ذهنيّة رئاسوية قلقة في نظام برلماني منقوص

       يحتدم جدال سياسي خلال الفترة الأخيرة حول نظام الحكم في تونس الذي أقرّه دستور 2014 والصلاحيات والأدوار والعلاقة بين مراكز السلطة في قرطاج وباردو والقصبة، ويتّخذ الجدال عناوين شتّى ويتلبّس بوقائع مختلفة. ونروم في هذا المقال التوقّف عند الخلفيات العميقة للمناكفات السياسية الأخيرة وتداعياتها على المشهد العام، مع الحرص على تبيّن الدوافع والأهداف المختلفة للمواقف المُعلنة، التي قد تجعل تلك المواقف متقاطعة، لكنها لا تحجب الأجندات السياسية المتباينة، التي يظلّ تبيّنها هامّا في فهم واقع المشهد السياسي ومستقبله. وأحسب أنّ ما أعبّر عنه بالذهنية الرئاسوية القلقة في نظام برلماني منقوص، تمثّل الجامع المشترك والسبب الرئيسي لهذا الجدال، ومدخلا لحلّ شفرته.

       لم يكن خافيا أنّ المجلس الوطني التأسيسي الذي انتخبه التونسيون في أكتوبر 2011، عقب ثورية الحرية والكرامة، منح فرصة لأغلب الطيف السياسي والفكري الذي شكّل المعارضة على امتداد فترة حكمي بورقيبة وبن علي، ليكون ممثّلا في كتابة دستور الثورة. ورغم الخلافات المسجلة والتجاذبات التي صاحبت التأسيس، فقد كان التوافق واسعا، يقارب الإجماع، في التصويت على الدستور في 27 جانفي 2014. وكانت بصمة  المناهضين للاستبداد والحكم الفردي الذي عانت منه تونس، واضحة في الحرص على تثبيت الحقوق والحريات في الباب الثاني، وتوزيع مراكز السلطة بين قرطاج وباردو والقصبة  في البابين الثالث والرابعن وجعل القضاء سلطة مستقلة في الباب الخامس، وتخصيص الباب السادس للهيئات الدستورية المستقلة للرقابة، وإقرار اللامركزية في الحكم  وتخصيص الباب السابع للسلطة المحلية.

       واستنادا إلى أحكام الدستور نصّا وروحا، يجوز الحديث عن رئاسات عديدة في ظلّ وحدة الدولة وتكامل مؤسساتها، بل يبدو ذلك مطلوبا للقطع مع النظام الرئاسوي والحكم الفردي، الذي يبدو الذين اكتووا بناره وأفنوا وقتا مهمّا من أعمارهم في مقاومته، أكثر استحضارا لذلك ووعيا به. فرئيس الجمهورية المنتخب من الشعب مباشرة، يظلّ رمز وحدة الدولة والممثل الرسمي الأول لها بلا منازع في الداخل والخارج. لكن الدستور تحدث عن رئاسات عديدة نكتفي بأهمّها.  فالسلطة التشريعية يعبّر عنها ممثلو نواب الشعب المنتخبين أيضا في انتخابات عامة والذين ينتخبون بدورهم رئيسا للمجلس، تكرّر ذكره في الدستور في مواقع عديدة. كما ينصّ الدستور على أنّ السلطة التنفيذية يمارسها رئيس الجمهورية وحكومة يرأسها رئيس الحكومة، والذي تكرّر ذكره أيضا. كما ينتخب المجلس الأعلى للقضاء، الذي يضمن حسن سير القضاء واحترام استقلاليته، رئيسا له. وينتخب المجلس الأعلى للجماعات المحلية رئيسا له يمكنه حضور مداولات مجلس نواب الشعب.  

       يبدو أنّ هذه الرغبة من المؤسسين في توزيع السلطة مركزيا وأفقيا، ووضع آليات للرقابة المتبادلة ولضمان وحدة الدولة، لم ترُق لكثير ممن يحنّون للأنظمة الرئاسية التي سرعان ما تنقلب رئاسوية. فهم يضيقون ذرعا من الحديث عن الرئاسات الثلاث على سبيل المثال، وينتقدون بشدّة الحكم المحلي ويعتبرونه تفتيتا للدولة ويخلقون جدالا مستمرا حول صلاحيات كل من رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ورئيس الحكومة. والأهم من ذلك كلّه يحمّلون النظام السياسي أسباب كل أزمة ويدعون إلى تغييره. وهم يعلمون جيدا أن هذا النظام لم تكتمل مؤسساته ولم يُجرب بما يكفي لتقييمه والوقوف على نواقص فيه، ولا يخلو نظام من نواقص. وهم من جهة أخرى يلوون أعناق المواضيع المختلفة ليردّوا أسبابها إلى النظام السياسي. وهم في الحقيقة يُغطّون عن فشلهم المتكرر في الانتخابات ويمقتون أيّة منظومة تؤدي إلى فوز خصومهم من “الإسلاميين” خاصة. حتى يكاد ينطق لسان حالهم بأنّ “الديمقراطية والمدنية يعنيان ضرورة استبعاد “حركة النهضة” واستئصالها من المشهد السياسي”.

       لا بدّ من تبيّن أجندة الثورة المضادة محليا وإقليميا، وكشف ارتباطاتها بالفساد، وفضح ألاعيبها في استهداف الديمقراطية باسم التخلص من “الإسلام السياسي” الذي ينسبون إليه باطلا كل مكروه، ويركبون كل عنوان جاذب، لتحقيق أغراضهم. فهم الذين كرهوا الفوز الساحق للرئيس قيس سعيد في الانتخابات، وحاولوا إضعافه في البداية بالتلبيس عليه وربطه بالإسلام السياسيي والقول بأنه “مرشح النهضة الحقيقي” وهي  من صنعت فوزه، ثم عادوا بعد ذلك ليركبوا شعبيته في محاربة النهضة مرحليا ثم التخلص من الرئيس وأنصاره لاحقا. وهم كاذبون في  الحالتين ومتحيّلون في كل الأحوال. ولن يقع الوطنيون الأحرار في شراكهم مهما اعتمدوا من تلبيس ومهما أنفقوا من أموال سترتدّ حسرات على أصحابها.

       وإذا كشفنا ألاعيب الثورة المضادة واستبعدنا أجندتها، يمكن أن نناقش بقية الأطروحات التي لا تخلو من وجاهة ما. فقد تكون الأخطاء المسجّلة في ممارسة الصلاحيات هنا وهناك، أو المناكفات في مناقشة بعض المستجدات، عوارض طبيعية مؤقّتة لتجربة جديدة في تنزيل دستور الجمهورية الثانية. ولذلك وجب تنسيب النفخ فيما يسمى بتنازع الصلاحيات أو تداخلها، أو توتّر العلاقة بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس نواب الشعب على سبيل المثال، في قضايا داخلية أو خارجية. فمع مرور الوقت وبناء الثقة بين رؤوس السلطة، ستتبدّد السحب ويتمّ تصحيح الوضع وتتكامل الأدوار  في استكمال المسار الديمقراطي وتعزيز المكاسب السياسية الهامة، بمكاسب اقتصادية واجتماعية ذات أولوية في هذه المرحلة.

        وإذ يظلّ مطلب تعديل الدستور ومراجعة النظام السياسي مشروعا، وكذلك مراجعة النظام الانتخابي، فإنّ لذلك آلياته الدستورية المشروعة، وسياقاته المساعدة على تحقيقه. وكل التماس للهدف بغير ذلك يضلّ مجازفة خطيرة وتهديدا للاستقرار وطريقا مسدودا، بما في ذلك الاستفتاء الذي ينادي به البعض، ويجهلون أنّ هذه الآلية التي يمنحها الدستور لرئيس الجمهورية مشروطة بتمرير مشروع القانون على مجلس نواب الشعب والموافقة عليه. بما يجعل دعوة البعض إلى حلّ البرلمان وفي نفس الوقت دعوتهم إلى اعتماد تعديل للدستور عبر الاستفتاء أو غيره هراء وفرقعات إعلامية، لا مصداقية واقعية لها.

       وليست دعوة البعض من الفاشلين في الانتخابات أو ممّن لا مصداقية لهم، أو المُسخرين ضمن أجندات خارجية، إلى “تحرّك الوهم”  المسمّى باعتصام الرحيل 2 أو فرض المرور إلى “الجمهورية الثالثة”  إلاّ محاولة متجدّدة للإرباك، لا حظوظ لها في النجاح. فنوّاب البرلمان انتخبهم ثلاثة ملايين، وتغيير النظام السياسي ليس شهوة، والثورة ليست قرارا، والوضع في 2020 غير الوضع ما قبل ذلك. وبعد أن تبرّأ رئيس الجمهورية من دعوات الفوضى، وبعد أن تمايز الصفوف، لا بدّ للإجراءات القضائية أن تأخذ مجراها ولا بدّ للسلطة التنفيذية أن تكون حازمة في حفظ النظام وإيقاف العابثين عند حدودهم.

       أمّا عن جلسة البرلمان ليوم 03 جوان 2020 فهي ليست مساءلة كما تروّج بعض الأوساط المغرضة لرئيس المجلس، لا يقرّها الدستور ولا النظام الداخلي،  بل مناسبة للحوار بين نواب الشعب، حول قضايا إقليمية تتصل بمصالح تونس، وخاصة ما يجري بالجارة ليبيا، وما تستوجبه من مواقف أو أفعال. ومن حسن حظ التونسيين ومكاسب ثورتهم أن تكون أعمال البرلمان بهذه الدرجة من الشفافية. فالجلسات العامة تُنقل مباشرة، وحرية التعبير مكفولة، وكاميرات الإعلاميين تملأ أرجاء المجلس أثناء عمل اللجان وفي كل حين. وهذا يكاد يكون استثناء في مؤسسات الدولة ومفخرة تونسية المنشأ.

       لا يفوتنا في الختام التنبيه إلى أنّ النظام السياسي شبه البرلماني في دستور الجمهورية الثانية، قُدّ في بعض جوانبه على مقاس فرضيات ذهنية للحكم آنذاك، وهو نظام منقوص إلى اليوم ولا يخلو من عيوب، لكن تظلّ مقتضياته متأكدة في نظرتنا لممارسة السلطة وفي صورة للحكم، قد يصعب على ذهنية رئاسوية التأقلم معها بسهولة. وفي كلّ الأحوال تبدو تونس بعد الثورة أفضل رغم كل المصاعب.

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 158، تونس  في 28 ماي 2020 (نسخة إلكتونية فقط)

    0 Comments

    No Comment.