انحراف الرئيس بالسلطة يعرّي “المُتذاكين”

         ما الفرق بين ما فعله الرئيس قيس سعيد من انحراف بالسلطة باستغلال صلاحياته الدستورية وصفته كقائد أعلى للقوات المسلحة، للانقلاب على الدستور والمسار الديمقراطي، والسطو على اختصاصات الحكومة والبرلمان وجزءا من صلاحيات السلطة القضائية، وبين ما يمكن أن يأتيه على سبيل المثال عون أمن يصطحب سلاحه إلى منزله، أو أي شخص آخر يحمل سلاحا مرخّصا فيه، فيستغله لإخضاع جيرانه تحت التهديد بالسلاح وترويعهم والسطو على ممتلكاتهم؟ فكلاهما انحراف بالسلطة تترتب عليه أعمال غير قانونية تلحق أضرارا بالغة بالغير، وربما تمتد تداعياتها إلى ما هو أخطر مستقبلا. لذلك تتوسّع بعد حوالي الثلاثة أشهر عن القرارات الرئاسية مساء 25 جويلية 2021 دائرة الرافضين داخليا وخارجيا للتدابير الاستثنائية التي تأكدت صبغتها الانقلابية يوم 22 سبتمبر من خلال الأمر الرئاسي 117 الذي علّق العمل الدستور فعليا وكرّس الحكم الفردي المطلق لقيس سعيد. وبتكشّف حقيقة الانقلاب وأهدافه غير الشعبية، يفتضح أمر من “يتذاكون” من مواقع مختلفة حزبية أو إعلامية، أو باسم منظمات أو جمعيات، أو حتى بصفة شخصية، بالتهرّب من الإفصاح عن موقف صارم في رفض الانقلاب والانخراط في العمل على استئناف المسار الديمقراطي المعطل منذ 25، والاستعاضة عن ذلك بتركيز الحديث على تحميل المسؤولية في ما ٱلت إليه الأوضاع قبل 25 جويلية، والمبالغة في نقد حركة النهضة وحلفائها وتحميلهم المسؤولية وحدهم، أو المزايدة في الدفاع عن السيادة الوطنية ومهاجمة الخصوم وتخوينهم وتصفية الحساب معهم. ونروم في هذا السياق رصد أهمّ مخاطر الانحراف بالسلطة في انقلاب 25 جويلية، وكشف المخاتلة في خطاب “المتذاكين” عن الشعب وبيان مسؤوليتهم مرّة أخرى في تفويت فرص تصحيح مسار الانتقال الديمقراطي بعد عشر سنوات عن ثورة الحرية والكرامة.

         مارس الرئيس قيس سعيد صنوف التعطيل لدواليب الدولة التي يرأسها في مشهد سريالي وظلّ خلال عامين من حكمه أقرب في خطاباته ومواقفه إلى المعارضة أو الاستمرار في حملة انتخابية لم تتوقف. وبلغ التعطيل ذروته بالتشجيع على ترذيل البرلمان والانخراط المفضوح في التحريض عليه والدعوة إلى حلّه. ثم جاء منع أداء 11 وزيرا زكّاهم البرلمان من أداء اليمين وممارسة مهامهم. ثم تمّ رفض ختم قانون المحكمة الدستورية ونشره  بعد تصويت معزّز. ولا ننسى التعطيل الواضح لمساعي الحكومة في توفير موارد خارجية للميزانية أو جلب التلاقيح ضد كوفيد 19 الذي  فتك بالناس لأشهر. ومن بعد أشكال التعطيل جاء التقويض للدستور والمسار برمته، كما توقعنا ذلك في مقالات سابقة. وتبيّن أنّ التعطيل المقصود اشتغال هادئ على التقويض الذي استفاد من تجمّع عناصر الأزمة المعقّدة والمتراكمة في اللحظة الحاسمة.

         مع إقرارنا المستمر بحجم الأخطاء الفادحة خلال عشرية الثورة، وبلوغ الأزمة المركبة دائرة مغلقة سياسيا ودستوريا خلال حكومة مشيشي، واستحالة استمرار المناكفة السريالية بين رأسي السلطة التنفيذية، والعلاقة غير الودية بين مراكز السلطة الأساسية في قرطاج وباردو والقصبة، والمشهد المرذّل بالبرلمان، مع كل ذلك نرى في أتاه قيس سعيد مساء 25 جويلية وأكمله يوم 22 سبتمبر، مستوى عال في الانحراف بالسلطة وانقلابا لا يحتاج إلى أسباب ولا تُقبل أعذار في تبريره.

          وقد بدت شراهة الحكم لدى قيس سعيد ونزعته السلطوية في الحكم الفردي من خلال أقواله وأفعاله، لا سيما معجمه الحربي وزياراته المكثفة لثكنات الجيش ومقرات الأمن، التي كانت تعزّز فرضية الانقلاب الذي صار حديث الناس بعد الوثيقة الشهيرة المسرّبة في ماي 2021عن “الانقلاب الدستوري” استنادا إلى الفصل 80. وهو ما صار حقيقة وسط دهشة الأغلبية خاصّة ممّن كانوا يردّدون بأنّ المسار الديمقراطي محصّن ولا حظوظ لسيناريوهات انقلابية.

          بات واضحا أن الرئيس قيس سعيد، تعمّد “تعليق” اختصاصات البرلمان دون أن يحلّه، حتى يستولي على السلطة التشريعية باسم التدابير الاستثنائية ولا يدعو إلى انتخابات تشريعية مبكرة لتشكيل برلمان جديد. فهو لا يريد سلطة رقابية أصلا ولا يريد مشاركة له في الحكم كما يؤكد ذلك الدستور الصغير في الأمر الرئاسي 117. وهو مع ذلك يتخذ من التعليق ووقف منح النواب سبيلا للتنكيل بهم دون استثناء، بعد أن سجن بعضهم وهاجمهم في شرفهم واتهمهم بالسرقة والفساد والتحيّل دون دليل. بل لا يتوقّف سعيّد عن ترذيل البرلمان الذي يصفه بالخطر الداهم والقائم والجاثم.

         وغير بعيد عمّا فعل مع البرلمان، ينتهج الرئيس سعيد سياسة ترذيل الحكم المحلي والتمهيد لحلّ المجالس البلدية المنتخبة. فهو المسؤول عن غياب وزارة البيئة لأكثر من شهرين، وعن الولاة، الذين يعود إليهم القرار في مشاكل “المصبّات” ببعض الولايات، ليطفو مجددا موضوع الزبالة المتراكمة في بعض المدن ويتمّ الاشتغال على الموضوع للنيل باطلا من المجالس البلدية. هذا علاوة عن عدم وجود وزارة للشؤون المحلية في الحكومة القيسية برئاسة السيدة بودن، وعدم إلحاق مصالح الوزارة  القائمة قبل ذلك إلى الآن بأية وزارة أخرى، بما لا يخفي الطابع الكيدي في الخيار.

          وستكشف الأسابيع القادمة بقية السيناريوهات المتوقّعة. وهذا دليل آخر على الانحراف الواضح بالسلطة والتعدّي على سلطة أخرى منتخبة. تماما كما يؤكد ذلك أيضا الأمر الرئاسي مؤخرا المتعلق بإعفاء رئيس ديوان رئيس البرلمان وبقية المستشارين لديه. وهو مظهر آخر في التعسّف في استعمال السلطة والانحراف بها للتدخل في مسائل داخلية تتصل بالبرلمان ّالمعلّقّ الذي لا يريد الرئيس سعيد حلّه خلافا لدعوات أنصاره المتكرّرة.

          لا تنفك دائرة رفض الإجراءات غير الدستورية تتوسّع، ومآزق الانقلاب تحتدّ وآثاره المدمّرة على الوضع الاقتصادي والاجتماعي تتأكد، خاصة بعد تراجع الترقيم السيادي لتونس إلى المنطقة الحمراء، والتهديدات الأمريكية والأوروبية الأخيرة بقطع المساعدات المالية وغيرها، وربما الاضطرار إلى عقوبات اقتصادية. وأمام هذا المشهد الواضح في الانحراف بالسلطة المخولة لرئيس الجمهورية في تنفيذ انقلاب سافر تتزايد مخاطره وتداعياته، يعمد البعض إلى ما يظنونه “تذاكيا”، بالتهرب من موقف صريح في رفضه والتصدي له، ومحاولة التغطية على ذلك بإثارة خلافات تظل جانبية، مع خصوم سياسيين أو أيديولوجيين. متجاهلين أنّ واجب مواجه استحقاقات اللحظة، لن يصادر حقهم في التقييم والمحاسبة وتحميل المسؤولية، الذي سيأتي وقته بالتأكيد وتكون الاستحقاقات الانتخابية ذروته.

         إنّ من “يتذاكون” على الشعب ويتعمّدون خلط الأوراق، في تلبيس المواقف والإساءة إلى مسار ديمقراطي هش، بإثارة قضايا جانبية على أهميتها على حساب القضية الجوهرية، سيعرّيهم الانقلاب بلا شك وسيسقطون بسقوطه. فهم يمارسون حيلا لم تعد تنطلي، ويكرّرون أخطاء يعلمون قبل غيرهم تداعياتها السلبية على المسار الذي سيكتوون بنار انتكاسته بلا شك. وسيدفعون ثمنه السياسي عاجلا أو آجلا. ولست أجد في وصف حال هؤلاء “المتذاكين” أبلغ من الأثر المنسوب للإمام الحسن البصري وهو يخاطب بعض أهل زمانه بقوله: “تسكتون عن سفك دم الحُسين.. وتسألون عن حكم دم البعوضة هل ينقض الوضوء!؟ أو كما قال. والحديث قياس.

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 227، تونس في 21 أكتوبر 2021

    0 Comments

    No Comment.