كيف نصحّح المسار ولا نعود إلى الوراء؟ نصيبنا من الحقيقة..

         أتاح زلزال 25 يوليو بتونس فرصة غير مسبوقة للفرز السياسي بعد أن اختلطت أوراق عديدة خلال عشرية ثورة الحرية والكرامة. وتختلف حصائل الفرز وأصنافها بحسب الغربال المعتمد، وتظلّ الديمقراطية غربالنا في قضية الحال. ويتيح الزلزال، بل تحتّم الاستفادة من الفرز والبناء الصحّي عليه، حتّى نصحّح المسار ولا نعود إلى الوراء، ترك اللغة الخشبية واعتماد صراحة غير معهودة، في وصف ما حصل وفي البحث عن “أسبابه” وتداعياته. فبعد 100 يوم من الانقلاب تتّضح الصورة أكثر فأكثر، ويحقّ لنا قراءة معمّقة في الحدث وجذوره وتداعياته. وبعد أن تأكّد استمرار كثير من الفاعلين في حالة إنكار وتكرار أخطاء الماضي، ولا سيما في تكريس ديمقراطية مغشوشة وفاسدة، لم يعد بالوسع، بل صار من الضرر بمكان مجاملة البعض والتواطؤ على الخطأ والانهيار التدريجي للوضع.

          حصل المكروه وسقطت ثورة 2011 بين أيدي من شاركوا فيها واستبشروا بانتصارها، بعد عشرية من التجاذبات الحادّة والإخفاق الاقتصادي والاجتماعي وترذيل المشهد السياسي والجفوة بين مجتمع الحكم والأغلبية من الشعب المهمشة، وفشل حكومة مشيشي في مواجهة الجائحة والتحديات في توازنات المالية العمومية، وتنامي الغضب الاجتماعي. وتمّت الإطاحة بالمكتسبات الديمقراطية للثورة بنفس الأدوات التي انتصرت بها، عبر توظيف الفضاء الافتراضي بمختلف صيغه، أداة رئيسية لخلق رأي عام من الشباب خاصة، كاره لمنظومة الحكم القائمة وداع لإسقاطها. وقد وجد الرئيس قيس سعيد في كل ذلك وخاصة في الحصائل التنموية السلبية لعشرية الثورة، مادّة مناسبة للمطالبة بالتغيير، وأهمّ حاضنة شعبية لتقبّل الإطاحة بمنظومة ما بعد 2011، فكانت قرارات 25 يوليو.

         ولئن كرّر الرئيس قيس سعيد أنّ قراره فردي ولم يستشر فيه أحد، فإنّ كلّ الدلائل تؤكد بالحدّ الأدنى حصول التقاء موضوعي بين سعيد وإرادة داخلية وخارجية في وضع حدّ لمنظومة ما بعد 2011، وإن اختلفت الأسباب. فالمشهد السياسي المتشظّي والمُرذّل، ومنسوب الحريات المفرطة الذي بات يفتح على الفوضى ويهدّد الاستقرار والاقتصاد والمجتمع، ومأزق النظام السياسي الذي أضعف السلطة والدستور الذي لم يكتمل تنزيله بعد 7 سنوات، وحالة الاحتقان الشعبي التي تفتح على أخطار تهدّد كيان الدولة، وغيرها من المؤشرات التي يطول تعدادها ولا يسمح السياق بشرحها، كانت مقنعة في التفهّم الداخلي والخارجي لما حصل مساء 25 يوليو.

         ولا يفوّت خصوم النهضة، خاصّة من الاستئصاليين الرافضين لوجودها السياسي أصلا، من مواقعهم المختلفة الحزبية والمدنية والإعلامية وغيرها، فرصة الإطاحة بمنظومة ما بعد 2011 ليحمّلوا حركة النهضة بمفردها المسؤولية كاملة عما حصل من إخفاق خلال العشرية ويجعلونه تبريرا لما حصل بعد 25 يوليو. لسان حالهم في سردياتهم التي يبنونها وفي تبرير كل ما يحصل بعد 25 وترذيل ما حصل قبله خلال عشرية الثورة، أنّ حركة النهضة التي لم تُهزم بالانتخاب يحقّ الإطاحة بها عبر الانقلاب. وإنّ نقد مساوئ الانقلاب في انتهاك الحقوق والحريات أو النزوع إلى الحكم الفردي المطلق وتعطيل الدستور والعجز عن تقديم حلول للمشكلات الحقيقية الاقتصادية والاجتماعية خاصة، لا يجب أن تستفيد منه حركة النهضة بأية حال. وإنّ أيّ إنهاء “للتدابير الاستثنائية” واستئنافا للمسار الديمقراطي يجب أن يضمن استبعاد النهضة من المشهد السياسي أو إضعافها إلى أبعد حدّ. ومع كل هذا المروّج له على نطاق واسع داخليا وعربيا، تظلّ الحقيقة الموضوعية خلاف ذلك.

فقد كان من المؤمّل في ظلّ النهج السلمي للثورة التونسية، أن تنفتح دولة الاستقلال بعد 2011 على الطاقات التي عانت من الإقصاء والتهميش، وأن تسري دماء جديدة في الحكم مُشبعة بقيم الثورة ووفيّة لأهدافها، حتّى تصحّح الدولة مسارها دون قطيعة أو هزّات لا تتحمّلها، وحتّى تتكامل الأجيال وتلتقي مختلف العائلات الفكرية والسياسية على خدمة مصالح وطنية جامعة، وتتنافس الأحزاب، في إطار التعددية والشفافية، على البرامج والأشخاص التّي تؤمّن تلك المصالح، وأن ينتهي احتكار الدولة من طرف واحد لتكون جاذبة لأبنائها لا طاردة لهم. كما كان على الذين عملوا طويلا في مواجهة الدولة أن يندمجوا في مؤسساتها وأن يعملوا من داخلها.

 لكن ذلك لم يحصل مع الأسف وكان الاتجاه معاكسا إلى حدّ كبير. فحركة النهضة التي فازت الأولى في الانتخابات التعددية والشفافة لسنة 2011 منعت بسرعة من وزارات السيادة ثم أخرجت من الحكومة كليا. ثم منعت من ترؤسها بعد الفوز في الانتخابات مجددا في 2019. وكانت المفارقة بين تركيبة البرلمان في باردو وتشكيلة الحكومة في القصبة عنوان ديمقراطية مغشوشة، قبلت بها حركة النهضة مُكرهة. وكانت أقفال البرلمان المحروس بالجيش والأمن، في وجه راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة ورئيس البرلمان، فجر 26 جويلية 2021، عنوان استمرار رفض الدولة لفئة من أبنائها، بعد عشر سنوات من ثورة الحرية والكرامة التي خلناها قد أنهت الإقصاء والاستئصال والازدراء المستند إلى الأيديولوجيا أو غيرها. وبعد دستور 2014 الذي أسس للمواطنة والمساواة وأمّن الحقوق والواجبات.

          فحزب حركة النهضة، الذي كان قمعه وحظره عنوان الاستبداد خلال العقود الأخيرة، ظلّ بعد تقدّمه في الانتخابات ومشاركته في الحكم بعد الثورة، يُتهم بمحاولة “التسلّل لمفاصل الدولة” ويُعامل ككيان “غريب” بل ويطالب البعض بحلّه وحظره من جديد. لنكتشف أنّ “الدولة الصلبة” تستعصي عن إدماج معارضيها السابقين. وأنّ ديمقراطية مكتملة لا زالت صعبة المنال.  فمن زيّنوا للزعيم بورقيبة الرئاسة مدى الحياة، اغتالوا روح الجمهورية في التداول. ومن زيّنوا لبن علي اضطهاد حركة النهضة والعمل على استئصالها تحت إغراء “ديمقراطية بلا نهضة”، ففتحوا الأبواب على مصارعها للاستبداد والحكم الفردي واستشراء الفساد وحكم العائلة. وهم أنفسهم ومن انضم إليهم من سلالتهم، يعملون اليوم ما بوسعهم لتوجيه الانقلاب ضد حركة النهضة وتوريط قيس سعيّد في خياراتهم الاستئصالية. ومن المؤسف حقّا أن تنطلي السرديات الاستئصالية لتكشف عن خلل بنيوي في الديمقراطية وأزمة اعتراف حقيقية بالمخالفين من الموسومين بأنصار “الإسلام السياسي” خاصة. ولا بدّ من التوقّف حالاّ ودون تردّد عن تكرار ما تأكّد فشله. “يزّي”.

لقد أخطأت حركة النهضة بلا شك، وكانت مسؤوليتها بحجم تمثيليتها في الحكم خلال العشرية. وكان الغضب الشعبي عليها بحجم آمال من منحوها الثقة أكثر من مرة في الانتخابات وخابت انتظاراتهم منها. وقد نقدنا سابقا أداء حركة النهضة في الحكم خلال العشرية، ودعونا قياداتها بوضوح بعد زلزال 25 إلى الاعتراف بالأخطاء والاعتذار عنها وإنجاز المراجعات الجذرية لإصلاحها.  لكن يظلّ من الظلم والتضليل التركيز على أخطاء حركة النهضة فقط، لحجب الأنظار عن أخطاء بقية الأطراف الفاعلة في المشهد من مختلف المواقع بالحكم أو بالتعطيل، ومن خلال الأحزاب أو المنظمات أو المجتمع المدني أو باسم “المستقلين” أحيانا. أو جعل نقد النهضة ذريعة للتغطية عن غياب موقف صارم من الانقلاب والانخراط في الدفاع عن الديمقراطية المغدورة بعد 25 يوليو.

         كان خيار المجلس الوطني التأسيسي صائبا في القطع مع الاستبداد والفساد والتأسيس لجمهورية ثانية، لكن كان الخطأ في ضعف تمثّل مقتضيات التأسيس والتعاطي غير المناسب معها. فلم تتح مناخات التجاذب والمناكفة فرصا لحوار هادئ دون إقصاء، واختُزل مسار التأسيس في كتابة دستور، دون التوافق على تشخيص عميق وجامع لمشاكلنا، ولا لبلورة مشروع وطني للإصلاح يتم التنافس الانتخابي على الحكم في إطاره. وكانت الأخطاء خلال عشرية الثورة بالجملة، منفردة أو جماعية.

فسياسة الحكومات المتعاقبة في إدارة أزمات البلاد المختلفة بسياسة “رجال المطافئ” في الحرائق، وتقديم “التكتيك” عن الاستراتيجي والانشغال باليومي على حساب المستقبل، والهروب إلى الأمام، سياسات أبانت عن حدودها بل كشفت عن تداعياتها الخطيرة. إذ تم ابتزاز الدولة من النقابات بالمطالب القطاعية في الزيادات وإغراق الوظيفة العمومية بالانتدابات غير المدروسة. وتضخّم حجم ميزانية الدولة خلال العشرية حتى قارب 3 مرات، كما ارتفعت كتلة الأجور أيضا إلى ما يزيد عن 3 مرات. وتمّ توقيف إنتاج الفسفاط وإغلاق منشآت نفطية ومصانع كبرى، وحُرمت الدولة من مصادر تمويل حيوية، وتوسّعت الاحتجاجات الاجتماعية وقطع الطرقات، وغيرها من صيغ الغضب التي كانت تجد الدعم الإعلامي والسياسي وصارت الدولة عاجزة أمام خرقها للقانون وتهديد المصلحة العامة. وكانت نتائج شعار محاربة الفساد مع كل حكومة، دوم إصلاح حقيقي للإدارة  والديوانة والأمن والقضاء،  مزيد استشراء الفساد في مؤسسات الدولة الحيوية، واستعمال الملفات في الغرض للمساومات السياسية والابتزاز أساسا.  فكانت ديمقراطية فاسدة.

ووقف الجميع متفرّجين على انهيار المدرسة العمومية التي تظلّ ملاذ عموم التونسيين ومصعدهم الاجتماعي الأول لتحسين أوضاعهم. وارتفعت نسبة الجريمة لتتحول إلى إرهاب مجتمعي بالأسلحة البيضاء، يفوق خطره أحيانا الإرهاب الأيديولوجي والسياسي بالأسلحة النارية، الذي لم تتوقّف تهديداته. وتأجلت ملفّات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي الجوهرية، وفي مقدمتها وضع منوال تنموي جديد ومراجعة السياسة الجبائية وتوجيه الدعم لمستحقيه فقط، وإعادة حوكمة المؤسسات العمومية، وتحقيق توازنات الصناديق الاجتماعية، ومراجعة كتلة الأجور، وتحمّل الدولة مجددا مسؤولياتها في قيادة قاطرة التنمية بالجهات الداخلية خاصة، وتفعيل الشراكة بين القطاعين العمومي والخاص، باعتماد مشاريع تنموية واقعية تفعّل قانون الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وتستفيد من خصائص الجهات وتلبي حاجياتها في التشغيل وتحسّن مستوى عيش أهلها.

         ولن يضيرنا في شيء أن يعترف الجميع في هذه المرحلة، كلاّ من موقعه وبحسب مشاركته، بأننا كشفنا خلال عشرية الثورة عن عجز واضح عن تحقيق أهدافها في الكرامة والشغل والتوازن بين الجهات وإنصاف المظلومين وتحقيق العدالة الانتقالية وتحسين ظروف عيش الناس والارتقاء بالخدمات العامة في الصحة والتعليم والبنية الأساسية والبيئة وغيرها، وتحقيق الاستقرار والأمان وتحصين الوطن بالوحدة الوطنية ومنع الاختراقات الخارجية. وتلك مسائل حيوية لا يمكن تجاهل تداعياتها على الحاضر.

         لم يكن قيس سعيد قبل 2011 ممّن شاركوا في مقاومة الاستبداد والفساد، ولم تُعرف له مواقف في الدفاع عن الديمقراطية والمساهمة في إرسائها. وظل خلال عشرية ما بعد الثورة أقرب إلى الشخصية الأكاديمية، يُستشار في قضايا القانون الدستوري بصفته أستاذا جامعيا مختصا في المجال. لكنه كشف بسرعة بعد انتخابه رئيسا للجمهورية، عن لا ديمقراطيته وشراهته إلى الحكم ونزعته في التفرّد بالقرار والسلطة، وانتقاد كل ما هو قائم في الدولة دون مراعاة موقعه الأول فيها. وقد أكدت القرارات الرئاسية ليوم 25 جويلية وخاصة الأمر الرئاسي 117 ليوم 22 سبتمبر 2021 وعموم كلمات رئيس الجمهورية نزوعه الواضح إلى حكم فردي مطلق يتعارض مع معايير الديمقراطية في أدنى مستويات تطبيقها. وكشف بدوره بعد 100 يوم من تفرّده بالسلطة، عن عجز واضح  في إدارة الحكم وإخراج البلاد من أزمتها المعقدة والمتراكمة التي زادها قيس سعيد تأزّما، لسان حاله المثل القائل “جاء يطبّها أعماها”. ولعلّ أخطر ما يبعث به للأجيال الجديدة زلزال 25 جويلية وما صاحبه من مواقف مُخيفة، ضعف الثقة بالماسكين بالسلطة وهشاشة التوافق والتشكيك في الخيار الديمقراطي ومؤسساته والجنوح إلى القوة وربما العنف لحسم الصراعات مستقبلا.

         ويبقى الأمل في ظلّ هذا المشهد السياسي التراجيدي، أنّ عموم التونسيين لا ينخرطون في مغامرات ّالطفوليّة السياسية”، وأنّ علاقتهم التاريخية بالدولة، تأبى عليهم قبولهم بمن يرونهم يعمدون إلى خرق سفينة الوطن أو إسقاط سقف الدولة على رؤوسهم. وأنّ ما راكمته فترة ما بعد الثورة، من منسوب عال في حرية التعبير وتقاليد الاحتجاج ومطالبة بالحقوق الدستورية ومراقبة للمجتمع المدني والإيمان بقدرة الفعل الجماعي على التغيير والنتائج الإيجابية للحوار، مؤشّرات على ثقافة سياسية ومدنية قد تكون صمام أمان للمضي في الخيار الديمقراطي وعدم الانتكاس به. ويفيدنا درس التاريخ أن نظل في أسوأ الأحوال متشائلين، نعمل بجاذبية الديمقراطية، ونتحرك بروح التجديد والتطوير ومُراكمة الايجابيات والاستفادة من الأخطاء وتقديم الأهمّ على المهمّ والمراهنة على المستقبل الكفيل وحده بتجاوز الماضي والحاضر.

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 229، تونس في 04 نوفمبر 2021

    0 Comments

    No Comment.