الكلفة الوطنية لمآزق رئيس الجمهورية

         ربما نجح رئيس الجمهورية قيس سعيد بإعلانه تشكيلة الحكومة يوم 11 أكتوبر بعد 76 يوم من الانتظار، في التغطية نسبيا على المسيرة الحاشدة لعشرات الآلاف من التونسيات والتونسيين الذين خرجوا يوم 10 أكتوبر للتعبير عن رفضهم للانقلاب ودعوتهم إلى التمسك بالدستور واستئناف المسار الديمقراطي المعطّل منذ 25 جويلية 2021. لكن من المؤكد أنّ الحشود غير المسبوقة بنفس المكان ليوم 10/10 التي حظيت بالتغطية الواسعة داخليا وخارجيا، والتي كان من أبرز عناوينها العدد الهائل والتنوع السياسي والأيديولوجي والعُمري، قد أبلغت رسالتها بوضوح بأنّ التونسيين مختلفون حول الرئيس قيس سعيد وإجراءاته الاستثنائية بين مؤيدين ومعارضين، وأنّ سردية التفويض الشعبي ليوم 25 جويلية هوت ولن تكون لها مصداقية بعد الذي حصل. وبعد معارك الشوارع الرمزية خلال الأسابيع الأخيرة، وبعد إعلان حكومة الأمر الواقع برئاسة نجلاء بودن مؤخرا، واستمرار الغموض حول روزنامة الفترة الاستثنائية ومدّتها ومستقبل البلاد من بعدها، نروم التوقّف عند أهمّ ما نراه مآزق لرئيس الجمهورية وكلفتها الوطنية.

          فالدستور يظل أوّل مآزق رئيس الجمهورية. إذ لا ينفك أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد عن التأكيد على التزامه بأحكام الدستور الذي ترشّح على أساسه وأقسم على احترامه ويستمد منه حصانته وصلاحياته. وهو إذ يخرق بعض فصوله قبل 25 جويلية وبعده، فإنما يستند إلى تأوّله على ما يراه ويناسبه، الذي ارتآه من اختصاصه في غياب محكمة دستورية حرص على تعطيل تشكيلها، وزيّن له بعض “أهل العلم” في المجال ما ذهب إليه، خلافا لأغلب زملائهم.

         ومن مآزق الانضباط للدستور تعليق رئيس الجمهورية لاختصاصات البرلمان وإيقاف منح النواب، دون الجرأة على حلّ هذا البرلمان الذي يصفه الرئيس بالخطر الداهم والجاثم والقائم، والذي يصرّ أنصاره على المطالبة بحلّه. وهذا وضع عبثي من أكثر من وجه. فالتزام الرئيس بأحكام الدستور الذي صرّح مساء 25 جويلية أنه يمنعه من حلّ البرلمان، يتيح له حسب تأويله المتعسّف أن يجعله كالمعلقة، لا هي متزوّجة ولا هي طالق. ويسمح له أن يقطع “أجور” نواب يجبرهم على عدم أداء مهامهم، ولا يسوّي وضعياتهم الإدارية. ويدفع ببعضهم إلى مشاكل مع البنوك أو يخلق مصاعب لأهاليهم بحرمانهم في نفس الوقت من أجورهم الأصلية أو ممارسة أنشطتهم العادية. فضلا عمّا في إبقاء البرلمان في حالة “تعليق” من تأجيل انتخاب برلمان جديد، واستحواذ رئيس الجمهورية عن الاختصاصات التشريعية في الأثناء دون رقابة أو إمكانية طعن في مراسيمه.

         ومن مآزق الدستور أيضا تعليقه فعليا بالأمر الرئاسي 117 يوم 22 سبتمبر 2021 والإبقاء على توطئته والبابين الأول والثاني منه، واستبداله بدستور صغير يكرّس الحكم الفردي المطلق، وعقد موكب لأداء أعضاء حكومة بودن اليمين على احترام الدستور، بما أثار سخرية كثير من التونسيين والمتابعين. علاوة على ما يسببه تعليق البرلمان من ضعف في شرعية حكومة بودن في الداخل والخارج. فهي لم تستند إلى الصيغ الدستورية في تشكيلها ولم يتم التشاور بشأنها ولم تعرض لنيل تزكية البرلمان ولا تخضع لرقابته، وإن تم التعامل معها، فبصفتها حكومة الأمر الواقع. ومهما بدا في حكومة بودن من مزايا على غرار رئاسة امرأة لها لأول مرة وتمثيلية نسوية محمودة في تركيبتها، فإنها تظل حقيقة حكومة “قيسية” باعتبار أنّ الرئيس من شكلها وتخضع لرقابته وحده.

         ويظلّ أكبر مأزق دستوري للرئيس قيس سعيد، تلاعبه بمعنى الخطر الداهم على مقتضى الفصل 80، وتمطيطه للفترة الاستثنائية في الزمان والإجراءات ليتخذ منها طريقا لإنفاذ مشروعه السياسي الشخصي بطريقة انفرادية وغير دستورية، وسعيه لتبديل هيئة دوله الاستقلال القائمة منذ عقود، باسم “التأسيس الجديد” وعبر الانحراف باستعمال السلطة، وعدم الاكتراث بآراء أوسع النخب التونسية. ولن يتمّ ذلك للرئيس سعيد، إلاّ بتكلفة سياسية باهظة على حساب استقرار البلاد وأولويات التونسيين الحقيقية الاقتصادية والاجتماعية.

         وعلى أهمية الدستور في النظام السياسي، باعتباره العقد الاجتماعي، يبقى المأزق الاقتصادي أهمّ مأزق للرئيس. فقد كان الإخفاق الاقتصادي والتنموي لعشرية ما بعد الثورة، أهمّ أسباب غضب عموم التونسيين من المفقّرين والشباب خاصة، وأهمّ حاضنة شعبية لتقبّل الإطاحة بمنظومة ما بعد 2011 يوم 25 جويلية 2021. وها أنّ التونسيين والمتابعين بدأوا  يكتشفون أنّ أولويات الرئيس قيس سعيد هي أيضا سياسية وليست اقتصادية واجتماعية. فالخطابات والمشاريع والأولويات تنصرف للنظام السياسي والقانون الانتخابي والاستفتاء، ولم تؤشر بعد على أيّة إجراءات في الإصلاحات الاقتصادية المتأكدة ولا في اقتراح حلول أو آفاق للمالية العمومية المنهارة. بل ربما تبدو الأمور عكسية تماما.

          فقد كشف الرئيس سعيد عن ضعف فادح في المجال الاقتصادي، ورفض تعيين كفاءة اقتصادية على رأس الحكومة. وقوبل وزير الاقتصاد الجديد بانتقادات حادة تشكّك في كفاءته. وبعث خطاب رئيس الجمهورية حول وكالات التصنيف الاقتصادي العالمية (أمك صنّافة) والمؤسسات المالية المانحة أسوأ رسالة في هذا الاتجاه لا يستبعد المتابعون الردّ السريع عليه بالتخفيض المستحق للاقتصاد التونسي المشرف على الإفلاس. كما تبدو علاقة تونس بالدول السبع الكبرى ليست على أحسن ما يرام. فقد انتقد سفراء هذه الدول بتونس الوضع السياسي وإجراءات رئيس الجمهورية في أكثر من مناسبة ولوّحوا بالعقوبات الاقتصادية.

         ومع مخلّفات التأخير الفادح في تشكيل الحكومة والاستحقاقات الاجتماعية للأجراء التي بدأ الاتحاد العام التونسي للشغل في التذكير بها، مع إعلان الحكومة، وتحسّبا لخصوصيات احتجاجات الخريف والشتاء في تونس، ومع تقدّم حكم الرئيس سعيد الممسك بالسلطات جميعا وتوغّله في مواجهة مشاكل الناس المعيشية المباشرة، سنكتشف بلا شك الكلفة السياسية للأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة. وقد أبانت تجارب ما قبل الثورة وبعدها، أنّ عموم التونسيين لا ينخرطون في المعارك السياسية للنخب، ويغضبون بما لا يُتوقع أحيانا لأسباب معيشية. وكثيرا ما تأتي الاحتجاجات الاجتماعية على المكاسب السياسية.

         حين يتقاطع المأزق الدستوري مع المأزق الاقتصادي، يكون المأزق السياسي معقّدا وحادّا وتكون الكلفة الوطنية باهظة. فبعد الأمر الرئاسي 117 والتعليق العملي للدستور، توسّعت رقعة المعارضين وحصل تقاطع موضوعي سياسي واسع في رفض الانقلاب. وبدأت موازين القوى تتغيّر بعد “الفرز”. ولئن تحدّث الرئيس سعيد لأول مرة عن اعتزامه فتح حوار حول المستقبل، فقد جاء كلامه في الموضوع غير مفصّل وغير مطمئن. وإذا استمرّ الرئيس في عدم الاكتراث بآراء المخالفين له ووصمهم ونعتهم بما لا يليق، مستعصما ب”الإرادة الشعبية” التي يدّعيها، وإذا استمرّ في الاستخفاف بمقتضيات العلاقات الخارجية وتقاليد الدبلوماسية التونسية باسم “السيادة الوطنية”، فإنّ الأزمة ستتوسع مع الأيام وتتعقّد.  ولن ينفع التلاوم حول الماضي والتجاذب في تحميل المسؤولية، في وقف أخطار داهمة سيتضرّر منها الجميع عاجلا وآجلا. ولم يخطئ من أشاروا إلى أنّ زمن رئيس الجمهورية غير زمن تونس.

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 226، تونس في 14 أكتوبر 2021

    0 Comments

    No Comment.