سجن برج الرومي ومفارقات البورقيبية

سجن برج الرومي ومفارقات البورقيبية

جريدة الضمير في 17 ماي 2012

 

 

كنت ممّن لبّوا دعوة وزير العدل مشكورا إلى اصطحابه يوم الأحد 29 أفريل المنصرم إلى مدينة بنزرت الجميلة، لزيارة سجن برج الرومي، حسب التسمية الأصلية، أو الناظور كما يسمى حاليا. كانت بادرة حسنة في تكريم بعض المساجين الذين مرّوا بهذا المعتقل سيّئ الصيت، الذي تقرّر غلقه  في انظار اجراءات التنفيذ.

كم كانت دهشتي كبيرة وحزني عميقا وأسئلتي محيّرة، وأنا أعاين دهليز هذا السجن المعروف ب “الكاف”، رغم الأجواء الاحتفالية. كانت فرصة تاريخية للالتقاء ببعض المساجين السياسيين من تيارات وأجيال مختلفة داخل هذا الدهليز، الذي لا يتوفر على أي مرفق بشري.  وكان المشهد مؤثرا جدا وأنا أستمع إلى بعض الشهادات خاصة من العم علي بن سالم ومن زميله الشيخ محمد صالح البراطلي، المتّهمين في قضية ما يعرف بمؤامرة 1962، والذين قضّيا ست سنوات كاملة بهذا المكان، الذي يندى له الجبين، مغلولي الأرجل وفي ظرروف انسانية غاية في الإهانة. وقد كنت سمعت منهما هذا الكلام قبل الثورة المجيدة، وما كان يدور بخلدي أي احتمال لمعاينة الأمر معهما على عين المكان. إنها الثورة المجيدة والحمد لله التي جعلتنا ندخل هذا المكان ونغادره مُكرّمين في نفس اليوم.

ولعل أهم الأسئلة التي ظلت تقض مضجعي بعد هذه الزيارة هي كيف يُمكن الجمع بين التحديث البورقيبي في تشريع مجلة الأحوال الشخصية تكريما للمرأة ونهوضا بأوضاعها، في السنة الأولى للاستقلال، والعمل الجبار على طريق تطوير ظروف التعليم ونشره ودعم الصحة والبنية التحتية من أجل حياة  كريمة للتونسيات وللتونسيين، وتعصير الإدارة والإعجاب غير الخافي بالأنموذج الغربي في كل شييء تقريبا، كيف يمكن الجمع بين كل ذلك في أعمال الزعيم بورقيبة وبين وضع المخالفين له سياسيا في دهليز سجن برح الرومي وتعذيبهم لفترة طويلة في ظروف لا تليق حتى بالحيوانات؟ وهل يصحّ اعتبار من نكّل بمُخالفيه خارج معايير القانون والقيم الدنيا لاحترام كرامة الإنسان، ومن وافق على تعيينه رئيسا مدى الحياة، وقضى على روح الجمهورية ومبدإ التداول على الحكم من خلال تعديل الدستور خدمة لنزواته وفرديته المتضخمة، وضرب عرض الحائط بقيم الديمقراطية وبمبادئ حقوق الإنسان الذين يُعدّان العنوان الأبرز للحداثة السياسية، هل يصحّ اعتبار من فعل ذلك رمزا للحداثة؟ وهل من جدوى في اعتماد الميراث البورقيبي أساسا للمستقبل وعنوانا لمبادرة سياسية واعدة لتونس ما بعد الثورة؟

حقيقة إن حيرتي تبدو كبيرة وأسئلتي لا تكاد تتوقف حين أرى شخصيات سياسية محترمة، لا ينكر إلا جاحد مساهماتها البارزة وتضحياتها وما عانته في فترة الحكم البورقيبي خاصة، من أجل المطالبة بالحريات الديمقراطية وبالعدالة الاجتماعية، تلتحق بمشروع سياسي يتخذ من البورقيبية خلفية وعنوانا، ويدّعي أن يكون بديلا عن النخب التي اختارهتا الأغلبية في انتخابات المجلس الوطني التأسيس بعد ثورة 14 جانفي 2011 على الاستبداد والفساد، ومن أجل الحرية والكرامة؟

ويظل السؤال الأهم في أعقاب هذه الإطلالة القصيرة عن جوانب مظلمة من تاريخنا المعاصر، بمناسبة هذه الزيارة، هو كيف تتضافر جهود الصادقين لحماية بلادنا من عودة مثل تلك الممارسات البغيضة؟ ولضمان إنهاء التعذيب ووضع حدّ لجميع أشكال الحطّ من كرامة الإنسان؟… فليس بتغيير الحاكمين فقط، كانوا من كانوا، يتغير الحُكم. بل وحدها ثقافة المواطنة وحقوق الإنسان، إذا تجذرت في الوعي الجماعي وملأت النفوس، والقضاء المستقل، ومؤسسات الرقابة والإعلام الحر، قادرة على حماية مجتمعنا في المستقبل. وللاستئناس فقط، دون القياس، أذكر أن الرئيس الأمريكي بوش الابن وفريقه، اضطروا أن يبحثوا عن أماكن خارج التراب الأمريكي لممارسة جرائمهم في التعذيب، هروبا من عواقب أفعالهم الشنيعة التي سيظل الأحرار في العالم يلاحقونهم من أجلها.

فلنظل دوما يقظين، ولنظل نردد أنه من صمتنا وتواطُؤنا يصنع الجلادون سياطهم.

محمد القوماني

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بجريدة الضمير في 17 ماي 2012


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>