط من الخارج.

كان للنقد الذي باشره “الإسلاميون التقدميون” بشكل واسع، لأدبيات الإخوان المسلمين، أثره الواضح داخل الجماعة الأمّ وخاصة في صفوف الاتجاه الإسلامي بالجامعة. وقد عزّز انتصار الثورة الإسلامية في إيران والإطّلاع على بعض  أدبيات أعلامها،  هذا المنحى النقدي، خاصّة فيما يتّصل بضعف الاهتمام بالمسائل الاجتماعية والاقتصادية،  وفتح المجال لبدائل مختلفة، حتى أنّ راشد الغنوشي صار يصف فكر الإخوان  في تلك المرحلة “بالتقليدي” إذ يذكر في سيرته الذاتية أنّه “جاءت الثورة الإيرانية في وقت مهمّ بالنسبة إلينا، إذ كنّا بصدد التمرّد على الفكر الإسلامي التقليدي الوافد من المشرق والذي يختصر الصراع في المجتمع في بعد واحد” . وكان نقد الإخوان أو “الفكر الوافد من المشرق” كما وصفه الغنوشي بداية اكتشاف الحركة الإسلامية بتونس لانبتاتها عن الواقع الذي نشأت فيه والذي تريد تغييره.

فلم تؤصل الجماعة الإسلامية بتونس فكرها في حركة الإصلاح التي عرفتها تونس منذ القرن التاسع عشر. كما لم يكن لجامع الزيتونة ولأعلامه من المصلحين خاصة، من أمثال سالم بوحاجب والطاهر والفاضل ابن عاشور أي أثر على الحركة، رغم سبق عبد العزيز بن ميلاد أواسط الستينات إلى محاولة بعث حركة إحيائية بتونس ورغم وجود زيتونيّين داعمين للجماعة في نشأتها أمثال عبد القادر سلامة صاحب مجلة “المعرفة” ومديرها ومحمد الصالح النيفر، المدرّس بجامع الزيتونة. وكلاهما كانا لاحقا ضمن الهيئة التأسيسية ل”حركة الاتجاه الإسلامي” سنة 1981. إذ يذكر راشد الغنوشي أنّه “لم تكن الحركة الإسلامية المعاصرة في تونس من ثمار جامع الزيتونة بل لم يكن للجامع دور يذكر في نشأتها”.   وربما عملت الحركة على تلافي هذا الانقطاع أو الاغتراب عن البيئة المحلية وحاولت وصل نفسها بإرث البلاد وخاصة جامع الزيتونة بداية من نهاية الثمانينات، من خلال بعض البحوث الجامعية لطلاب الحركة أو من خلال مؤلفات بعض  قادتها خاصة النجار والغنوشي. وصار تبنّي رموز الحركة الإصلاحية التونسية أكثر وضوحا وحضورا وبروزا في بيانات حركة النهضة نهاية تسعينات القرن الماضي وفي خطاب قياداتها بعد الثورة.

لقد كانت علاقة أغلب الإسلاميين علاقة ضعيفة بالثقافة المحلّية وبتاريخ تونس المعاصر وبأعلامها وخاصة بمؤلفات التونسيين من الجيل الحديث.  ولعلّ الموقف الحادّ الذي اتخذه الإسلاميون من الرئيس الحبيب بورقيبة ومن النخبة الحاكمة التي وُصفت ب”المتغرّبة” و” المعادية للإسلام”، والتي كانت تتبنى التراث الإصلاحي،  زادت في تغذية هذا الانقطاع عن البيئة المحلية.

إن الضغط الذي مارسه “الإسلاميون التقدميون” والتصدّع التنظيمي الذي عرفته الجماعة في نهاية سبعينات القرن العشرين، والانسحابات المتلاحقة لكوادر من الحركة خلال الثمانينات، إضافة إلى عوامل أخرى أهمّها تأثيرات الثورة الإسلامية بإيران بقيادة الخميني، والتجربة السياسية البراغماتية للحركة الإسلامية بالسودان بقيادة حسن الترابي وبعض أفكاره النقدية، والصراع الاجتماعي بين النقابيين والسلطة بتونس في تلك الفترة لاسيما أحداث 26 جانفي 1978، والضغوطات التي مارسها اليسار التونسي على الإسلاميين بالجامعة وإحراجهم بنقد تجربة الإخوان المسلمين أو في دفعهم إلى الإفصاح عن خياراتهم الاقتصادية والاجتماعية وتحليلهم للوضع الدولي والإقليمي، وانفتاح الشباب الإسلامي على الكتابات النقدية في الفكر العربي المعاصر، خاصة خلال فترة الفراغ السياسي والفكري التي عرفها الاتجاه الإسلامي بعد اعتقال قياداته أو فرارها إلى الخارج مطلع الثمانينات، وتوسّع عدد المنتسبين أو المتعاطفين مع الحركة وانضمام كوادر مختلفة التكوين والتطلعات، هذه العناصر مجتمعة شكّلت ضغطا  قويا على قيادة الحركة لبلورة فكرها، وخاصة لتوضيح بعض المسائل الأساسية، حتى لا يحصل “انحراف في الاتجاه”، أو ينسب إلى الحركة “ما ليس من صميم فكرها”، سواء بدافع الرغبة في التطوير ومواجهة التحديات أو بدافع النيل منها وتشويهها.

وربّما كانت العناصر الأكثر تقليدية في القيادة والأشدّ تأثيرا في التنظيم، أحرص على صياغة وثيقة  جامعة تكون مرجعية فكرية للحركة. وهي الوثيقة التي أقرّها المؤتمر العام للحركة في ديسمبر 1986، أي بعد سنتين من خروج القيادة من السجن سنة 1984، واكتملت صياغتها في مطلع 1987 ونشرت لاحقا تحت عنوان “الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي لحركة الاتجاه الإسلامي بتونس”.

هذه الوثيقة الفكرية الرسمية  الوحيدة تقريبا، التي أقرّها مؤتمر وتم نشرها للعموم، أعدّت أصلا لضبط الحالة التنظيمية بوضع أساس جامع للانتماء، وأيضا لتكون منطلقا لمن يريد الوقوف على الخصائص الفكرية والخلفيات النظرية لهذه الحركة، اجتنابا لأي تشويه متعمد لمواقفها بتقويلها ما لم تقل. وهو ما تؤكده مقدمتها التي جاء فيها “نرسم في ما يلي الأسس العقائدية والأصولية لحركتنا حتى تكون معالم نلتقي حولها ونجعلها منطلقا نبني عليه عقيدتنا ونتفاعل به مع الواقع فكرا وممارسة (…) ونحن نقدّر أنّ هذه الأسس العقائدية والأصولية، حقيقة بأن تستنهض همم الكافّة للتفاعل معها بكل رشد وإيجابية وللتعامل من خلالها معنا ككيان واضح الأسس محدّد المعالم”.

ولئن لم تحظ هذه الوثيقة بالاهتمام اللازم، لا داخل الحركة ولا من قبل المتابعين، نتيجة حالة الصدام بين الحركة والسلطة، التي بدأت في نهاية العهد البورقيبي وامتدت على كامل فترة حكم بن علي، فإن ممّا يعزّز تركيزنا عليها كمادة أساسية في تحديد الخصائص الفكرية لحركة النهضة، هو أن المؤتمر الثامن المنعقد في ماي 2007 بالخارج، جدّد التمسك بها. إذ جاء في البيان الختامي أنه “جدّد المؤتمرون  التزام حركة النهضة بالهوية التي حددتها وثائقها السابقة، والتي تعني الاعتماد على المرجعية الإسلامية وما يعنيه من تقيّد في جميع تصوراتها ومواقفها بما هو معلوم من الدين بالضرورة مُضمنَّا في النصوص الشرعية القطعية مع التوسع في غيرها من الظنّيات بالاجتهاد بشروطه المعتبرة”.

وتأتي هذه الإشارة في علاقة غير خافية بما أثارته النصوص الفكرية حول المساواة بين الجنسين وحول حرية المعتقد الصادرة عن “هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات بتونس” (2005)، والتي كانت حركة النهضة أحد مكوناتها، من انتقادات بعض كوادرها الرافضين لمنحى هذه النصوص ولما رأوا فيها من تنازلات تحت ضغط بقية المكونات، وهو ما عدّه البعض نوعا من “الملاحقة الفكرية” التي تُمارس على الحركة من  طرف اليسار،  بعد الملاحقة الأمنية التي تعرضت لها من طرف السلطة.  كما تمّت طباعة وثيقة “الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي لحركة النهضة التونسية” بعد الثورة، ضمن سلسلة “قطوف النهضة”  وتولّت الحركة توزيعها مع أدبيات أخرى، دون أن يشير المؤتمر التاسع المنعقد سنة 2012، وهو أوّل مؤتمر علني للحركة بعد الاعتراف القانوني بها، إلى اعتمادها أو التخلي عنها رسميا.

لهذه الاعتبارات جميعها، نشدّد على الحاجة إلى تطوير هذه الوثيقة، فقد زالت أسباب وضعها، وقد تجاوزتها الحركة في الممارسة وإن ظلّ بعض قياداتها وأنصارها ينظرون إليها بصفتها نصّا مرجعيا جامعا. كما نركّز بدرجة أقلّ على البيان التأسيسي لحركة الاتجاه الإسلامي سنة 1981 والبيانات الصادرة لاحقا بمناسبة هذه الذكرى، في تحديد ملامح الخطاب السياسي ومعجمه، الذي يبدو هو الآخر مُفوّتا وبحاجة إلى التحيين والتطوير.

خطاب سياسي جديد لحركة النهضة ورهانات مختلفة

نشأ الاتجاه الإسلامي بتونس، على غرار سائر التيار الإسلامي، بدءا بتأسيس جماعة “الإخوان المسلمين” بمصر سنة 1928، في سياق ردّ فعل ثقافي واضح على تيار “العلمنة” في الفكر العربي الحديث الذي كان يستهدف إبعاد الإسلام من الدولة وحتى  من المجتمع باسم العلمانية، وتأثّرا بالتجربة الأوروبية الحديثة في “الصراع مع الكنيسة”.  فكانت دعوة الإسلاميين إلى “أسلمة المجتمع والدولة” تحت عناوين مختلفة على غرار أنّ ا”لإسلام دين ودولة وعقيدة وشريعة ومصحف وسيف ونظام شامل للحياة”. وغلبت على المرحلة الأولى الدروس بالمساجد والمقالات عبر مجلة “المعرفة”. وكان مصطلح “الدعوة” المحبّذ في استعمال الإسلاميين،  يختزل استعادة النموذج النبوي وما يعنيه ذلك من اغتراب تاريخي ومن “تكفير للمجتمع” الموصوف بالجاهلية. وغلب على العمل العفويّة والبحث عن الذات، ولم ينعقد المؤتمر التأسيسي إلاّ بعد عشريّة من العمل سنة 1979، إثر انشقاق “الإسلاميين التقدميين” (اليسار الإسلامي)، الذين كان وجودهم مركّزا بالعاصمة أساسا، لتنتقل تجربة الجماعة من العفوية إلى التنظّم والعمل ضمن هيكلة مضبوطة بقانون أساسي.

بعد انكشاف تنظيم “الجماعة” في ديسمبر 1980 للمصالح الأمنية، والذي عكست هيكلته السرية من “أسرة مفتوحة” و”أسرة ملتزمة”…وتسميات المسؤولين من “أمير” وعامل” و”وكيل” … تقليدية الجماعة وانشدادها إلى التراث، جاء القرار بالإعلان عن “حركة   الاتجاه الإسلامي في 6 جوان سنة 1981 والتقدم بطلب التأشيرة القانونية. ولم يمنع ذلك الإعلان محاكمة الحركة لاحقا خاصة بعد انزعاج النظام من حجمها وانتشارها السريع في المعاهد الثانوية والجامعة.

ورد في مطلع البيان التأسيسي ما نصه “يشهد العالم الإسلامي ـ وبلادنا جزء منه ـ أبشع أنواع الاستلاب والغربة عن ذاته ومصالحه. فمنذ التاريخ الوسيط وأسباب الانحطاط تفعل فعلها في كيان أمتنا وتدفع بها إلى التخلي عن مهمة الريادة والإشعاع، طورا لفائدة غرب مستعمر وآخر لصالح أقليات داخلية متحكّمة انفصلت عن أصولها وصادمت مطامح شعوبها. وكان المستهدف الأول طوال هذه الأطوار كلها هو الإسلام، محور شخصيتنا الحضارية وعصب ضميرنا الجمعي”.  وهكذا كانت نشأة التيار الإسلامي إيذانا بالتعدّدية الفكرية والتنوّع الثقافي، تمهيدا للتعدّدية السياسية. وكانت شمولية الخطاب الإسلامي جزءا من شمولية الخطابات الأيديولوجية عموما.

لم تكن الديمقراطية من أولويات الإسلاميين  ولا من معجمهم، تماما مثل اليساريين والقوميين من منافسيهم، ولا حتّى من ثوابت خطاب الحكم آنذاك. فقد ذكر راشد الغنوشي في الندوة الصحفية لشرح البيان التأسيسي أن “حركة الاتجاه الإسلامي لا تؤمن بحكم إسلامي ثيوقراطي” لكنه أضاف  أن “تصورنا لنظام الحكم ليس تصوّرا ديمقراطيا ولكنه تصوّر شوري” . وكان المشروع السياسي والمجتمعي للجماعة “السرية” قبل ذلك يتمحور حول مطلب مُبهم في تطبيق “الشريعة الإسلامية” وإقامة “البديل الإسلامي”. ولذلك لا عجب أن يخلو البيان التأسيسي للحركة من أيّ استخدام لمصطلح الديمقراطية ولمفردات المعجم السياسي الذي صار يشكّل الخطاب السياسي لحركة النهضة خلال السنوات الأخيرة وخاصة بعد الثورة.  فقد كان “الإسلام” هو “المستهدف الأوّل” كما ينصّ البيان التأسيسي، وليست الحريات وحقوق الإنسان على سبيل المثال، كما صارت تعبّر عنه البيانات الأخيرة. وكان الهدف هو “إعادة الاعتبار للإسلام فكرا وثقافة وسلوكا وإعادة الاعتبار للمسجد…”  وليس بناء الديمقراطية وتحقيق التنمية كما يُقال اليوم.

دخلت حركة النهضة في مواجهة مفتوحة مع النظام نهاية حكم بورقيبة ومهدت الطريق لانقلاب 7 نوفمبر 1987. ثم كانت المواجهة الثانية والمحنة الكبرى مع حكم إبن علي الذي سلّط على الحركة أقسى درجات القمع وسياسة الاستئصال حتى أنهى وجودها تنظيميا بالداخل وانتقلت قيادة الحركة رسميا إلى الخارج  ولم تبدأ الحركة في استعادة عافيتها نسبيا إلا بعد مؤتمرها السادس بالمهجر سنة 1995  الذي أقرّ تقييما معمّقا لمسار الحركة ووقف على أخطائها في المواجهات غير المحسوبة ونشر ذلك لاحقا في كتاب أبيض بعنوان”البيان الشامل”  وكان ذلك المؤتمر إيذانا بنقلة نوعية في المعجم السياسي والخطاب والعلاقات والسياسات.

تمّت  إعادة موقعة الحركة الإسلامية في بيئتها التونسية في هذا البيان، وتمّ التأكيد على صلتها بحركة الإصلاح والنضال الوطني والنقابي كما تمت الإشارة  إلى أنه “كان لهيمنة الفضاء السياسي على الفضاءين الدعوي والثقافي النتائج السلبية على مسيرة الحركة وتطوّر الصحوة”  وينسحب هذا التقييم على مرحلة الثمانينات والدخول الاضطراري والمستعجل في المعترك الحزبي ثم في المواجهة السياسية. بل تمّ الإقرار بوضوح أنه “وقع استدراج الحركة لمخالفة استراتيجيتها بالدخول قي مواجهة لطالما حاولت تجنبها، حيث اتخذت أثناء مواجهتي 1987 و1991 من الشارع مجالا لتحرّكاتها التعبوية تصديا لعنف الدولة وغطرستها، كما اضطرّ بعض الشبّان للقيام ببعض المبادرات الفردية تمثلت أساسا في استخدام المولوتوف ردّا على مداهمات البوليس وإطلاق الرصاص والاعتقال العشوائي والتعذيب حتى الموت”  وتمّت الدعوة في هذا البيان إلى المصالحة الوطنية “والتخلي عن ثقافة التناحر والتصادم والإقصاء” وذكر البيان أن الحركة “تجدّد تأكيدها على طبيعتها السياسية المدنية ورفضها لأي ازدواج في الإستراتيجية أو في الخطاب، واعتمادها المنهج العلني السلمي في التغيير، ورفضها استعمال العنف وسيلة لحسم الصراعات السياسية والفكرية ومنهجا للوصول إلى السلطة أو التمسك بها”  وفي هذا التقييم كما هو واضح تأشير على بدء مرحلة جديدة وقطع مع سياسات أو ممارسات أملتها سياقات مخصوصة أو تبيّنت عواقبها السلبية. وقد تابعت الحركة هذا التطور عموما في بياناتها للسنوات اللاحقة.

تطوّر الخطاب السياسي لحركة النهضة بدءا بحرصها على الاندماج السياسي وتطبيع وضعها القانوني بعد مشاركتها غير المباشرة في الانتخابات التشريعية لسنة 1989، وتغيير إسمها من ” الاتجاه الإسلامي” إلى “حركة النهضة” رغبة في الخضوع إلى قانون الأحزاب حسب فهم النافذين في الحكم آنذاك والحصول على الاعتراف القانوني. ولكنّ التطور الكبير حصل بصفة خاصة من خلال مراكمة الوعي بالقمع  الذي تعرّضت له الحركة ونضالها ضدّ الاستبداد، على غرار ما ورد ببيان ذكرى التأسيس في 2008 “بعد محاكمات سياسية في صائفة 1981 ومنذ تلك السنة إلى حدّ اليوم والحركة لا تخرج من محنة إلاّ لتسلّط عليها أخرى وكل هذه المحن تدور حول ذات القضية وهي قضية الحريات والحق في العمل السياسي والاجتماعي والثقافي.”  وعبر هذا الاستثمار في الديمقراطية والمشاركة في الحركة الحقوقية والسياسية التي مهدت لثورة 17 ديسمبر 2010/ 14 جانفي 2011، وأيضا عبر وعي الحركة المتنامي بإكراهات المحيط الإقليمي والدولي، الذي كان غائبا أو ضعيفا إلى حدّ كبير إلى نهاية الثمانينات، وكذلك من خلال تجربة العمل المشترك مع المخالفين، في المعارضة ثم في الحكم لاحقا، سلكت حركة النهضة طريقها إلى النضج السياسي وطوّرت معجمها السياسي وممارستها.

أقرّت حركة النهضة خلال السنوات الأخيرة باستفادتها من تجارب غيرها وخاصة استفادتها من النقد الذي مارسه الإسلاميون التقدميون، رغم ما سبّبه الخلاف معهم ثم انشقاقهم من خطر على استمرار الحركة. فقد ورد في بيان 6 جوان 1997 تعليقا على ذلك الخلاف “ومع أن هذا الأمر قد حسم في مؤتمر 1984 بنص الرؤية الأصولية لحركة الاتجاه الإسلامي، فأغلق هذا الباب الذي كاد يطيح بالحركة واقتصرت الخسارة على بضعة أنفار، إلاّ أن الوجه الإيجابي لذلك الحوار أو قل الصراع الداخلي هو من الأهمية التي لا يسوغ إغفالها (…) فكان لهذا التمييز بين الإسلام والفكر الإسلامي بين الثابت والمتطور أثر آخر معتبر في تحرير فكر الحركة وانعتاقه من ربقة التقليد وتأهيله للتفاعل الإيجابي مع تحديات البيئة والعصر وقضاياه مثل قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية المرأة والمجتمع المدني والعدالة الاجتماعية والصراع الدولي ضد قوى الهيمنة وكذلك قضية التجزئة في أمتنا وما تتطلبه من دعم لكل مسعى وحدوي”.

وفي بيان 6 جوان 2004 تمّت الإشارة إلى أن الحركة الإسلامية المعاصرة بتونس تابعت ما بدأه شيوخ الزيتونة، بل ذكر البيان لأول مرة أنّ “أهمّ وثيقة إصلاحية إسلامية أفصح عنها القرن التاسع عشر هي “أقوم المسالك…”بإمضاء الوزير خير الدين وإن كانت في الحقيقة ثمرة جهد إصلاحي وفكري جماعي بين رجال الإدارة وعلماء الزيتونة”.  وفي بيان 6 جوان 2006، وعلى خلفية ما كانت تشهده البلاد من حوار فكري وسياسي بعد إضراب18 أكتوبر 2005 الذي شاركت فيه عناصر من حركة النهضة مع آخرين من أطياف سياسية واديديولوجية مختلفين عنها، تم التنصيص بوضوح على  أنه “كما لا مجال للتوزيع الحصري لصفات الإسلامية، فلا مجال أيضا للاستئثار بصفات الديمقراطية والحداثة والوطنية. فنحن ندّعي أن لنا وصلا بتلك المشاريع والمطالب، ولا تناقض عندنا بين الإسلامية والديمقراطية وبين الإسلامية والحداثة فضلا عن الإسلامية والوطنية” . فنحن هنا إزاء تغيّر لا لبس فيه في الموقف وفي المعجم مقارنة ببيان التأسيس، فحركة النهضة لا تحتكر صفة الإسلامية كما عبرت عن ذلك منذ 1981، وإنما ترى نفسها على أرضية الحداثة والديمقراطية، بل هي تعبير عن صيغة مخصوصة “للتحديث على أرضية العروبة والإسلام” في صراع مع رؤية مقابلة “للتحديث على أرضية التغريب والتبعية” كما تبلور ذلك في وعي قيادات من الحركة وتم التعبير عنه في وثيقة تمّت صياغتها في أواخر 2010 وأفصحت بوضوح على أنّ حركة النهضة الجديدة مختلفة عما يعرفه عنها التونسيون ما قبل 1991.

وفي بيان 6 جوان، بعد الثورة، أكدت النهضة هذا التطور المطّرد في وعيها وخطابها فشدّدت على “التزامها بمقوّمات الدولة المدنية الديمقراطية التي لا سند لشرعيتها غير ما تستمدّه من قبول شعبي تفصح عنه صناديق الاقتراع عبر انتخابات تعدّدية نزيهة. كما أكدت قاعدة المواطنة والمساواة بين الجنسين أساسا لتوزيع الحقوق والواجبات كتأكيدها لمبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان”.

تخلّت حركة النهضة خلال السنتين الأخيرتين خاصة عن مغازلة  أطراف داخلها “للتيار السلفي” والجماعات الراديكالية الإسلامية، في التوحّد حول مطلب تطبيق الشريعة ومواجهة العلمانيين، كما تخلّت عن نهجها في القطيعة السياسية مع المنظومة القديمة من الدستوريين خاصة، الذين كانت ترفض مجرد الجلوس معهم خلال السنة الأولى من حكم الترويكا، لتصبح من أهم المدافعين عن التوافق الوطني والشراكة السياسية التي لا تقصي أحدا. وكشفت قيادة النهضة عن مرونة سياسية بالغة ودرجة عالية من المناورة، حتى ضحّت بخروجها من الحكم من أجل التوافق على دستور ديمقراطي وخفض التشنّج السياسي وإنقاذ البلاد من سيناريوهات العنف، وسط أوضاع عربية مضطربة. وصار بناء الدولة الديمقراطية وضمان الحريات وحماية حقوق الإنسان، عنوان المشروع السياسي لحركة النهضة وليس إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة. وفي أحسن الأحوال لم يعد التعارض قائما بين الأمرين. كما صارت الحركة تتبنى الانتخابات التعددية والحرة والشفافة أساسا وحيدا لشرعية الحكم الديمقراطي، ولم تعد تفكّر بالمغالبة و”الغلبة” والإطاحة بالاستبداد بأيّة وسيلة، على غرار أغلب القوى الرافضة للدكتاتورية في المرحلة السابقة للثورة. وهذا تطوّر مهمّ في الخطاب وفي المعجم السياسي وفي الممارسة يتطلّب تأصيلا وتناغما مع الرؤية الفكرية.

في تغيير التعاطي مع العقيدة الإسلامية

تنصّ وثيقة “الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي” في محورها العقائدي على أن العقيدة هي “الأساس الذي تنساب منه بقية التصورات والأفكار والأحكام” وأن ذلك يقتضي “انبناءها على اليقين الذي لا يرتقي إليه احتمال ولا يداخله ظنّ”.  هذه العقيدة ” نستقي أركانها من القرآن الكريم والسنة المتواترة و نستقي فروعها من ظواهر الكتاب المعضّدة بما صحّ من أحاديث نبوية مجتمعة”. لكن كيف يمكن أن تكون العقيدة يقينية “لا يرتقي إليها احتمال” وهي مجرّد استيقاء من نصوص، أي تأويل وترجيح وترتيب واجتهاد؟ وكيف اليقين في ظواهر الكتاب وفي أحاديث نبوية تبقى ظنية الثبوت مهما كانت المقاييس؟ وأخيرا ما هي النتائج العملية في السياسة والمجتمع المترتبة عن فكر يعتقد أنّه ” يقين” وحقّ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!؟

هذه الأسئلة العامّة تتّضح دلالاتها النظرية وتداعياتها العملية أكثر، بالتوقّف عند بعض أركان العقيدة الستّة حسب الوثيقة.  ونكتفي للاختصار بركن الإيمان بالله تعالى على سبيل المثال ، الذي  يقتضي أن “لا يبقى في العقل أقل شبهة أو ريبة في وجود الله” وأن “لا يوصف بما توصف به المخلوقات” وأن “وجوده مُباين تمام المباينة للوجود الكوني ذاتا ووضعا” وأن نؤمن “بما وصف به نفسه من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه”. وعليه “فإن ألفاظ النصوص المفيدة للتشبيه لا تفهم  على ظواهرها بل نضعها في إطار التنزيه المطلق”. وفي شرح هذا الركن أفكار وتعابير مبهمة وأخرى نعترض عليها . فماذا يعني ألاّ يكون في عقل المؤمن ” أقل شبهة أو ريبة” وماذا لو يشكّ المؤمن ويراجع أفكاره باستمرار؟ وقد آمن إبراهيم عليه السلام قبل أن يطمئن قلبه. بل إن المؤمن يهدم ويبني مرات في اليوم كلما نطق بالشهادة ” لا إله(نفيا)   إلا الله (إثباتا).” وكيف لا نصف الله بما توصف به المخلوقات وهو حكيم، سميع، بصير، عدل الخ من الصفات التي تنسبت لله تعالى على وجه الكمال، وتنسب للإنسان على وجه النسبية، ربما من باب قياس الغائب (الله) على الشاهد(الإنسان)؟ وكيف يكون الله “مباينا تمام المباينة للوجود الكوني ذاتا ووضعا” وأصحاب الوثيقة لا يقولون بالتكييف ولا التمثيل ولا التشبيه؟ وماذا ينجرّ عن هذا الفصل والثنائية في النظرة العقائدية/الوجودية؟  أفلا يكون إخراج الله من الكون في مستوى التصوّر إخراجا له في مستوى الممارسة؟ فيطارد الإيمان في الشوارع والمصانع والحقول وساحات النضال والحياة اليومية، ويحاصر بالمساجد( بيوت الله) والقلوب (موضع الإيمان) وبعض المناسبات (المآتم مثالا). ثم أليس فصل الله عن العالم عجزا عن إدراكه وتحقيقه داخله؟ وما هي الجدوى العملية  لهذا الاعتقاد في المباينة ونحن نخوض حربا تحريرية ضد  كيان صهيوني/عدو تربط عقائده بين الله وفلسطين  فمن يقيم خارج أرض إسرائيل هو مثل إنسان بدون إله” كما ورد في العهد القديم؟

وما جدوى كل هذه التفاصيل العقيدية في الوثيقة؟  ربّما  يكون الجواب فيما أشار إليه  محمد الهاشمي الحامدي في تقديمه للوثيقة في أوّل طبعة لها حين ذكر أنها تقرّر “عقيدة أهل السنة والجماعة”. لكن ما الجديد وما الإضافة في هذا التقرير لعقيدة معلومة في تراثنا؟ وهل المطلوب من حركة النهضة تقرير عقيدة “جماعة” فتكون أقرب للرؤية “الطائفية” المنغلقة أم وضع رؤية فكرية منفتحة لحزب سياسي قد ينتمي إليه افتراضيا مواطنون تونسيون من غير المسلمين؟.

اكتفينا في هذه الملاحظات حول القسم العقائدي، بالتساؤل عن الجدوى العملية للاعتقاد في علاقته بالواقع العملي، لأن العقيدة أساس العمل كما جاء بالوثيقة. لكن الذي يبدو غير واضح وربّما مُخيفا وغير مقنع، هو ما ورد بالوثيقة من  أنّه “لا يقبل عمل إذا لم تكن وراءه هذه العقيدة كدافع للعمل وواقعا حسب ما تقتضيه هذه العقيدة، فإذا اختلت العقيدة أو فسدت أو كانت باطلة أو لم تتضمن أصولها، كان العمل فاسدا أو غير مقبول.” وهذا الاشتراط لقبول العمل في الآخرة، مع أنه يخالف صريح القرآن الذي أثنى عل أعمال أناس لا يحملون هذه العقيدة، بل ربّما ليسوا مسلمين أصلا، كان مقدمة لاستنتاج خطير خُتم به القسم العقائدي وجاء فيه “وعليه، فإننا لا نكفّر مسلما أقر بالشهادتين وتوابعها مما سبق ذكره، وعمل بمقتضاها وأدى الفرائض برأي أو معصية، إلا أن أقرّ بكلمة الكفر أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة، أو كذّب صريح القرآن أو فسّره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال أو عمل لا يحتمل تأويلا غير الكفر.”

فهذه النزعة التكفيرية الواضحة، هي أهم ما يجب التوقف عنده في هذا المحور. إذ “توابع الشهادتين ممّا سبق ذكره” في الوثيقة، لا ندري هل هي من الأصول أو من الفروع؟ وماذا لو اعترضنا على بعضها؟ أو رأينا فيها رأيا آخر كما ألمحنا فيما سبق؟ هذا إضافة إلى بقية الأسئلة التي يمكن أن تطرح حول ما هو معلوم من الدين بالضرورة؟ أو بصريح القرآن وأساليب اللغة؟ أو تأويل الأفعال على أنها كفر؟ ولأن نزعات التكفير لا تخفى نتائجها المدمّرة في تاريخنا القديم والحديث، فإن اشتراط الإسلام بصيغة محددة من أيّة جهة، هو ضرب من التكفير المرفوض. إذ التنصيص على عدم تكفير صنف هو تكفير لصنف آخر. فضلا على أن هذه النزعة في الحكم على عقائد الآخرين ـ من المسلمين خاصة ـ لا تتناسب أصلا مع طبيعة الحركة بصفتها حزبا سياسيا. وتبدو في تعارض جليّ مع مقتضيات الفصل السادس من الدستور.

ومن المهمّ في نهاية هذا المحور الإشارة إلى أن علم أصول الدين كما صيغ في القرون الأولى، لم تُجمع فيه الفرق الإسلامية الكبرى على الأركان الستة التي تناولتها الوثيقة، باعتبارها أصول العقيدة. فللمعتزلة أصولهم الخمسة المشهورة وللشيعة صياغتهم المختلفة لأصول الدين. ومن ناحية ثانية قد يكون من المهمّ إعادة صياغة العقائد وتقديمها بمصطلحات جديدة وفي علاقة بوجدان عصرنا وتحدياته. مثل إبراز أهمية الوعي التاريخي من خلال عقيدة النبوّة ودراسة تعاقب الرسالات، وتأصيل المواطنة و مبدأ تحمل المسؤولية وثقافة حقوق الإنسان، من خلال عقيدة الاستخلاف وعقيدة المعاد…فالعقيدة ليست قوالب جاهزة ولا محفوظات تكرّر ولا أفهاما محنطة، بل العقيدة منهج في النظر ورؤية للعالم وللعلاقات وبواعث على العمل بما يحقق مجتمع الصلاح والعدل بحسب ظروف الزمان والمكان. وهذا مجهود فكري مطلوب من علماء الأمة ومفكريها ومن مثقفي الأحزاب، لكنه ليس من صميم وثيقة تحدّد الملامح الفكرية العامة والخيارات الكبرى لحزب سياسي.

في تغيير منهج التعامل مع الوحي فهما وتطبيقا

نذهب هنا مباشرة إلى خُلاصات المنهج الأصولي لحركة النهضة في تعاملها مع الوحي انطلاقا من مقدمات  لا يتّسع المجال لمناقشتها ، وهو منهج من نقطتين( مرحلتين)، الأولى في فهم الوحي والثانية في التطبيق الواقعي له.  ونعضّد قراءتنا لهذا المحور بالرجوع إلى كتاب “خلافة الإنسان بين الوحي والعقل”   رأينا أنّه يساعدنا على وضوح أكبر في عرض الفكرة ومناقشتها. صدر لأحد قياديي حركة الاتجاه الإسلامي، في نفس الفترة وأثار فيه نفس الموضوعات، بنفس المنهجية والترتيب والأفكار. حتى لكأنّه شرح للوثيقة التي نحن بصددها، أو لكأنّ الوثيقة تلخيص له، وهو الأرجح. وإن اكتفى الكتاب بالمحور الأصولي دون العقدي على خلاف الوثيقة.

في النقطة الأولى تذكر الوثيقة “أن موضوع مرحلة الفهم هو البحث عن مراد الله تعالى فيما أمر به ونهى عنه في نصوص الوحي”. وهنا يتمّ إلحاق العقل بالنص والانتقال من مشكلة تغيير الواقع إلى مشكلة تأويل النصوص، وبهذا تنقل المعارك الفعلية في الواقع إلى معارك ذهنية في النص ويغيب العقل المصلحي ويجد كل طرف مبرراته في النص.  ونعود إلى معجم المذاهب الفقهية، رغم خلوّ عصرنا من مذاهب جديدة واستمرار الانتماء إلى مذاهب تراثية.

ويعتمد منهج فهم الوحي كما جاء في الوثيقة على خمسة أسس. هي الأساس اللغوي وفيه تتم الإشارة إلى أن فهم نصوص الوحي يكون “طبقا لمنطق اللغة العربية وقواعدها وأساليب استعمالها وصيغ تراكيبها في البيان وقت التنزيل” والأساس المقاصدي وفيه تتم الإشارة إلى “أن هذه المقاصد ليست بمعان خارجة من نصوص الوحي حتى نطلب إدراكها من جهة غير جهة تلك النصوص”. ومعنى ذلك على سبيل المثال كما يبيّن الدكتور النجار، أن مقصد الله في حفظ المال  يقتضي قطع يد السارق وعلى هذا الأساس لا يبقى مجال بعد ذلك لان يقال “أن هذا النص يمكن أن يفهم منه الكفّ عن قطع يد السارق، لأنه يؤدي إلى ضرر يلحق الإنسان المقطوعة يده، وهو ما يخالف حفظ النفس. لأن هذا الفهم يجعل أوامر الله عاطلة (…) فمقصد الوحي لا يجب فصله عن وسيلة تحقيقه حسب ما يبين الوحي (…) أما إذا عُيّن مقصد من خارج محتوى النص ثم أُجري عليه فهم ذلك النص فان الفهم سيكون حتما حائدا عن المراد الإلهي”  مثل القول أن جلد الزاني يتناقض مع مقصد حفظ كرامة الإنسان.  لذلك يتم التنصيص في الوثيقة ضمن هذا الأساس على أن للمصلحة ضوابط وهي: اندراجها في مقاصد الشريعة وعدم معارضتها للكتاب أو السنة أو القياس وعدم تفويتها مصلحة أهم منها “. وتلك تحديدات نصية لا صلة لها بتطور حياة الناس.

وفي الأساس الظرفي إشارة إلى ضرورة معرفة مناسبات النزول في فهم مراد النصوص. أما الأساس التكاملي فيعني تكامل نصوص الشريعة لأن التناقض فيها محال. وفي الأساس العقلي، وهو الأخير، يتم التأكيد على أن “النصوص القطعية وُرودا ودلالة ينحصر  عمل العقل في فهمها في إدراك المعاني التي تدلّ عليها واستيعابها وتمثلها كتمثل الحدود والكفّارات”. أما النصوص الظنية، فان كانت ظنية الورود “كان من عمل العقل التحقق في نسبتها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، بطرق من النقد معروفة في علم الحديث سندا ومتنا”. ولا ندري ما الإضافة في هذا التحقق ما دامت الطرق قديمة ومعروفة. وإذا كانت النصوص ظنية الدلالة يتم “ترجيح إحداها  بقرينة معتبرة شرعا”  وهكذا يظلّ الشرع هو المحدد للأفهام والاحتمالات وليس الواقع.

ولأن “للتأويل شروطا تحفظه من الزيغ” فانه بعد الإشارة إلى بعض تلك الشروط، جاء التساؤل عن القيد الزمني للأفهام العقلية؟ فتم تقسيمها إلى نوعين:

ـ الأفهام القابلة للتغير وهي المتعلقة بنصوص ظنية في ثبوتها أو دلالتها “ما لم يرد فيها إجماع من الصحابة”. فقد يؤدي النظر العقلي إلى العدول عن أدلة الترجيح وقرائنه القديمة إلى أدلة وقرائن أخرى ترجح احتمالا آخر، فينشأ فهم جديد.

ـ الأفهام التي تتصف بالإطلاق الزمني وهي على ضربين: “الأفهام الناشئة من النظر في نصوص ظنية ولكنها حظيت بإجماع الصحابة عليها، فهذا الإجماع من الصحابة يسبغ على فهم النص الظني ديمومة زمنية”. وكذلك “الأفهام الناشئة من النظر في النصوص القطعية، فهذه النصوص لما كانت الدلالة فيها منحصرة في وجه واحد من المعاني، كان الفهم فيها منحصرا في ذلك الوجه دون أن يناله التغيير على مر الزمان”.

كما يتمّ التأكيد على أن الحركة “تؤمن بعمومية الخطاب التشريعي ولا ترى اختصاص النص بظروف نزوله وأسبابه (…) و نحن نرى أن الأوضاع السائدة بقيمها ومفاهيمها لا تحدد أوجه الفهم في النصوص القطعية ( كالتعدد في الزواج والحدود ومنع الربا…) فلا يتأسس عندنا الفهم العقلي على معطيات الواقع الإنساني فحسب”. ويُختم هذا العنصر المتعلق بمنهج فهم الوحي بالتنبيه إلى أن “أدلّة الأحكام بمعنى أصول التشريع ومصادره ليست كلها في مرتبة واحدة، بل هي متفاوتة المراتب في الاستدلال بها(…) فكتاب الله هو أصل الأصول ومصدر المصادر وهو الحكم في كل شيء. ثم يجيء بعد الكتاب والسنة.. الإجماع، إن تحقق ونقل نقلا صحيحا، ثم الرأي والاجتهاد الذي يتنوع إلى أنواع”.

وهنا تطرح أسئلة عديدة تتصل بما سبق عرضه من منهج فهم الوحي، يضيق المجال بالتفصيل فيها. فهل تكفي الضوابط القديمة للّغة لتحديد ما هو قطعيّ وما هو ظنيّ، في ظلّ ما توصّلت إليه الدراسات الألسنية الحديثة والمعاصرة والفكر اللغوي ومناهج التأويل المختلفة؟ وهل يكفي الاتفاق على قطعيّة النص ليكون الفهم مُوحّدا وغير قابل للتغيّر، من زاوية النظرة التاريخية للنصوص التي تعد من أهم إضافات الفكر الحديث؟ وما معنى الإجماع؟ وما هي إمكانية تحقّقه؟ فالنصوص قطعية الدّلالة  يُفترض أن تكون واضحة بذاتها لا تحتاج إلى إجماع. أما ظنّية الدلالة فإن الإجماع فيها مستحيل. لأن الظنّ مجال الاختلاف. وأيّة تبعات فكرية لتبني فهم الصحابة للوحي والالتزام به دون غيره؟

وإضافة إلى هذه الأسئلة التي اكتفينا بأهمّها، تجدر الإشارة إلى أن التفاصيل المتعلقة بالأساس المقاصدي والأساس الظرفي والأساس العقلي بدت ضرورية في الوثيقة، لأنها موجّهة إلى معارضة وجهة نظر أخرى كانت ضاغطة آنذاك،  وهي التي عبّر عنها “الإسلاميون التقدميون”. وتلك إحدى البواعث الأساسية على صياغة الوثيقة. وهذا ما يبدو واضحا أكثر في كتاب عبد المجيد النجار الذي ضرب فيه أمثلة في نقد ما وصفه بأنه “دعوة  للتغيير فيما هو ثابت” واستشهد بفقرات لاحميدة النيفر وأخرى لحسن حنفي.  لينتهي إلى أن هذا الفهم يفصل المقاصد عن أساليب تحقيقها ويعطل تلك المقاصد. بل يذهب إلى أن “الأمر يؤول إلى محظور عظيم كفيل بأن يعرض منهاج الخلافة بأكمله إلى الانقضاض”.

ولا ندري كيف وصل عبد المجيد النجار إلى هذا الاستنتاج والحال أن القرآن غيّر بعض أحكامه خلال  ثلاث وعشرين سنة من نزوله، ونسخت آياته بعضها تفاعلا مع تطور المجتمع وتجربة الجماعة المؤمنة آنذاك، دون أن تُلغى الآيات المنسوخة أحكامها من المصحف، وتلك أمثلة عن تفاعل التشريع مع الواقع في تطوره. فالتفريق بين ما جاء من أجله الوحي من مقاصد وما جاء به الشرع من أحكام، ليس جائزا فقط بل  يعدّ شرطا لفهم الوحي. وأنّ ما يقع فيه الفكر التقليدي في هذا المستوى ناتج عن نظرة لا تاريخية للإنسان وللوحي. ذلك أن التاريخ ليس مجرّد تعاقب للأيام والسنين والقرون، وليس تراكما كميا في التجربة الإنسانية، بل تاريخ الإنسان أيضا صيرورة وتبدّلات نوعية. فالفتوحات المعرفية الكبرى غيّرت من نظرتنا للكون ولأنفسنا، وعليه فإنّ فهم الوحي لا تكفي فيه معرفة أسباب النزول، أو أساليب اللغة، بل يتطلّب تنزيلا تاريخيا لتلك النصوص حتى نكتشف كيف كان الوحي تعقّلا للواقع  ودفعا له نحو الأفضل. فالرسالات السماوية كما ورد بالوثيقة جاءت “تتابع الواقع الإنساني في تطوّراته وتقلباته”. ولا يمكن أن يكون الإسلام صالحا لكل زمان ومكان بشريعة موروثة جامدة أو بأفهام غير قابلة للمراجعة وإن كانت أفهام الصحابة.

وأخطر ما ينتهي إليه النجار في مناقشة ما أسماه “دعوة  للتغيير فيما هو ثابت”، هو اعتباره أنّ قول هؤلاء (اليسار الإسلامي) بظرفية النصوص المتعلقة بالحدود وتعدد الزوجات على سبيل المثال “يقتضي المنطق أن تتعدى لتشمل كافة النصوص القطعية المماثلة لها، وحينئذ تصبح تلك النصوص المكلفة بالإيمان بالله والنبوة والبعث آيلة إلى أن يعقد الأمر فيها بظروف الإنسان حال نزولها”. ثم يخلص إلى  أن هذا الإلزام المنطقي “يؤدي إلى نقض الدين من أساسه، ولا يبقى إذن من مجال لأن يُتناول الأمر على أنه اجتهاد  في الفهم. بل يخرج أصلا من دائرة الإيمان بالوحي (…) وذلك موقف آل إليه كثير من أصحاب هذه الوجهة، لكن قصرت بهم الجرأة عن إعلانه” . وهذا التكفير المُبطّن في المسائل الأصولية يبدو من جنس ما أشرنا إليه فيما سبق من تكفير في المسائل العقائدية.

وفي النقطة الثانية المتصلة بمرحلة تطبيق الوحي تنبّه الوثيقة إلى “أن تطبيق أحكام الوحي تطبيقا آليا بدون وعي بمقاصدها وطبيعة الواقع المنزلة فيه قد يؤدي إلى فوات مصلحة أو إلحاق ضرر بالناس من حيث قصد الشارع تحقيق النفع لهم، ولذلك فإننا نقيم منهج تطبيق الوحي على أساسين رئيسيين هما: العلم بعلل الأحكام، والعلم بالواقع المنزلة عليه الأحكام”. وعبر هذين الأساسين “ينطلق العمل الاجتهادي بهدف الملاءمة بين التكاليف الواردة في الأوامر والنواهي، وبين المقاصد الشرعية وبين صور وأشكال عملية لأفعال الناس(…) وهذا يقتضي أن يحدد النظر الاجتهادي في كل وضع واقعي جديد، سواء تمثل في حالات فردية أو في مظاهر عامة (…) وبناء على هذا يتحدد منهج الحركة في تصور التراث. فهي تعتبر ماضي الأمة متشابكا مع حاضرها. فالفكر الإسلامي إنما ينمو ويتكامل بإضافة اللاحقين إلى ما بناه السابقون لا بهدمه أو تركه جملة.”

ويشير النجار إلى أن خلط البعض بين مرحلة فهم الوحي ومرحلة التطبيق (التنزيل) يؤدي إلى “تطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقا آليا” ثم يضيف “لا تتوجه ملاحظتنا هذه في هذا الموطن وفيما يأتي من المواطن، إلى مبدأ المطالبة بتطبيق أحكام الشريعة كاملة، فذلك ما ينشده كل مسلم مخلص لتطبيق الأحكام الشرعية، بل إلى ما عبرنا عنه بالتطبيق الآلي”.  فالحركة في ما يُستخلص ممّا ساقهعبد المجيد النجار، تضع تطبيق الشريعة ضمن برنامجها، وإن لم يرد ذلك بوثائقها الرسمية، لكنها لا ترى أن ذلك يتحقق بصفة آلية، إذ “واقع المسلمين اليوم تغيّر عما كان عليه بالأمس وأصبح من الجدة والتعقيد على درجة لم تكن تخطر على بال الأسلاف”.  لكن تطبيق الشريعة بحسب ظروف الواقع، أفلا يفسح المجال للاجتهاد في صيغ التطبيق؟ والحال أن القرآن كما ذكر الشهرستاني وغيره قديما، قد أخذ بكثير من التشريعات والتطبيقات التي كانت في الجاهلية، كما بينت أبحاث ميشيل فوكو حديثا أن مفهوم العقاب وصيغه تغيّرت عبر التاريخ، وأنّ لكل عصر وسائله في العقاب. ومن جهة ثانية كيف سيتمّ تنزيل بعض الأحكام في واقعنا الجديد، كتلك المتعلقة بكفّارة تحرير رقبة، أو تأديب المرأة بالضرب، أو القبول بالمرأة قاضية واعتبار شهادتها نصف شهادة الرجل في نفس الوقت، أو المتعلقة بأحكام الردّة وبأحكام الجهاد في علاقتها بمسائل حرية المعتقد والمواطنة والديمقراطية…؟ ثم هل نستوفي القرآن حقّه حين ننظر إليه كنص تشريعي بالأساس؟ ولا نرى دلالة لصلاح الإسلام لكل زمان ومكان إلاّ بالتأكيد على صلاح ما ورد به من أحكام؟  هكذا نتبيّن أنّ ما أشارت إليه الوثيقة وكتاب الدكتور النجار من جدليّة النصّ والعقل والواقع، لا يتناغم مع ما لمسناه في هذه القراءة من طغيان النصّ ومحاصرة العقل وضمور الواقع.

وتبدو مراجعات حركة النهضة على هذا الصعيد الفكري التشريعي صعبة جدّا ويسود فيها التردّد وعدم الانفتاح على قراءات جديدة تماما في الفكر الإسلامي المعاصر. وهذا التردّد يعكسه الاستمرار في طباعة وثيقة “الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي” وتوزيعها دون تعليقات أو إضافات، عدا الإشارة إلى حاجة إعادة صياغتها أو القول الشفوي أن فكر الحركة تجاوزها عمليّا. وإنّ المراجعات التي أنجزها قياديون بالحركة أواخر 2010 لم تغيّر كثيرا من ملامح الرؤية الفكرية/الأصولية خلافا للمقاربة السياسية وللمعجم السياسي. فقد تمّ التشديد على أنّ الحركة حافظت “في منهج فهمها للإسلام على الإيمان بأن أحكام الإسلام تشمل مناحي الحياة كلّها وتغطّي بالبيان كل ما يتعلق بالإنسان من تصوّر وعمل بحيث لا يبقى من الحياة شيء إلاّ والتعاليم الإلهية لها فيه بيان وتوجيه”.  فشمولية الإسلام في فهم الحركة تعني “قيّومية الوحي على كل مجالات الحياة”. ولذلك تظل الحركة مشدودة إلى النصوص ومناهج فهم الإسلام أكثر من انشدادها لمعارك الواقع وقضاياه، بما يتبع ذلك من مخاطر “التكفير”، ودون إدراك للتغيّرات الجوهرية في الحياة الحديثة التي يحتلّ فيها الدين مكانة هامة في حياة الفرد والمجتمع، ولكن في حيّز مختلف عمّا كان عليه في الأزمنة السابقة. وتلك من أهمّ المسائل التي تحتاج إلى المراجعة في رؤية الحركات الإسلامية عموما.

ختاما

إذا كان الوضوح الفكري استجابة لحاجة داخلية، بعد أن اتّسعت قاعدة حركة النهضة وتصلّب عودها في الواقع، فإنّ هذا الوضوح كان أيضا استجابة لتحديات فكرية خارجية، فتفاعلت الوثيقة مع ما أثاره “الإسلاميون التقدميون” من مراجعات في الفكر الإسلامي، وما طرحه خصوم الحركة من أسئلة وتشكيك في منهجها وخياراتها، غير أنّ الوثيقة الفكرية لم تلبّ بعدا آخر  للتحدي، فيما يتصل ببقيّة التيارات وبالجمهور التونسي الواسع عموما. ذلك أن أسلوب صياغة الوثيقة وموضوعاتها يجعلانها قاصرة على أن تكون رؤية فكرية.

فالوثيقة في محوريها العقائدي خاصة تفتقد لحد الأدنى من الجدال العقلي بما يقتضيه من برهنة على جدوى الموضوعات وصحة المقاربات، وبما هو أسلوب للتواصل مع الآخرين قصد محاورتهم ومحاولة إقناعهم بوجاهة الأفكار وصواب الفهم. “فالعقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس،” وليست غاية الفكر أن يبني حصونا من حوله،  بل أن يقيم جسورا مع الآخرين، قصد إقناعهم أو تقريبهم منه على الأقل، خدمة لقضايا الواقع المشترك ومساهمة في البحث عن أنجع السبل لتحقيق مطالب الناس في التغيير والتقدم نحو الأفضل. فأسلوب هذه الوثيقة وموضوعاتها ونزعتها الإيمانية المحافظة، تجعلها موجهة إلى الداخل أكثر من الخارج، ولا تلبي الحاجة إلى وثيقة فكرية لحزب سياسي.

وإنّ حركة النهضة التي تشكّل أحد أهم الأحزاب السياسية التونسية اليوم، والتي تتبنى في خطابها الجديد كثيرا ممّا كانت ترفضه من “الإسلاميين التقدميين”  سابقا،  تبدو بحاجة أكثر من أيّ وقت مضى إلى وثيقة فكرية جديدة، تشرح خصوصيتها وفكرتها المميّزة ومعنى اعتمادها للمرجعية الإسلامية، وجدوى الرؤية التجديدية لتراثنا العربي الإسلامي التي تتبناها من أجل حداثة أصيلة، وصلتها بماضي تونس وحاضرها ومستقبلها، حتى يرى فيها التونسيون حزبا مدنيا تونسيا أصيلا وحداثيا قادرا على رفع تحديات العصر في التحرّر والديمقراطية والتنمية والوحدة. وحتّى يحصل الانتقال الواعي والمؤسساتي  للحركة من  “جماعة دينية” إلى “حزب سياسي”، ومن معارك “الدفاع عن الإسلام” إلى معارك ضمان حقوق الإنسان وبناء الديمقراطية وتحقيق التنمية العادلة والشاملة.

محمد القوماني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* من الجماعة الإسلامية إلى حركة النهضة بتونس: مسيرة ألم وأمل، (مؤلف جماعي)، العدد 3 من الكتاب الشهري لمجلة “الإصلاح” الالكترونية، تونس، جوان 2015.

 

 

 

 

 


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>