حكومة الرئيس الثانية.. ماذا بعد تمريرها؟

        مع اقتراب موعد انعقاد الجلسة البرلمانية لمنح الثقة لحكومة هشام المشيشي، بات سؤال هل تمرّ أو لاتمرّ؟ أو هل ستمنحونها الثقة؟ الأكثر إلحاحا على الأحزاب والكتل ذات الثقل في مجلس نواب الشعب. ورغم اعتراض جلّ الأحزاب على خيار تشكيل حكومة من الكفاءات غير المتحزبة، والذي قد يتأكّد أكثر بعد إعلان تركيبة الحكومة، فإنّ المرجّح أن تحظى التشكيلة المعروضة بالأغلبية المطلوبة لتمريرها. لكن تمرير الحكومة لن يحسم الأمور ويبدّد المخاطر على ما يبدو. فقد كان تكليف السيد إلياس الفخفاخ خلافا لرغبة كتل وازنة، في تجربة “حكومة الرئيس” الأولى، أحد أهم أسباب تعثّرها، فلم تعمّر طويلا. وبعد تبيّن مصاعب هذا الخيار، هل تتوفّر حكومة المشيشي، التي تبدو أكثر وضوحا في استجماع صفات حكومة الرئيس على مقوّمات النجاح؟ وهل يكفيها تمريرها في جلسة نيل الثقة لضمان استقرارها وقدرتها على إدارة مرحلة تزداد تعقيداتها مع مرور الأيام؟ وما هي أهمّ بواعث تمرير حكومة الرئيس الثانية، التي قد تكون محدّدة لسيناريوهات محتملة في مستقبل هذه الحكومة؟ ومستقبل تونس عموما؟

        بذل رئيس الحكومة المُكلّف هشام المشيشي ما بوسعه، خلال لقاءاته الأخيرة بوفود الكتل النيابية أو قادة الأحزاب السياسية، لإقناعهم بنظرته التي تثمّن دور الأحزاب وتعتبرها قوام الحياة الديمقراطية. وعبّر لهم عن رغبته الصادقة في تعاون حكومته مع الأحزاب. وحاول رفع اللّبس الذي قد يحصل في تبخيس دور الأحزاب أو عدم الاعتراف يشرعية  الانتخابات، بسبب خياره المدعوم من رئيس الجمهورية، في تشكيل حكومته من كفاءات غير منتمية حزبيا. لكن جهود المشيشي لم تغيّر قناعات الأحزاب في أنّ البلاد تحتاج إلى حكومة سياسية، مفتوحة على غير المتحزبين، ذات قاعدة برلمانية واسعة وحزام سياسي عريض، لتكون قادرة على مواجهات التحديات الجمّة التي ينوء بتحمّلها طرف لوحده. علاوة على أنّ هذا الخيار هو ما تقتضيه نتائج الانتخابات العامة وما يجري عليه العرف في مختلف الدول الديمقراطية لا سيما ذات المنحى البرلماني منها.

        فحكومة المشيشي،يرجّح أن يتمّ تمريرها لأسباب عديدة، لعلّ أهمها، أنّ البلاد لا تتحمّل الاستمرار تحت حكومة الفخفاخ لتصريف الأعمال، التي تعاني من شغورات حسّاسة وسمعة سيئة لرئيسها، وتصدر عنها تصرفات تدلّ على التوتّر وردود الأفعال والانتقام من المتسبّبين في إسقاطها. إضافة إلى عودة مخاطر كوفيد 19، التي أعلنت حكومة الفخفاخ الانتصار في الحرب عليه، قبل أن تضع الحرب أوزارها. ولا تتحمّل البلاد  أيضا ماديا وسياسيا، المجازفة بانتخابات مبكرة، خاصة أن النظام الانتخابي لم يتمّ تعديله. كما أنّ المكلّف هشام المشيشي توجد عنه صورة إيجابية غير مخدوشة، وأنه ابن الشمال الغربي الذي قد يكون على رأس الحكومة لأول مرة، وأنه لا بدّ من منحه الفرصة وحسن الظن به. بل يذهب البعض حتّى إلى تمرير حكومة الرئيس الثانية، التي اختار بمفرده من شكّلها، وحدّده طبيعتها غير الحزبية، وتدخّل قصر قرطاج في تعيين وزرائها،  لوضع رئيس الجمهورية، صاحب الاختصاصات المحدودة دستوربا، أكثر أمام مسؤوليات الحكم وإكراهات الاستجابة لمطالب الشعب في ظروف اقتصادية صعبة جدا محليا ودوليا، وتحميله نتائج الحكم مباشرة.  

        لكن حكومة المشيشي دون دعم واضح من الأحزاب أو الكتل النيابية الكبرى، ستكون بلا حزام برلماني أغلبي يُيسّر لها تمرير مشاريع قوانينها. ولن تكون لها الجرأة على إنفاذ الإصلاحات الإقتصادية المؤكدة ولا اتخاذ الإجراءات الاجتماعية القادرة على خفض الاحتقان. وستكون ضعيفة أمام المانحين الدوليين الذين قد يتراجعون أصلا عن دعم تونس. وبذلك ستكون حكومة المشيشي من غير المتحزبين، غير مستشعرة لتحمّل المسؤولية، وغير عابئة بأصوات الناخبين الذين عادة ما تفكر الأحزاب جيّدا في التقدم إليهم في المحطات الانتخابية القادمة. فحكومة المشيشي لهذه الاعتبارات وغيرها، لا تتوفر على مقوّمات النجاح ولا الاستمرار، ولن تساعد على تحسين أوضاع التونسيين فضلا على أنها قد تكون الأقصر عمرا.

        وإنّ الأحزاب، على غرار حركة النهضة، التي تعتبر أنها لم تتمّ مشاورتها بصفتها، إذ وُجّهت دعوة المكلف لكتلتها أساسا. ولم يتمّ إشراكها في التركيبة الحكومية ولا في وضع برنامج الحكومة ولا ضبط اولوياتها، تجد نفسها في حِلّ من الدعم الحزبي والسياسي لحكومة المشيشي، حتّى إن منحتها بعض أصوات كتلتها لتمريرها. وهذا نفسه، أي منح أصوات لنيل الثقة، متوقّف على استكمال ملف الحكومة أمام البرلمان، بالتعرّف على سير الوزراء المرشّحين وتزكيتهم، والاطلاع على برنامج الحكومة وعدم الاعتراض عليه، والتشاور مع من تعتبرهم النهضة شركاءها في الاائتلاف البرلماني الأغلبي والتنسيق معهم.

        ويبقى أهمّ ما يجب الانتباه إليه، في حالة تمرير حكومة الرئيس الثانية، دون تأكيد ضمان تأييد الأغلبية البرلمانية لها، هو أن نجد أنفسنا إزاء حكومة تحظى بدعم رئيس الجمهورية، و”تعارضها” أغلبية برلمانية، وإن لم تكن موحّدة. وهذا وضع سياسي سريالي، ناجم عمّا سميناه في مقالنا السابق، انزلاقا غير شرعي للنظام السياسي، بتسريع الخطى واقعيا في تكريس نظام رئاسي في ظلّ دستور ينظم  حكما شبه برلماني. كما يظل هذا الوضع مهدّدا للاستقرار الحكومي الذي تحتاجه البلاد. ففي أيّ ظرف يمكن للأغلبية البرلمانية أن تسحب الثقة من حكومة الرئيس أو تضطرّها للاستقالة.

         وما لم يتمّ التدارك باستعجال إرساء المحكمة الدستورية خاصة، واستكمال تنزيل بقية أبواب الدستور، قبل النظر في مراجعته، قد يحصل الانزلاق إلى ما هو أخطر وقد يتعذّر التدارك آنذاك. وتبقى القاعدة الذهبية في تقديم الأهم على المهم، مطلوبة في هذا الوضع المدلهمّ.

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 169، تونس  في 20 أوت 2020

    0 Comments

    No Comment.