تكلّم حتّى أراك.. يا سيادة الرئيس

تنطلق الحملة الانتخابية الرسمية لرئاسية 15 سبتمبر 2019 يوم الإثنين 02 أوت، ويبدو أنها ستكون مرجّحة بين المتنافسين، وحاسمة في نتائجهم. فلئن بدت حظوظ المترشحين المقبولين غير متكافئة،وأنّ عددا كبيرا منهم لا فرصة له للتقدم أكثر في السباق، فإنّ الغموض يكتنف كوكبة المعنيّين بالمرور للدور الثاني، ولم يظهر بينهم من يمكن الجزم بحظوظه. وقد أبانت الفترة المنقضية منذ غلق باب الترشحات، والتي بدت أشبه بالحملة الانتخابية السابقة لأوانها،أنّ بعض المترشحين يفضّلون الصمت، وأنهم يتحاشون اللقاءات الإعلامية المباشرة، وإذا اضطروا إلى الكلام، فضحهم كلامهم وتسبّب لهم في مشاكل، وأثّر بصورة واضحة في تراجع مقبوليتهم. وفي انتظار المناظرات المُبرمجة لأول مرة بين المتنافسين على رئاسة الجمهورية، وتفاعلا مع تصريحات الصادمة، وإعلان إلغاء بعض اللقاءات الإعلامية لعدد منهم، يحضرنا قول سقراط الشهير ” تكلّم حتى أراك”.
إذ يُروى أنّه لمّا كان سقراط في حوار مع تلاميذه، إذ دخل عليهم رجل مزهوّ بنفسه، معجب بشكله، يتبختر في مشيته، فنظر إليه سقراط مطوّلا وقال جملته الشهيرة التي ظلّت تُردّد بعده “تكلّم حتى أراك”. وفي رواية عربية تكمّل هذا المعنى يُحكى أنّ الإمام أبو حنيفة كان يلقي درسه على تلاميذه بأحد المساجد، وقد مدّ رجله ليريحها، فإذا برجل وقور، ذي هيبة، يدخل عليهم، وينضم لمجلسهم، فعدّل الإمام من جلسته وواصل كلامه، وفي الأثناء تكلّم الضيف وألقى سؤالا، فكشف عن ضعف في معرفته، فقال الإمام وهو يعقّب عليه، جملته الشهيرة “آن لأبي حنيفة أن يمدّ رجله”.
فالكلام يعبّر عن وجود الإنسان وعن هويته. لذلك قيل “الإنسان حيوان ناطق”. والمرء يختبئ وراء كلماته كما يفهم من قول الإمام علي “الرجال صناديق مغلقة مفاتيحها الكلام”. وكم يكون الكلام سببا في القرب أو المحبة أو الخصام أو غير ذلك من العلاقات. “وأوّل الحرب كلام” كما يقال. وكم تبدو الأقوال المأثورة بليغة في التعبير عن أهمية الكلام وعلاقته بشخصية صاحبه. فالكلام يفصح عما في النفس من خير أو شرّ “وكل إناء بما فيه يرشح”.
وحتّى نظلّ في جوهر موضوعنا المتّصل بالرئاسية التي ستنطلق حملتها الانتخابية، نقول لكافة المترشّحين المقبولين، بصفاتهم “رؤساء بالقوّة”، في انتظار من ستفرزه صناديق التصويت “رئيسا بالفعل”، نقول لهم تكلّموا حتى نراكم ونقدّر من أصلحكم لقيادة الدولة التونسية.
فلا يستأمن التونسيات والتونسيون على دولتهم من يجهلونهم في ماضيهم أو يرتابون حول حاضرهم ومستقبلهم. ولا يصلح لرئاسة تونس من لم يُبن عن حدّ أدنى من الثقافة العامة، في معرفة تاريخ البلاد وأهم مميزاتها، والعناوين الكبرى لدستورها واجتماع شعبها ومشاكله وتطلعاته. ولا يصلح لرئاسة الناس من يعجز عن مخاطبتهم، وهو ينظر إلى وجوههم، وليس إلى الأوراق التي يقرؤها. ولا ينفع الشعب في شيء أن يرأسه، من لا يملك قدرة على فهم مشاغله وأولوياته ومشاكله، ولا يقترح حلولا لتغيير أوضاعه نحو الأفضل.
تكلّموا أيها المترشّحون بما هو مطلوب من العمق والوضوح والصدق في مشاغل الشعب واقترحوا حلولا واقعية تناسب صلاحياتكم ويتيحها الواقع، حتى يراكم الناخبات والناخبون ويصوّتون لكم. فليس الكلام مطلوبا لذاته، وليس كل متكلّم يُسمع له، وليس أقدركم على الكلام أصلحكم للرئاسة بالضرورة.
فلا يليق بمترشّح أن يصرف جلّ كلامه إلى التهجّم على أحد أو بعض منافسيه، وأن ينشغل بتشويه غيره أكثر مما يفصح عن نفسه ومقترحاته لحل مشاكل البلاد والعباد. وليس من المروءة في شيء أن يلعن مترشح الدستور الذي أتاح له فرصة الترشح لرئاسة الجمهورية. وأن ينبري من يفترض فيه الدستور حفظ وحدة الشعب والدولة، وأن يكون رئيسا لكافة التونسيين، قيتوعّد جزءا من الشعب بالاستئصال والسجن أو التهجير. وليس في صالح العملية السياسية في شيء ولا من مصداقية الحملات الانتخابية، أن يلقي المترشحون الوعود جزافا وأن يفقدوا الكلام معانيه، فيتكلمون فقط لمغالطة الناخبين أو استمالتهم أو الضحك على ذقونهم. فالكلمة أمانة ووعد الحرّ دين.
اخترنا في هذه المرحلة أن يكون حديثنا عن المترشّحين مجرّدا غير معيّن،حتى لا نصادر المستقبل،ولا نظلم أحدا، لكن حرصنا فيه على الواقعية والإيجاز، حتّى نساعد الناخبين على اختيار من يصوّتون لهم دون الوصاية عليهم. ففي هذه الانتخابات يتنافس على رئاسة الجمهورية عشرات، لكن عدد المعنيين باحتمالات المرور إلى الدور الثاني لا يكاد يبلغ السبعة. فيهم من يؤثر الصمت ويعتمده استراتيجية انتخابية لإخفاء عيوبه ونواقصه، وكلما سيٌجبر على الكلام أثناء الحملة الانتخابية، سينكشف أمره وتتراجع حظوظه. ومنهم من يتكلم لإخفاء ما لا يريد التكلم فيه، أو يحسن التكلم في موضوع بعينه، فإذا سئل في مسائل أخرى انكشف ضعفه وعدم أهليته. وفيهم من يحسنون الكلام، ويتفوّقون في التواصل، ويبقى المشكل في البرهنة على مصداقيتهم فيما يقولون والقدرة على الوفاء بما يتعهدون به. ولنا عود في الحملة وقبل الاقتراع.
تنطلق الحملة الانتخابية الرسمية لرئاسية 15 سبتمبر 2019 يوم الإثنين 02 أوت، ويبدو أنها ستكون مرجّحة بين المتنافسين، وحاسمة في نتائجهم. فلئن بدت حظوظ المترشحين المقبولين غير متكافئة،وأنّ عددا كبيرا منهم لا فرصة له للتقدم أكثر في السباق، فإنّ الغموض يكتنف كوكبة المعنيّين بالمرور للدور الثاني، ولم يظهر بينهم من يمكن الجزم بحظوظه. وقد أبانت الفترة المنقضية منذ غلق باب الترشحات، والتي بدت أشبه بالحملة الانتخابية السابقة لأوانها،أنّ بعض المترشحين يفضّلون الصمت، وأنهم يتحاشون اللقاءات الإعلامية المباشرة، وإذا اضطروا إلى الكلام، فضحهم كلامهم وتسبّب لهم في مشاكل، وأثّر بصورة واضحة في تراجع مقبوليتهم. وفي انتظار المناظرات المُبرمجة لأول مرة بين المتنافسين على رئاسة الجمهورية، وتفاعلا مع تصريحات الصادمة، وإعلان إلغاء بعض اللقاءات الإعلامية لعدد منهم، يحضرنا قول سقراط الشهير ” تكلّم حتى أراك”.
إذ يُروى أنّه لمّا كان سقراط في حوار مع تلاميذه، إذ دخل عليهم رجل مزهوّ بنفسه، معجب بشكله، يتبختر في مشيته، فنظر إليه سقراط مطوّلا وقال جملته الشهيرة التي ظلّت تُردّد بعده “تكلّم حتى أراك”. وفي رواية عربية تكمّل هذا المعنى يُحكى أنّ الإمام أبو حنيفة كان يلقي درسه على تلاميذه بأحد المساجد، وقد مدّ رجله ليريحها، فإذا برجل وقور، ذي هيبة، يدخل عليهم، وينضم لمجلسهم، فعدّل الإمام من جلسته وواصل كلامه، وفي الأثناء تكلّم الضيف وألقى سؤالا، فكشف عن ضعف في معرفته، فقال الإمام وهو يعقّب عليه، جملته الشهيرة “آن لأبي حنيفة أن يمدّ رجله”.
فالكلام يعبّر عن وجود الإنسان وعن هويته. لذلك قيل “الإنسان حيوان ناطق”. والمرء يختبئ وراء كلماته كما يفهم من قول الإمام علي “الرجال صناديق مغلقة مفاتيحها الكلام”. وكم يكون الكلام سببا في القرب أو المحبة أو الخصام أو غير ذلك من العلاقات. “وأوّل الحرب كلام” كما يقال. وكم تبدو الأقوال المأثورة بليغة في التعبير عن أهمية الكلام وعلاقته بشخصية صاحبه. فالكلام يفصح عما في النفس من خير أو شرّ “وكل إناء بما فيه يرشح”.
وحتّى نظلّ في جوهر موضوعنا المتّصل بالرئاسية التي ستنطلق حملتها الانتخابية، نقول لكافة المترشّحين المقبولين، بصفاتهم “رؤساء بالقوّة”، في انتظار من ستفرزه صناديق التصويت “رئيسا بالفعل”، نقول لهم تكلّموا حتى نراكم ونقدّر من أصلحكم لقيادة الدولة التونسية.
فلا يستأمن التونسيات والتونسيون على دولتهم من يجهلونهم في ماضيهم أو يرتابون حول حاضرهم ومستقبلهم. ولا يصلح لرئاسة تونس من لم يُبن عن حدّ أدنى من الثقافة العامة، في معرفة تاريخ البلاد وأهم مميزاتها، والعناوين الكبرى لدستورها واجتماع شعبها ومشاكله وتطلعاته. ولا يصلح لرئاسة الناس من يعجز عن مخاطبتهم، وهو ينظر إلى وجوههم، وليس إلى الأوراق التي يقرؤها. ولا ينفع الشعب في شيء أن يرأسه، من لا يملك قدرة على فهم مشاغله وأولوياته ومشاكله، ولا يقترح حلولا لتغيير أوضاعه نحو الأفضل.
تكلّموا أيها المترشّحون بما هو مطلوب من العمق والوضوح والصدق في مشاغل الشعب واقترحوا حلولا واقعية تناسب صلاحياتكم ويتيحها الواقع، حتى يراكم الناخبات والناخبون ويصوّتون لكم. فليس الكلام مطلوبا لذاته، وليس كل متكلّم يُسمع له، وليس أقدركم على الكلام أصلحكم للرئاسة بالضرورة.
فلا يليق بمترشّح أن يصرف جلّ كلامه إلى التهجّم على أحد أو بعض منافسيه، وأن ينشغل بتشويه غيره أكثر مما يفصح عن نفسه ومقترحاته لحل مشاكل البلاد والعباد. وليس من المروءة في شيء أن يلعن مترشح الدستور الذي أتاح له فرصة الترشح لرئاسة الجمهورية. وأن ينبري من يفترض فيه الدستور حفظ وحدة الشعب والدولة، وأن يكون رئيسا لكافة التونسيين، قيتوعّد جزءا من الشعب بالاستئصال والسجن أو التهجير. وليس في صالح العملية السياسية في شيء ولا من مصداقية الحملات الانتخابية، أن يلقي المترشحون الوعود جزافا وأن يفقدوا الكلام معانيه، فيتكلمون فقط لمغالطة الناخبين أو استمالتهم أو الضحك على ذقونهم. فالكلمة أمانة ووعد الحرّ دين.
اخترنا في هذه المرحلة أن يكون حديثنا عن المترشّحين مجرّدا غير معيّن،حتى لا نصادر المستقبل،ولا نظلم أحدا، لكن حرصنا فيه على الواقعية والإيجاز، حتّى نساعد الناخبين على اختيار من يصوّتون لهم دون الوصاية عليهم. ففي هذه الانتخابات يتنافس على رئاسة الجمهورية عشرات، لكن عدد المعنيين باحتمالات المرور إلى الدور الثاني لا يكاد يبلغ السبعة. فيهم من يؤثر الصمت ويعتمده استراتيجية انتخابية لإخفاء عيوبه ونواقصه، وكلما سيٌجبر على الكلام أثناء الحملة الانتخابية، سينكشف أمره وتتراجع حظوظه. ومنهم من يتكلم لإخفاء ما لا يريد التكلم فيه، أو يحسن التكلم في موضوع بعينه، فإذا سئل في مسائل أخرى انكشف ضعفه وعدم أهليته. وفيهم من يحسنون الكلام، ويتفوّقون في التواصل، ويبقى المشكل في البرهنة على مصداقيتهم فيما يقولون والقدرة على الوفاء بما يتعهدون به. ولنا عود في الحملة وقبل الاقتراع.

محد القوماني
*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 121 ، تونس في 29 أوت 2019
https://scontent.ftun11-1.fna.fbcdn.net/v/t1.0-9/69115162_590544648143350_8978675797107671040_n.jpg?_nc_cat=105&_nc_oc=AQniXUeby6xPaWKT5-L5_zOJz_7WkTd_aSSBr4dMiQnmkaKEmvVrtmG27jMl0FpEyTQ&_nc_ht=scontent.ftun11-1.fna&oh=1e74564ef0b4c0d02b860034befff004&oe=5E005C98

مشاركة
  •  
  •  
  •  
  •  


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: