عام .. في "الرأي العام"

أطفأت “الرأي العام” شمعة عامها الأوّل يوم 6 أفريل الماضي، فهنيئا لكتّابها وقرّائها.

احتفى العدد 51 الأخير، على غرار العدد الأوّل بذكرى وفاة بورقيبة، أوّل رئيس لدولة الاستقلال، بمقاربة متميّزة، وفي محاولة لوصل حاضرنا بماضينا، والمصالحة بين دولة الاستقلال وقيم الثورة، خدمة لمصالحة وطنية شاملة ومتأكدة.

ظلّت “الرأي العام” وفيّة لما أعلنته في افتتاحيتها الأولى من أنّها لن تكون صوتا لأيّ طرف، بل صوتا لتونس. تنحاز لأهداف ثورة الحرية والكرامة وإنجاح مسار الانتقال الديمقراطي، لكنّها بانحيازها لخطّها التحريري، لن تجانب الموضوعية. تحرص على المصلحة الوطنية العليا، وهي خطها الأحمر الوحيد، وتمارس دورها النقدي تجاه مختلف الأحداث والأطراف، لكنها تظلّ داعمة للتوافق والوحدة الوطنية.

حافظت “الأسبوعية” على دوريتّها كلّ يوم خميس، والأهمّ من ذلك أنّها حافظت على جودة مضمونها وتميّزها. ظلّت كما وعدت منبرا للرأي، والرأي كما أسلف المتنبي “قبل شجاعة الشجعان”. انفتحت “الرأي العام” على أقلام وآراء مختلفة، حاورت سياسيين ومثقفين ومسؤولين بالأحزاب والمنظمات وناشطين مدنيين وخبراء ورياضيين وغيرهم، لتبسط مشاغل الرأي العام التونسي وتفسح المجال لأصحاب الرأي في الشأن العام حتّى تكون خير أداة وصل بينهم.

انتظمتُ شخصيّا في التحرير ب”الرأي العام” كما لم يحصل معي من قبل في تجارب مع منابر أخرى. أتلذّذ بمتعة الكتابة مع كل مقال، و أشعر بعد الفراغ منه، أنّ فكرة ما قد تمّت السيطرة عليها وأنّ الرؤية اتضحت في موضوع ما، ريثما تنشأ بسرعة أسئلة جديدة حول مستجدّات يتسارع نسقها ببلادنا، التي تعرف حيويّة غير مسبوقة، تبشّر بميلاد عصر جديد.

تقاسمت مع أعضاء هيئة التحرير الموسّعة أوقاتا ممتعة في تقييم عدد صدر، والتفكير في أهمّ عناوين العدد الموالي. لا يخلو التقييم والاستشراف أيضا، من مجاملات ومواجهات أحيانا، ومن تبادل للمعطيات والمقاربات، وتلك بعض أسرار قصّة نجاح تجربة عام بالرأي العام.

تعرّفت في “الرأي العام” على نساء ورجال من خيرة الناس وعلى أقلام متنوعة ومختلفة، أضافت لي وأثرت تجربتي. فشكرا للقائمين على الجريدة على تجميع هذه الطاقات والوصل بينها وإتاحة الفرصة للتفاعل والعطاء بما ينمّي الذات ويفيد القارئ. وشكرا لمن وصلتنا تشجيعاتهم كتابيا أو شفويا وكانوا يمدّوننا بطاقة إضافية. إذ يسعد الكاتب بما يكتب ويسعد أكثر بقراءة ما يكتب والتفاعل معه.

الكتابة مسؤولية وشهادة على الواقع. وقد تناولت أعداد الرأي العام يوميات للتونسيات والتونسيين على مدى عام انقضى، وأتت بالتحليل والنقد على محطات فارقة ومواقف مميّزة. وكم تبدو اليوم مثيرة مطالعة بعض مقالات الرأي العام، بعد مدّة من رصد تطورات الواقع لاحقا. فكم مرّة كان للرأي العام “السبق” بكل تواضع. وبعض المقالات لا زالت تحتفظ براهنيتها، فهي لئن تلبّست بالحدث من جهة، فقد انطوت على معلومات أو أفكار، واكتست عمقا، بما يجعلها تتجاوز الوقائع، لتشكّل إضافة نظرية من جهة ثانية.

يهمس إلينا بعض الأصدقاء أو المتابعين أحيانا، أنّ التونسيين عموما لم يعودوا يكترثون بما تكتبون، وأنّهم أصلا لم يعودوا يقرؤون. نصغي لكلامهم متألّمين، ونقول في أنفسنا: نحن نكتب أوّلا شهادة على الواقع و”معذرة إلى ربنا”، وذلك أضعف الإيمان. ونحن نكتب ثانيا لمن يقرأ، ولا مستقبل لشعب أغلب الناس فيه لا يقرؤون.

لا تزال الصحافة الورقية تحتفظ بمكانتها لدى كثيرين، وإن كان النشر الورقي لا يغني بحال عن النشر الإلكتروني. ونحن نشكر لقرّاء الرأي العام، خاصّة أصحاب الاشتراكات منهم، دعمهم الذي يمنحها الاستمرار أمام احتجاب عديد العناوين الورقية بسبب الأزمة المالية الخانقة. وهذه مناسبة لنهمس بدورنا لأنصار الصحافة المكتوبة ببعض ما يعانيه المستثمرون في هذه الصناعة.

فالجريدة ليست فقط مقالات وأخبارا ومنوعات، تصل القرّاء، بل من وراء ذلك إدارة ومعاناة في توفير الورق وتأمين الطباعة وتوزيع الجريدة، وما أدراك ما التوزيع الذي لا يزال يشكو من سوء تنظيم ومن احتكارات وابتزاز وعقوبات ومحاصرة وضغوط لوبيات. إضافة إلى الإشهار العمومي والخاص الذي لا يزال بدوره، بعد سبع سنوات من الثورة، يشكو نفس الإخلالات، ويشكّل أكبر مظلمة في حق بعض العناوين المكتوبة التي تتجرّأ على “محرّمات اللوبيات” في أجهزة الدولة أوفي القطاع الخاص، وتأبى أن تقع تحت وصاية أحد.

وبعد سنة من الصمود، يحقّ لجريدة “الرأي العام” أن تُشهر صوتها ضدّ ما تعانيه من إجحاف في حقّها في الإشهار العمومي، وما تكابده من مصاعب في التوزيع، تتحرّى الإدارة مصادرها وأسبابها، والتي تحرم القرّاء الذين لا ينفكون عن إعلامنا أسبوعيا بافتقاد الجريدة في مناطق مختلفة من الجمهورية. وفي المقابل تعد “الرأي العام” قرّاءها الأوفياء، الذين يظلّون سندها الأساسي، بمزيد من الصمود والتطلّع إلى مردود أفضل، شكلا ومحتوى، ورقيّا وإلكترونيّا، يتفاعل مع مقترحاتهم ويستجيب إلى انتظاراتهم. وكلّ عام وأنتم بخير.
محمد القوماني
* منشور بجريدة الرأي العام، العدد 52، تونس في 12 أفريل 2018

https://scontent.ftun3-1.fna.fbcdn.net/v/t1.0-9/30624422_1889739041049871_2833703236580057163_n.jpg?_nc_cat=0&oh=c1485500cbbf2f748c54fe662e58e488&oe=5B6F330C


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>