بعد 3 أشهر عن 25 جويلية: مأزق الجميع ومحنة شعب

         “طارت السكرة وحضروا المداينية (الدائنون)” كما يقول المثل التونسي. فقد مرّت ثلاثة أشهر بالتمام والكمال عن القرارات الرئاسية ليوم 25 جويلية 2021 ولم تتضح معالم المرحلة الجديدة التي لاقت في بدايتها استحسانا لا يستهان به من الغاضبين عن حصائل عشرية من العجز والفشل بعد الثورة. ويبدو أنّ المأزق لا يقتصر على رئيس الجمهورية قيس سعيد الذي جمّع كافة السلطات بيديه ورفع شعار تصحيح المسار وبشّر بالبناء الجديد وتحقيق إرادة الشعب، دون أن يُقنع الداخل أو الخارج بما يعتزمه، ودون آثار مطمئنة على الأرض بعد حوالي 100 يوم من حكمه، وبعد أن بدأ المؤيدون له في تراجع لافت. بل يبدو الرافضون للإجراءات الاستثنائية في مأزق أيضا. فرغم توسّع دائرة معارضي قيس سعيد في الداخل والخارج بعد الأمر الرئاسي 117 ليوم 22 سبتمبر 2021 الذي أكد الصبغة الانقلابية للتدابير الاستثنائية غير المحدّدة بزمن، والنزعة الواضحة للحكم الفردي المطلق، ورغم التحركات الميدانية التي أسقطت سردية تأييد الشعب للرئيس، فإنّ الأزمة المركّبة بالبلاد تزداد تعقيدا وخطورة، ولم تتبلور آفاق للحلّ ومقترحات عملية للتجاوز، بصرف النظر عن تفاعل قرطاج معها. وأمام الوضع المأزقي لجميع الأطراف ترتفع الكلفة الشعبية للأزمة وتظهر تداعياتها السلبية تباعا على معيشة عموم الناس، لتضع الشعب التونسي في محنة غير مسبوقة باتت حديث الخاصة والعامة بتعبير القدماء. فأينما حللت يحاصرك سؤال قلق إلى أين تتجه الأمور؟

         كلّما خطب رئيس الجمهورية قيس سعيد وعبّر بغضب عن الخطر الداهم الذي استدعى تفعيله للفصل 80 من الدستور، كلّما يزداد الغموض حول تحديد هذا الخطر وحول المستقبل. وليس من المبالغة في شيء أن نستند على كلمة الرئيس مؤخرا في افتتاح اجتماع مجلس الوزراء ليوم الخميس 21 أكتوبر، لنستنتج أنّ الخطر الداهم هو “التدخلات الخارجية” و”الخيانات الداخلية” التي تهدّد “السيادة الوطنية”. وأنّ “التدابير الاستثنائية” ستستمر ما دمنا في “حرب تحرّر وطني” حتى تتحقق ّالسيادة الحقيقية”. ولنا أن نقدّر الآجال،  فهذا الخطر ليس وليد عشرية ما بعد الثورة، بل يمتد لعقود دولة الاستقلال كما يتكرر في خطابات الرئيس، رغم حرص البعض على حصر حديثه في عشرية الثورة. وليس من المبالغة أيضا أن نستند لأقوال الرئيس قيس سعيد وأنصاره من “المنظّرين” خاصة، لنستنتج أنّ “الخطر الجاثم” هو الدولة القائمة منذ عقود وأنّ “البناء الجديد” يستهدف إعادة بناء المؤسسات وتشكيل نخب جديدة و”هندسة تونس جديدة” من خلال الاستحواذ على السلطة واحتكار القرار الوطني بفرض “عمودي” أو “مركزي” لمشروع شخصي أو أقلّي باسم البناء “الأفقي” أو “القاعدي”، بعيدا عن أية مرجعية دستورية أو تشاركية حقيقية.

         ولا عجب أن نسجّل مع مرور الأيام ابتعادا لا فتا في صفوف النخب خاصة عن “مشروع الرئيس” وتوجّسا متعاظما من استنساخ تجارب مخيفة في “اللجان الشعبية” أو “الحشد الشعبي” أو “المجالسية” أو غيرها من الصيغ الشعبوية. فالانتخاب على الأفراد والتصعيد القاعدي عبر “القرعة” وإلغاء الانتخابات التشريعية المباشرة آليات لتركيز حكم مركزي تسلطي وإضعاف مؤسسات الحكم وإطلاق ليد رئيس الجمهورية المنتخب وحده من الشعب. ومهما تلحّفت هذه الأطروحات بالشعارات الشعبوية والتضليل والمراوغة فهي ستقود إلى نظام “رئاسوي” بلا شك. لذلك لم يتردّد أغلب الأكادميين من أساتذة القانون الدستوري والقانون العام في التحذير من هذا المسار المزعوم على غرار ما تم مؤخرا بندوة الشبكة الأورومتوسطية للحقوق بمناسبة مرور عشر سنوات على انتخابات 23 أكتوبر 2011. كما بدأ آخرون من مؤيدي قيس سعيد في انتقاد هذا المسار على غرار الأساتذة شعبان والزكراوي ومحفوظ. وكان تصريح الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي في بن عروس مؤخرا لا فتا على هذا الصعيد.

         لقد أعدّ الرئيس سعيد جيّدا للحظة الانقضاض على السلطة، لكنه على ما يبدو لم يكن جاهزا ولا قادرا على حكم البلاد ومواجهة استحقاقات الشعب الاقتصادية والاجتماعية في المقام الأول. لقد استفاد من تعطيله للحكومة وأخطائها، ومن ترذيل البرلمان وأخطائه، ومن الحصائل السلبية لعشرية ما بعد الثورة، في كسب بعض الـتأييد لما أقدم عليه يوم 25 جويلية،  لكنه بلا شك لم يقنع في مواصلة المشوار ولم يفصح عن مشروع جامع للغاضبين على ما قبل 25. فأغلب النخب كما أشرنا لا تؤيد المشروع السياسي لقيس سعيد وإن ساند بعضها قرارات 25. وعموم الغاضبين من عامة التونسيين سيكتشفون أنّ النظام السياسي والقانون الانتخابي ليست أولوياتهم ولا إضافة لهم في المجال إذا دعوا إلى “حوار وطني” حولها.

         وأمام ما تعرفه أسعار بعض المواد من ارتفاع غير مسبوق وما تعرفه بعض مؤسسات الإنتاج من صعوبات، وما أبان عنه الرئيس سعيد إلى حدّ الآن من ضعف في تملّك الملفات الاقتصادية وغياب مقترحات جدية للحلول، وتصعيد سياسوي غير محسوب ضدّ الدول السبع الكبرى والصناديق المانحة ووكالات التصنيف الاقتصادي، وتخبّط سياسي في مخاصمة الجميع من أحزاب ومنظمات وسلطة قضائية وهيئات دستورية ومجتمع مدني وإعلام، أمام كل هذا تبدو المؤشرات سلبية على مزيد تعميق الأزمة وتعفين الأوضاع ومواجهة سيناريوهات كلها سيئة للأسف، أدناها عزلة خارجية وعقوبات اقتصادية وضنك في العيش وتوترات اجتماعية واضطرابات سياسية.

         وفي مقابل هذا المأزق الرئاسي الذي خصّصنا له أغلب المساحة لمركزية الرئيس في المشهد الحالي، تبدو الأمور في صفوف المعارضين للرئيس في مأزق واضح أيضا. فالالتقاء السياسي الموضوعي حول رفض الانقلاب ليس حلاّ في حدّ ذاته، مهما توسّع. والخلافات الذاتية البينية وداخل كل حزب أو “جبهة” تبدو غير مُشجّعة. وإذ نتفهّم مخلّفات أزمة الثقة بين الأطراف، وصعوبات إدارة “النرجسيات” والمنافسات الشخصية، فإنّ الزمن السياسي لا يتيح مزيد التأخّر في بلورة رؤية عميقة للأزمة المعقدة وتقديم مقترحات متكاملة للخروج منها. فالوضع بحاجة  بالتوازي مع التحركات الميدانية والضغوطات السياسية على الانقلاب ، إلى أفق سياسي يأخذ بعين الاعتبار أولويات الإنقاذ العاجل للوضع الاقتصادي والاجتماعي ومتطلباته، والإقرار بالأخطاء الأساسية للعشرية ومقتضيات المرحلة الجديدة والحاجة إلى تصحيح المسار، في اجتراح حلول تنتظم في المرجعية الدستورية في جوهرها وتعتمد مرونة قصوى في الاجراءات التفصيلية. وإذا تمّ الاتفاق على موعد للعودة إلى الشعب صاحب السيادة في انتخابات تعددية وشفافة لحسم الشرعية وتبيّن الأغلبية، سيهل بعد ذلك ترتيب مستلزمات إنجاح هذا الموعد وتغيير ما يلزم في النظام السياسي والقانون الانتخابي ومتعلقاتهما، حتى تكون الانتخابات طريقا للخروج النهائي من الأزمة وليس إعادة إنتاج لها. فقد تأكدت مصاعب النظام السياسي شبه البرلماني المعتمد، ونواقص القانون الانتخابي في الاقتراع النسبي على القائمات دون عتبة انتخابية.

         حين تبلغ الأزمة ذروتها ونتأكد انّ الخطر الداهم الحقيقي هو تهديد قوت الناس ومعاشهم، والمسّ من كيان الدولة واستقرارها، وأنّ التداعيات السلبية لانهيار الوضع لن يسلم منها طرف ولن تكسب منها جهة وطنية مهما كانت، حينها يتحتّم تغليب العقل على العاطفة، والتعالي عن تصفية الحسابات مهما كانت، وتأجيل التلاوم وتحديد المسؤوليات عن الماضي إلى مواعيدها الطبيعية، للانصراف إلى وضع حلول قابلة للتطبيق الفوري، لمعالجة تحديات الحاضر والمستقبل.

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 228، تونس في 28 أكتوبر 2021

    0 Comments

    No Comment.