حوار جريدة البيان: الخطير أن يصبح التّنافس بين النّهضة ونداء تونس عداوة

حوار البيان 19 نوفمبر2012

أجرى الحوار: لطفي الماكني

محمد القوماني الناطق الرسمي لحزب التحالف الديمقراطي في حوار شامل لـ «البيان»

الخطير أن يصبح التّنافس بين النّهضة ونداء تونس عداوة قائمة على أساس إمّا أنا أو الأخر
تميزت تجربته النضالية بثلاثة محطات هامة أولها انتماؤه الى الاتجاه الإسلامي في بداية ظهور هذه الحركة على سطح الأحداث السياسية بالبلاد حيث كانت تعد ظاهرة معاكسة للنمط الرسمي للسلطة حينها.

المحطة الثانية كانت ضمن الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان عندما كانت في خط المواجهة الاول ضد ممارسات النظام السابق اضافة الى تشكلها من مختلف التيارات والتوجهات التي عملت من اجل تكريس مبادىء حقوق الانسان في وقت كان فيه الحديث عن هكذا موضوع ضرب من التجديف ضد التيار.

المحطة الثالثة احتضنها الحزب الديمقراطي التقدمي بالمشاركة في التأسيس وعلى مدى عشر سنوات كانت تجربة صعبة وصلبة حين تحمّل «التقدمي» مسؤولية الوقوف ضد الدكتاتورية والاستبداد وكان جامعا لكافة مكونات المشهد السياسي حينها وقاد نضالات احرجت واربكت اركان النظام السابق رغم قدرته وجبروته على كبح جموح اي عزيمة تسعى للوقوف ضد خططه في الهيمنة والسيطرة.

المحطات الثلاث التي ذكرناها مرّ بها محمد القوماني الناطق الرسمي لحزب التحالف الديمقراطي وهو ما لم يتوفر لغيره من الفاعلين السياسيين في المشهد الحالي وهذا ما يوحي بأن وجوده اليوم في موقع القيادي ضمن التحالف الديمقراطي سيساهم في ان يكون له دور مؤثر في قادم الايام.

وفي الحديث الذي خص به «البيان» توقف القوماني عند ابعاد وأهداف تكوين حزب التحالف الديمقراطي وعلاقاته الوطيدة بقيادات النهضة والتي قال انها لا تحد من رغبته في ان يكون التحالف منافسا جديا لها في الانتخابات دون الدخول في متاهات المعاداة مع تأكيده على رفض كل اشكال الاقصاء وهو الحاصل حاليا في المشهد السياسي.

وجدد محمد القوماني الدعوة الى الاسراع بمسار العدالة الانتقالية لانه ليس من المجدي اجراء الانتخابات القادمة دون ان يعرف الشعب التونسي المتسببين في الفساد والاستبداد ودعا في هذا الاطار الى ضرورة اشراف هيئة وطنية على هذا المسار بعيدا عن الانتقائية مع انصاف الضحايا.

ودعا الناطق الرسمي لحزب التحالف الديمقراطي النهضة الى الوضوح في خيارها بالنسبة للدولة المدنية والديمقراطية والمحافظة على المكتسبات الاجتماعية للتونسيين واعتماد الانتخابات التعددية والحرة والشفافية واكد على ضرورة ان تكون الحكومة اكثر حرصا على اجراء الحوار الوطني بحضور جميع الاطراف حتى نتجاوز المرحلة الحالية التي تعيشها البلاد.

 

*ما يطرحه التحالف الديمقراطي هل بامكانه جلب احزاب وشخصيات اخرى؟ وهل هو قادر على طرح نفسه كخيار ثالث حقيقي؟

التحالف الديمقراطي يطرح نفسه خيارا اخر امام التونسيين والتونسيات خارج دائرة الاستقطاب الحالية التي يراد فرضها فالذين يشعرون بخيبة امل تجاه الائتلاف الحاكم بقيادة النهضة يحسّون بعدم الارتياح بغياب بدائل خارج شبهة عودة النظام القديم التي تحوم حول بعض الاطراف التي تنافس النهضة وهذا الحزب الجديد لا نريده رقما اخر في قائمة الاحزاب بل هو دعوة الى الانصهار في حزب له ثقله وفاعل يقلص من عدد الاحزاب ويعطي التنظيم الجديد عناصر الفاعلية التي تجعله مؤثرا في المشهد السياسي وله حظوظ في الاستحقاق الانتخابي القادم.

فالتوازن في الحياة الحزبية شرط لا غنى عنه لتأمين الديمقراطية ونحن واثقون من ان المبادرة التي اطلقناها ببناء حزب التحالف الديمقراطي ستجد صداها لدى كثير من الفاعلين من احزاب ومجموعات وشخصيات مثلما نأمل ان تجد صداها لدى من كشفت استطلاعات الرأي انهم مترددون وربما يفكرون في العزوف عن المشاركة في الانتخابات لانهم يرفضون الخيارات الحالية.

*هناك من يرى ان التحالف الديمقراطي ليس الا حزاما آمنا يحد من تمدد الاطراف المعاكسة لتوجهات حركة النهضة؟

التحالف الديمقراطي يطرح نفسه منافسا جديا لحركة النهضة وهو يتبنى ارضية تعبر عن اختلافات جوهرية في التوجهات العامة ولكن التحالف الديمقراطي لا يبني هويته على معاداة النهضة ويعول على رصيد رموزه المركزية والجهوية ومصداقيتهم واشعاعهم في كسب ثقة التونسيين والمسيرة النضالية لهؤلاء الرموز تؤكد انهم منافسون جدّيون ولا شيء منعهم من ان يكونوا في حركة النهضة أو في تحالف معها ونخشى ان يصبح فوبيا النهضة عائقا لتطور الحياة السياسية وعنوانا للتشكيك وخلط الاوراق.

*ما طرحناه سابقا مرده العلاقة المتميزة بين شخصكم وقيادات النهضة واتفاقكم على مقاربات عديدة فكيف ترى حقيقة ما ذكرنا؟

منافسة النهضة او غيرها من الاحزاب لا يستهدف نفيها او شطبها وهذا غير ممكن وليس من اهداف التحالف الديمقراطي وانما المنافسة هي سعي لإعطاء التونسيين خيارات متعددة خارج منطق العداوة والاقصاء وعلاقتي الشخصية بحركة النهضة او ببعض قياداتها ورموزها لا تخرج عن قاعدة المنافسة.

فأنا من الذين انتقدوا مبكرا الرؤية الفكرية والمنهج الاصولي لحركة النهضة ومن الذين كتبوا مقالات عديدة خلال ثلاثة عقود في نقد حركات الاسلمة وانتمائي السابق للاتجاه الاسلامي في شبابي ومساهماتي في حركة الاسلاميين التقدميين اعتبرها مصدر غنى اعتز به واستفيد منه في مسيرتي السياسية الحزبية التي بدأت رسميا بتأسيس الحزب الديمقراطي التقدمي والذي اضطلعت فيه بدور قيادي عشر سنوات قبل ان اغادره وأؤسس مع رفاقي تجربة الاصلاح والتنمية وعموما فان علاقتي الشخصية بالنهضة عرفت اختلافات وتباعدا كما عرفت تقاربا واعمالا مشتركة بحسب مقتضيات المصلحة الوطنية وفي اطار الانسجام مع الحياد الذي أؤمن به

فقد دافعت بقوة عن مساجين حركة النهضة ووقفت ضد ما تعرض له اتباعها من اضطهاد في العهد البائد كما التقينا بعد الثورة في الدفاع عن اهدافها في مجلس حماية الثورة وفي التصدي لدعوة للاستفتاء ولكن حزب الاصلاح والتنمية الذي اتقلد فيه خطة امين عام خاض الانتخابات الماضية باستقلالية كاملة ولم يتردد في دعم الشرعية الانتخابية وفي نقد اداء الترويكا والمهم ان التحالف الديمقراطي الذي نؤسسه يضم تيارات فكرية وشخصيات ذات تجارب مختلفة لكنها تلتقي اليوم في التوجهات العامة وفي تشخيص الواقع واقتراح الحلول له. وماضي كل شخص يغني الحزب الجديد ولا يصبغه بطابعه ولا بماضيه.

*مع اقتراب الموعد الانتخابي ستجبرون على التحالف مع احد الاقطاب السياسية فهل تنفون وجود ترتيبات مع حركة النهضة؟

نحن منشغلون حاليا ببناء حزب التحالف الديمقراطي وتمكينه من عناصر القوة البشرية والمادية والبرامجية ولم يطرح بعد موضوع التحالفات في جدول الاعمال ولكننا متفقون على ان التحالف الانتخابي غير مستبعد ولن يكون على اسس ايديولوجية ولن يساهم في تكريس الاستقطاب الحاد والاحتراب السياسي وانما سنحدد تحالفاتنا بحسب الانتصار للثورة واهدافها وبحسب التقارب في البرامج وبحسب المصلحة الوطنية والحزبية والى الان لم تتحدد اسس التحالفات لانه لم يصدر القانون الانتخابي وهو عنصر مهم ولم تتحدد ملامح الخارطة السياسية بوضوح ولكل حادث حديث.

*بحسب هذا الجواب قد يحصل تحالف مع «نداء تونس» او الجبهة الشعبية؟

أؤكد مرة اخرى ان التحالفات مسائل تكتيكية تحددها ظروفها والمقاييس التي ذكرتها سابقا وتبقى شبهة التعامل مع رموز النظام السابق الضالعين في الفساد والاستبداد من المحاذير التي تحكم علاقاتنا السياسية. وعموما فنحن لا ندعم اي تحالف يقوم على اقصاء الاخر لان ذلك التحالف سيكون مآله الفشل.

*اذا ما تشبثتم بالدخول منفردين في الانتخابات فمن هو مرشحكم للرئاسة؟

نحن لم نحدد بعد صيغة مشاركتنا في الانتخابات القادمة وهل ستكون منفردة ام ضمن تحالف وكل الخيارات ممكنة بحسب تقدير المصلحة ومن الاكيد اننا سندعم مرشحا في الانتخابات الرئاسية نحدده في الابان والى الان لم تعلن ترشحات لرئاسة الجمهورية ولم يناقش التحالف الديمقراطي هذا الموضوع وهل سيكون له مرشح من داخل الحزب.

هذه حقيقة علاقاتي الشّخصية بقيادات ورموز حركة النّهضة

*عاد الحديث مجددا عن تحوير وزاري فهل تعتقد ان التوقيت مناسب لذلك ام هو مجرد تكتيك من الترويكا لتجنب المزيد من ضغط المعارضة؟

التحوير الوزاري متأكد لانه يوجد شعور في الحد الادنى ولان رئيس الحكومة والشيخ راشد الغنوشي عبرا منذ مدة عن هذا التحوير كما ان الاداء الحكومي غير المرضي خلال نحو سنة يستوجب تحويرا وهذا شأن الترويكا بدرجة اولى.

*ذكرت ان التحالف الديمقراطي ضد الاستقطاب الثنائي فما هو موقفكم الحقيقي من الصراع القائم بين النهضة ونداء تونس؟

النهضة ونداء تونس حزبان متنافسان وهذا امر عادي لكن الذي نخشاه هو ان يتحول التنافس الى عداوة وان ينحرف الاستقطاب الحاد الى عملية تنافس اما انا واما الاخر وان تكون وسائل الصراع على الحكم لا تعتمد الانتخابات بدرجة اولى والمزعج ان يصبح هم نداء تونس الوحيد هو اخراج النهضة من الحكم بكل الوسائل وان يصبح هم النهضة البقاء في الحكم ومنع عودة النظام القديم بكل الوسائل فهذا خطير على استقرار البلاد ونحن سنعمل على كسر هذا الاستقطاب وعلى خلق التوازن مع قوى اخرى.

*هل انت مع اقصاء الدساترة والتجمعيين خاصة وان الحديث متواتر عن السعي لتكوين حزب يضم ابرز الشخصيات التي تقلدت سابقا مناصب هامة في الدولة؟

نحن نحمّل الترويكا الحاكمة التأخر الكبير في مسار العدالة الانتقالية وفي محاسبة رموز النظام السابق وهذا احد مطالب الثورة واحد شروط تأمين الانتقال الديمقراطي ونحن في نفس الوقت نرى ان الثورة أتاحت حرية التنظم للجميع وانهت الاقصاء وعلى هذا الاساس لا نؤيد اي اقصاء اعتباطي ونرى ان القضاء المستقل والعادل هو الجهة الوحيدة التي يمكن ان تسلب الحقوق المدنية لاي تونسي وتمنعه من المشاركة السياسية ونحن نستغرب التلويح بقانون اقصاء المنتسبين للتجمع في حين نرى رموزا لا يخفى ضلوعها في الفساد والاستبداد لم يتم ايقافها وبالعكس يتم تسريح البعض منها.

*اذا كيف ترون الطريقة المثلى لانجاز العدالة الانتقالية؟

مسار العدالة الانتقالية تأخر كثيرا كما اسلفنا ونحن غير راضين عن مسارها الى حد الان خاصة في ما يتعلق بمحاسبة رموز النظام السابق والمهم ان تخرج العدالة الانتقالية في اسرع وقت من ايدي الحكومة لتتولاه هيئة وطنية تحظى بالمصداقية وان تكون عدالة حقيقية وليست انتقائية وان تكشف الحقيقة وتحاسب المجرمين وتنصف الضحايا وتضع الآليات التي تمنع تكرر مآس الماضي. وليس من العدالة ان تجرى الانتخابات القادمة قبل ان يعرف التونسيون من اجرم في حقهم وان نخطو بثبات نحو المصلحة الوطنية.

*اصبح المشهد السياسي يضم عددا من الاحزاب الدينية اضافة الى تعدد التيارات السلفية الا يدعم ذلك بحسب رأيكم صورة النهضة داخليا وخارجيا في مكافحة مظاهر التطرف والغلو؟

التعددية في الساحة الاسلامية امر واقع وايجابي ومن المفيد ان يتنظم الجميع في احزاب مدنية قانونية وان يعبر كل طرف عن افكاره ومقترحاته في اطار من االتنافس بعيدا عن العنف اللفظي والمادي ولا اعتقد ان صورة النهضة تتحدد فقط بمن يوصفون بالاسلاميين على يمينها او يسارها وانما يتأكد اعتدالها بقدر ما تقدم من ضمانات وبقدر ما تفصح بوضوح عن خيارها في الدولة المدنية الديمقراطية وفي المحافظة على المكتسبات الاجتماعية للتونسيين وفي اعتماد التنافس في الحكم باعتماد الانتخابات التعددية والحرة والشفافة وكذلك بقدر ما تنجح في محاورة منافسيها وفي خفض التشنج معهم ورفع اللبس الذي يخلق ازمة ثقة.

نحن ضدّ الإقصاء لكنّنا حذرون من شبهة التّعامل مع رموز النّظام السّابق

*هناك من يرى ان القوى الدولية اساسا الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا تمارس ضغوط على الاطراف الفاعلة في المشهد السياسي فهل تقرّون بوجود هذه الضغوطات؟

كل سياسي واقعي يدرك ان الدول الكبرى حريصة على رعاية مصالحها في المقام الاول وتتدخل بوسائل مختلفة اقتصادية وسياسية وامنية وغيرها لحماية هذه المصالح وفي ظل العالم المتشابك والمفتوح تحطمت الحدود التقليدية المادية والرمزية والمهم ان الاطراف السياسية الوطنية تعى جيدا موازين القوى الدولية وتتعامل بواقعية ضمن خطوط واضحة في حماية القرار الوطني المستقل ومنع كل اشكال التدخل الاجنبي التي تمس من هذا المبدأ وان تكون مصلحة تونس مقدمة عن سواها.

*لكن بعد احداث 14 سبتمبر اصبح هذا الضغط أمرا واقعا لا ينكره احد؟

ما حصل من اعتداء على السفارة الامريكية يوم 14 سبتمبر الماضي أمر مدان ومسّ من سمعة تونس ومصالحها والتزاماتها الدولية ومطالبة الولايات المتحدة الامريكية بمحاكمة المعتدين على سفاراتها لا يعتبر تدخلا في الشؤون الداخلية ولا ضغوطا على الحكومة.

هناك جدل بخصوص دسترة تجريم التطبيع مع اسرائل فما هو رأي التحالف الديمقراطي من هذا الجدل؟

نحن في التحالف الديمقراطي ضمنا الوثيقة التأسيسة رفض التطبيع بجميع اشكاله ونحن منحازون بقوة للحق الفلسطيني. اما بخصوص مصطلح تجريم التطبيع فقد اصبح موضوع مزايدة ولم تتبلور بشأنه مقترحات دقيقة ولكن من المفيد في كل الاحوال ان تحدد النصوص ذات الطابع القانوني معنى التطبيع ونوع الجريمة المتعلقة به والعقوبة المستوجبة.

*مازال الحوار الوطني معطلا فكيف السبيل الى اعادة تنشيطه وتجاوز حالة الجذب بين الترويكا والمعارضة؟

نحن شاركنا في مؤتمر الحوار الوطني الذي دعا اليه الاتحاد العالم التونسي للشغل.

وتأسفنا لغياب حزبين في الحكم هما النهضة والمؤتمر ونأمل ان يستأنف هذا الحوار بحضور جميع الشركاء وان تكون الحكومة في الفترة القادمة اكثر جرأة في مباشرة هذا الحوار مع الاحزاب خارج الحكم الذي لا ترفضه من حيث المبدأ ولكنها لم تفعله ابدا.

وبقدر ما يهم التوافق حول الاجندا المفضية الى الانتخابات القادمة يهم التوافق على كيفية ادارة ما تبقى من المرحلة الانتقالية بالاستفادة من اخطاء الماضي وباستحضار مقتضيات الشراكة الوطنية التي تقتضيها المرحلة التأسيسية واختم بقولي انه ليس عيبا ان نخطئ ولكن العيب ان نبني على الاخطاء أمجادا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار منشور بجريدة البيان (تونس) بتاريخ 19 نوفمبر 2012


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>