أكذوبة الكفاءات المستقلّة.. كفَوا عن قضم الديمقراطية

مع كل مناسبة لتقييم عمل الحكومة أو التفكير في تعديلها أو تغييرها يعود الحديث في تونس عن “المحاصصة الحزبية” و”الكفاءات المستقلة”. ومع اقتراب أيّ استحقاق انتخابي تتعالى بعض الأصوات مطالبة بحكومة “محايدة” غير معنية بالتنافس في تلك الانتخابات. وها هو السيد سمير ماجول الرئيس الجديد لمنظمة الأعراف ينبري كأبرز المدافعين عن “حكومة كفاءات مستقلة” تستبعد الأحزاب كلّيا، في سياق الحوار الجاري داخل أطراف وثيقة قرطاج وخارجها، حول التغيير المتأكد والعاجل في حكومة السيد يوسف الشاهد. فما حقيقة هذه الدعوة؟ وما هي خلفياتها وأبعادها في السياق الراهن؟ وما مدى وجاهة هذا المقترح اليوم في ضوء التجربة التونسية لما بعد الثورة؟ وهل يعكس وعيا بحماية المسار الديمقراطي وحرصا على دعمه؟ أم يبدو أقرب إلى قضم الديمقراطية والانقلاب الناعم عليها؟

معالجة استثنائية لوضع مؤقت

كانت الدعوة سنة 2011 لتحييد حكومة السيد الباجي قائد السبسي التي أُوكلت إليها مهمّة تنظيم أوّل انتخابات إبّان الثورة لأعضاء المجلس الوطني التأسيسي. وتم اشتراط عدم الترشّح على أعضائها، حتى لا يستفيدوا من مواقعهم التي لم يتأهلوا إليها بمقتضى انتخابات، وحتّى تتساوى فيها حظوظ جميع المتنافسين. وكان ذلك أمرا محمودا في سياقه. وخلال حكم الترويكا الفائزة في 2011 تمّت المطالبة بتحييد وزارات السيادة في مرحلة تأسيسية كانت المهمة الأساسية فيها كتابة دستور جديد، وليس حكم البلاد. ومع اندلاع أزمة سياسية حادّة، عقب استفحال الإرهاب والاغتيالات، واحتداد التجاذبات حول الهوية والحداثة واتجاهات الدستور وموعد انتهاء المجلس الوطني التأسيسي، تمّ التوافق في إطار الحوار الوطني على خريطة طريق كان من مقتضياتها تشكيل حكومة “مستقلين” تعدّ لانتخابات تشريعية ورئاسية في نهاية 2014. وقد تولّى السيد المهدي جمعة رئاسة تلك الحكومة التي توافقت أطراف الحوار الوطني على أعضائها. وبدا الخيار مقبولا أيضا في سياقه. لكن هل تستقيم الدعوة مجدّدا إلى “حكومة كفاءات مستقلة”؟ والحال أنّ البلاد خرجت من المرحلة التأسيسية المؤقتة، وتمّ تشكيل الحكومة ومؤسسات الدولة والمشهد السياسي عموما لوضع مستقرّ، على مقتضى نتائج انتخابات 2014 التي تقدّم فيها حزب نداء تونس على حركة النهضة التي حازت المرتبة الثانية بفارق بسيط، وتقدّم فيها الحزبان عن بقية المنافسين بفارق كبير.

لماذا حكومة كفاءات مستقلة؟

لا نسمع حديثا عن حكومة محايدة أو كفاءات مستقلة في ديمقراطيات العالم المختلفة، ولا تتغيّر الحكومات قبل كلّ انتخابات. بل تتشكّل الحكومة وسائر مؤسسات الحكم في ضوء نتائج الانتخابات التي لا تغيّرها سوى توازنات جديدة لانتخابات موالية، طبق أحكام الدستور والقوانين. لذلك تبدو الدعوة مجدّدا إلى اعتماد صيغة مؤقتة ّ نشازا ديمقراطيا تونسيا. وحين استجمع السيد ماجول حججه في الدفاع عن ضرورة اعتماد هذه الصيغة في سياق التغيير الحكومي المستوجب اليوم، ذهب إلى القول في ربط سريالي بأنّ “تونس دولة مستقلة تحتاج إلى كفاءات مستقلة”، ليجد نفسه على غرار من يشاطرونه الدعوة نفسها، يتنكّر لمقتضيات الديمقراطية من تعدّدية حزبية وانتخابات ويشكّك في شرعية الحكم القائم على تلك المنظومة، مدّعيا أحقيته وأمثاله بقيادة البلاد استنادا إلى جدارة مزعومة باسم “كفاءة” يحتكرونها وينفونها عن غيرهم من المنتمين للأحزاب.
لا تقتصر الدعوة إلى حكومة “كفاءات مستقلة” على ممثّلي بعض المنظمات الاجتماعية وبعض الإعلاميين، بل تشمل بعض ممثّلي الأحزاب أيضا، على غرار السيد محسن مرزوق على سبيل الذكر لا الحصر، ممّن يملؤون فضاءات إعلامية عديدة ويكثر ضجيجهم هذه المدّة، ولا ينفكّون بمناسبة وغير مناسبة، عن تكرار خطاب نراه قضما مستمرا للديمقراطية وانقلابا ناعما عليها. مؤديات هذا الخطاب أنّ مشكلة تونس الكبرى تكمن في وجود حزب قويّ اسمه “حركة النهضة”، وأنّ مشاركتها في الحكم هي عنوان فشل مهما كانت المؤشرات والأرقام إيجابية، وأنّها وحدها تتحمل مسؤولية إدارة البلاد بعد الثورة وعليها يقع عبء المرحلة، وهي الحاكم الفعلي مهما كانت تمثيليتها في الحكومة وفي مواقع المسؤولية والقرار في مؤسسات الدولة، وأنّ الديمقراطية الحقيقية هي كل الطرق التي تؤدي إلى إقصاء النهضة من المشاركة في الحكم، وفي ذلك المستقبل الزاهر لتونس وسعادة التونسيين. ومن بعد تغيير الحكومة تأتي المطالبة بمراجعة التعيينات وبقية المسلسل. ولا ينسى الجماعة بالطبع التذكير بأنّ المشكلة الرئيسية تبقى في النظام السياسي الذي أقرّه دستور 2014 بقيادة حركة النهضة، والذي يستوجب تغييرا لا مفرّ منه هو الآخر، وإن لم تكتمل مؤسساته بعد. وها هم يضيفون الآن انتقاد القانون الانتخابي الذي صاروا ينسبونه للنهضة أيضا، وينكرون أنّهم من ساهموا في وضعه من طرف الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة، لتحجيم تمثيلية النهضة ومنعها من أغلبية برلمانية، وفسح المجال للأحزاب الصغيرة وفق نظام أكبر البقايا.

من المستهدف؟ الحكومة أم ديمقراطية الحكم؟

إنّ الأخطر في الدعوة التي نحن بصددها هو الاستخفاف بمقتضيات الديمقراطية التي نرسي دعائمها بصعوبة، وتداعيات ذلك على المستقبل. ففي كل مرّة نجري انتخابات نقرّ بنتائجها قولا، ثمّ نسارع بالانقلاب عليها عمليّا بمنع من تمّ انتخابهم من الحكم تحت مسوّغات لا أساس ديمقراطيّ لها، وإفساح المجال لحكم من لم تفرزهم صناديق الاقتراع ولا تعويل لهم على ذلك، ومن فشلوا في بناء أحزاب قادرة على التنافس، بدعوى وقف الفشل أو الإنقاذ أو ضمان الحياد أو غيرها. وليس خطاب تبخيس الأحزاب السياسية والتيئيس منها، ورفض المحاصصة الحزبية سوى وجه آخر لتحقيق نفس الأهداف، مع أنّه لا بديل عن تعاطي السياسة ضمن أحزاب بالأساس، وتوزيع الحقائب الوزارية حسب نتائج الانتخابات والائتلاف الحكومي، كما هو معمول به في مختلف الديمقراطيات. ومن جهة أخرى كشفت التجربة القريبة بتونس أنّ من جاؤوا إلى الحكم “مستقلين” في حكومة الباجي 2011 أو المهدي جمعة 2014، سرعان ما انضمّوا إلى أحزاب أو كوّنوا أحزابا جديدة للعمل على العودة إلى الحكم، وأنّهم لم يكونوا مستقلين عن مصالحهم الشخصية وعن دوائر أجنبية، كما تفيد بعض القضايا التي بدأت تثار في حقّ بعضهم. ومن جهة النتائج جاءت المؤشرات سلبية وكشف “الكفاءات المستقلة” عن قصور سياسي وفي إطار الاختصاص أيضا. وبلغة الأرقام كان معدّل النمو ومؤشرات الاقتصاد في حكومة “المستقلين” أضعف ممّا سبقها في حكومتي “الترويكا الحزبية” مع الجبالي والعريض وفي ما تلاها في حكومة “التوافق” الحالية مع الشاهد.
وهكذا نتبيّن دون عناء، أنّ المستهدف بالتغيير الحكومي ليس فلان أو علاّن، بل المستهدف الأساسي، هي الديمقراطية نفسها. وفي وضعية الحال يتمّ استعجال تغيير حكومة الشاهد، الذي لا خلاف على تغييرها، بل في موعد ذلك. إذ تبدي بعض الأطراف حماسا لافتا، في استباق واضح لنتائج انتخابات بلدية تنطلق حملتها الانتخابية بعد أقلّ من شهر، وقد فشلت محاولات عديدة سابقة في تأجيلها أكثر أو إرباك الوضع والحيلولة دون تنظيمها في موعدها المقرر ليوم 6 ماي 2018، ممّا ضاعف من الشكوك حول حقيقة هذا الاستعجال الذي جاء مفاجئا وصار ضاغطا على الأجندة الوطنية التي لا تتحمّل استحقاقين بهذا الحجم، وبدا على أنّه تهديد للاستقرار وقضم جديد للديمقراطية الناشئة أكثر مما هو إنقاذ للبلاد والعباد.
محمد القوماني
* منشور بجريدة الرأي العام، العدد 49، تونس في 22 مارس 2018

https://scontent.ftun3-1.fna.fbcdn.net/v/t1.0-9/29511274_1865860740104368_3881027114749030799_n.jpg?oh=e3639d536ed95b8654bd7b617756a561&oe=5B384ACC

تعليق واحد


  • جلال

    صباح النور اخي محمد
    وان كان في كلامك منطق إلا أني لا أراك عرجت على ما يسمى بوثيقة قرطاج التي أصبحت كذلك موضة وبدعة تونسية
    تعين الحكومات بعد نتيجة انتخابات وتتولى إدارة البلاد دون افتكاك سلطة مجلس الشعب كما هو الحال
    وعليه وأنك تأكد ضبابية المشهد مع المعوقات الاقتصادية والاجتماعية دون رؤية واضحة للحكومة وتملص الحزبية من مسؤوليتهم في هذا الغموض
    فإنه يفتح باب المطالبات بالاستقلالية والكفاءات و…..
    تماشيا مع الموضة السياسية



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>