تشكيل قائمات بلديات 2017: حمّى الصّداع..وحمّى الصّراع

 

جريدة الرأي العام، العدد16، تونس في  27 جويلية 2017.

 

ترتفع حرارة الطقس بتونس هذه الأيام في فصل “أوسّو” لتبلغ درجات قياسية، وبالتوازي ترتفع حمّى تشكيل قائمات الانتخابات البلدية المقرّرة ليوم 17 ديسمبر 2017، والتي حدّدت الهيئة العليا للانتخابات شهر سبتمبر لتقديم قائمات المترشّحات والمترشّحين لها، ممّا يجعل شهر أوت القادم، على غير العادة، ليس شهر العطل والسياحة والسباحة، بل شهر العمل بالسرعة القصوى لتشكيل قائمات الأحزاب والمستقلين المعنيين بالسباق الانتخابي. وبالعودة إلى مقتضيات القانون الأساسي المتعلق بالانتخابات والاستفتاء المؤرخ في 14 فيفري2017، لا سيما ما يتصل  بشروط الترشّح وتقديم الترشّحات، نتبيّن ما يسبّه تشكيل القائمات من حمّى صداع للبعض وحمّى صراع للبعض الآخر.

شروط غير يسيرة للترشّح

ازداد عدد البلديّات ليبلغ 350 بلديّة بمقتضى الفصل 131 من الدستور الذي اشترط أن تغطّي أصناف الجماعات المحلية كامل تراب الجمهورية. ويقدّر عدد المستشارين للمجالس التي سيتمّ انتخابها بما يزيد عن 7500 مستشار. ويتراوح عدد المترشّحين بالقائمة الواحدة ما بين 12 في الحدّ الأدنى و60 على الأقصى بحسب عدد السكان بالبلدية. وينصّ القانون الانتخابي على ضرورة التقدّم بقائمة تكميلية لا يقلّ عددها عن ثلاثة ولا يزيد عن القائمة الأصليّة. بما يرفع عدد المترشّحين المطلوبين. كما ينصّ على “مبدأ التناصف بين النساء والرجال وقاعدة التناوب بينهم داخل القائمة”  ويشترط على القائمات الحزبية والائتلافية التي تترشّح في أكثر من دائرة “التناصف بين النساء والرجال في رئاسة القائمات”. و”يتعيّن على كل قائمة مترشّحة  أن تضمّ من بين الثلاثة الأوائل فيها مترشّحة أو مترشّحا  لا يزيد سنّه عن خمس وثلاثين سنة” و”أن تضمّ من بين كل ستّة مترشّحين تباعا في بقية القائمة، مترشّحة أو مترشّحا  لا يزيد سنّه عن خمس وثلاثين سنة” وتسقط القائمة التي لا تحترم هذه الشروط، أما تلك التي لا تضمّ “من بين العشرة الأوائل مترشّحة أو مترشّحا ذا إعاقة جسدية وحاملا لبطاقة إعاقة” فتُحرم من المنحة العمومية. والتي لا تُصرف إلا للقائمة المتحصّلة على أكثر من 3% وبعد الإعلان عن النتائج النهائية. وهذه الشروط، تبدو عسيرة في المشهد السياسي التونسي الحالي، خاصّة إذا أضفنا إليها أن يكون المترشّح مسجّلا بالدائرة المعنية، خلافا للتشريعية، وأن يتقدّم بما يفيد استخلاص الضرائب على الدخل السنوي وإبراء الذمة من الأداءات البلدية أو الجهوية، كما لا يمكن أن تربط بين أكثر من شخصين بالقائمة قرابة أصول أو فروع أو أخوّة. وشروط أخرى أقلّ أهميّة.

حمّى الصّداع

تشكو القيادات المركزية للأحزاب من صداع غير خاف ترتفع حمّاه باقتراب الاستحقاق البلدي. فالأغلبية الساحقة من الأحزاب التي يتجاوز عددها الرسمي المائتين تبدو عاجزة تماما  اليوم عن الإيفاء بمتطلبات المشاركة التنافسية الدنيا في بلديات 2017 استنادا إلى الشروط سابقة الذكر. ولا نبالغ إذا قلنا بأنّ عدد الأحزاب أو الائتلافات الحزبية، القادرة على الترشّح في جميع الدوائر، أقلّ من عدد أصابع اليد الواحدة. وأنّ شعور الأحزاب “الصغيرة” أو”الناشئة”  بالعجز عن المنافسة لضعف قاعدة منخرطيها أو قلّة إمكانياتها الماديّة أوصعوبات خلق تحالفات قويّة، يُشعر القائمين عليها بالحرج وبعبء الاستحقاق ويرفع حمّى الصداع لديهم، فيحاولون التغطية عن العجز الذاتي بخلق أعذار موضوعية  للتشكيك في الموعد المقرّر والمطالبة بمزيد التأجيل،  أو الدعوة إلى المقاطعة أو التلويح بها على غرار بعض الأحزاب والجبهات. ولنا أن نتساءل عن نصيب أغلب الأحزاب من آلاف المستشارين؟ وكيف سيكون وضعها في الخارطة الحزبية بعد إعلان النتائج البلدية التي ستغيّر المشهد السياسي الوطنيّ كليّا رغم طابعها المحليّ؟

حمّى الصّراع

بالتوازي مع حمّى الصّداع في أغلب الأحزاب كما بينّا، ترتفع حمّى الصّراع في الأحزاب والقائمات المستقلّة ذات الرهانات التنافسية مهما كان حجم الرهان. فاعتماد الاقتراع على القائمات دون الأفراد، في دورة واحدة، وتوزيع المقاعد في مستوى الدوائر على أساس التمثيل النسبي مع الأخذ بأكبر البقايا، كما حصل في الانتخابات التأسيسية والتشريعية الماضيتين، سيجعل الصراع محتدّا في ترتيب المترشّحين على القائمة. فالأوائل هم الأكثر حظا ولا يمكن في كل الأحوال التنافسية فوز قائمة مهما كانت بجميع المقاعد. إذ يتمّ تحديد الحاصل الانتخابي بقسمة عدد الأصوات المصرّح بها على عدد المقاعد المخصصة للدائرة. ويسند إلى القائمة عدد مقاعد بقدر عدد المرّات التي تحصّلت فيها على الحاصل الانتخابي. وتسند المقاعد بحسب الترتيب الوارد بكل قائمة. وإذا بقيت مقاعد أخرى توزّع بحسب أكبر البقايا على جميع القائمات. ويترشح لرئاسة البلدية رؤساء القائمات الفائزة فقط. ويتمّ انتخاب الرئيس من بينهم بالأغلبية المطلقة لأصوات أعضاء المجلس البلدي. ولهذه الاعتبارات تبدو الأجواء ساخنة جدّا وترتفع حمّى الصّراع بين المترشّحين المفترضين ويخيّم على الأحزاب شبح الانقسامات. وحتّى اللجوء إلى قواعد الديمقراطية المحلية واعتماد التزكية للقائمات وللترتيب من قبل المنخرطين في كلّ محلية ، كما ينصّ على ذلك النظام الأساسي لحزب حركة النهضة على سبيل المثال، لن يهدّئ من تلك الحمّى وإن كان أقرب للموضوعية وأكثر حماية للجسم الحزبي من الانقسام.

تفاؤل

مهما ارتفعت حرارة الأجواء الحزبية بسبب الصّداع أو الصّراع، فإنّ المؤكد أنّ ذلك سيزيد في الاهتمام باستحقاق انتخابات حكم محلي تدشّنه تونس لأوّل مرّة، ولا يحظى إلى حدّ الآن بما يستحق من الاهتمام. على أنّ ما يصاحب تشكيل القائمات من تنافس وتسابق ومطامع ومصالح ونعرات مختلفة وخصومات متنوّعة تمتدّ آثارها إلى مناخ الانتخابات وما يليها، يتطلّب من  الأحزاب الكبيرة خاصّة، مبادرات لتثبيت موعد الانتخابات ودفع الحملة من أجل التسجيل ومقاومة أجواء الإحباط وطمأنة المواطنين على مناخات انتخابية إيجابية، يحضر فيها التنافس على خدمة الناس ولا يغيب فيها التوافق على مصلحة الوطن.

محمد القوماني

 

L’image contient peut-être : 3 personnes, personnes souriantes, texte

تعليق واحد



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>