تقديم الأستاذ الدكتور احميده النيفر لكتاب “تنوير وتحرير” رَواءً للزيتونة الشاهدة

  نقف في هذا الكتاب على نواة مشروع علميٍّ جادٍّ يستجلي بدقّة، في المستويين الفكري والتطبيقي، إمكانيات تجديد قراءة النصّ القرآني اليوم في سياق علمي حضاري مأزوم إنسانيا ومتوثّب عربيا وإسلاميا نحو آفاق جديدة. 

أوّل ما يعلن عنه الكتاب من الدلالات التجديدية يبرز في عنوان سافِرٍ: “تنوير وتحرير: ادّكار آخر في القرآن الكريم”، هو إشارة واضحة إلى انتماء “عاشوريٌّ” يحيل به الأستاذ “محمد القوماني” على أهمّ إنتاج علمي في التفسير القرآني مغاربيا في الفترة الحديثة والمعاصرة. 

            في الإحالة على ” تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد في تفسير الكتاب المجيد” إعلانٌ، لا تخطئه العين، عن هويةٍ معرفيةٍ تليدة يعتز بها المؤلف لأنها تشدّ أزرَ الباحث بما تتيحه من عرى وثيقة موصولة بـمقولة ” فيض القرآن”.

                لكنّ هذا الانتماء العاشوري لم يكن صِرفًا. لقد صاغ “محمد القوماني” عنوان كتابه بترتيب خاص ودلالة تفسيرية له مع ما حدّده في الإشكالية المحورية للعمل وما أورده في مختلف فصوله وفي خواتيمها، حدّد علاماتِ وعيٍ باختلاف المنهج التنويري “التفسيري” الذي سيركن إليه في “الادّكارٌ الآخر”.  

                      معنى ذلك أن الهوية المعرفية الشاهدة على الانتماء “العاشوري” تجاوزت الولاء المعرفي المستفيد ممّا في تفسير الإمام ابن عاشور من معانٍ وإشارات عَمِلَ ” التنوير والتحرير” على إبرازها وتطويرها حتى استوت مُنِشِئةً علاقة جديدة بالمعنى القرآني. منطلقُ هذا التحوّل إقرارُ “التحرير والتنوير” بوجود أزمة يعاني منها علم التفسير تتعيّن في مقولة الإمام بأن الفهم الأمثل للنص المؤسس لحضارة المسلمين “لا يمكن السعي إليه باعتماد المقايسة على أفهام القدامى من السلف”. 

          عبارة الإمام ابن عاشور في ذلك، كانت جليّة: ” فجعلتُ حقّا عليّ أن أُبدي في تفسير القرآن نُكتا لم أر مَن سبقني إليها وأن أقف موقف الحَكَم بين طوائف المفسرين تارة لها وآونة عليها فإن الاقتصار على الحديث المعاد تعطيل لفيض القرآن الذي ما له من نفاد”.

              على هذا اخْتَطَّ الكتاب الجديد من عنوانه مقاربة للتواصل النقدي ترى أن “التحرير والتنوير ” ينبغي أن يُعتمد لكن برؤية وترتيب مغايرين يتصدّر فيها التنوير لكونه الأساس. هي رؤية للتراث التفسيري مُستحدَثةٌ قاعدتُها أنّ “التنوير هو منطلق تحرير الإنسان المسلم الذي يحتاج قبل أي شيء أن يحرر علاقته بالنص القرآني بـ “تنوير تفكيره فيه، وتفعيل طاقاته التأويلية”.

                   عن ذلك تبرز دلالة ” الادّكار الآخر” في المقاربة التجديدية والتي يتحدّد صميمها في أنّ النصّ القرآني مُقدّسٌ لأن مصدره إلهي يُرسي خطابا معرفيا وأخلاقيا وتشريعيا لفهم الوجود الإنساني ووظيفته في الحياة. 

                حين يستعمل كتاب “تنوير وتحرير” هذه الدلالة القدسية للقرآن الكريم، فإنه يكون قد تَقَدّم أشواطا بالخصوصية الـ “عاشوريٌّة” في رفضها الحجر على الفيض القرآني. إلاّ أنّ هذه الدلالة لم تعد كافية، منهجيا، للوقوف عند انتقاد التفاسير الكثيرة التي بقيت ” عالة على كلام سابق بحيث لا حظ لمؤلفه إلا الجمع على تفاوت بين اختصار وتطويل”. 

الحاجةُ صارت متأكدة للارتقاء بهذه المقولة بمزاوجة مغايرة تؤدي إلى تنوير يحرر المؤمن بما يُفضي إلى دلالة منهجية متميزة لادّكار قرآني يفتح لتلك السمة المميزة دروبا تأويلية عبر مناهج معاصرة وزوايا نظر متعدّدة. 

        عند تحديد دلالة ” الادّكار ” في كتاب” تنوير وتحرير” نتبيَّن أنّ مقاربتها الفكرية ِتَمَثَّلت الإقرار العاشوري بأزمة علم التفسير وسارعت بالتوسع فيها إرساءً لتجديد مفاهيمي خاص بدلالة المقدس. إنها قدسيةٌ متعينة في مصدره الإلهي الذي يجعله ذا طبيعة مختلفة نوعيا عن النص التاريخي.  قدسيته تجعله نصا مؤسسًا يُستحضرُ دوما علامةَ إجماع ومركزَ نشاط متجدّد روحيا وفكريا. بذلك يصبح المقدَّس مؤسِّسًا حَيًّا وفق ما تحققه جماعته المؤمنة من اغتناء معرفي –وجداني ووعي تاريخي. جاهزية النص المقدس ليكون مشتملا على طاقةٍ مُرَكَّزَة لتحقيق تفوُّقٍ يُغْني التجربة الإنسانية بشرط ما ينجم، لدى المجتمعات المسلمة، من اتساع للرؤية نتيجة التأوين الثقافي والارتقاء العلمي. 

          اختيار الكاتب مصطلحَ “الادّكار” تأكيدٌ آخر على أهميته القرآنية وقبولٌ بما ساد لدى عموم المفسرين له من دلالات استقر معنى ” الادّكار” معها على أنه الاعتبار والتفكر والتنبه بعد الغفلة بما يُفضي إلى تصحيح الإيمان والسلوك والدفع إلى التوبة. 

               منتهى هذه الدلالة في التراث التفسيري تجعل الادّكار تفكُّرا ينتفع به صاحبه بالموعظة ليُقلع عن المعصية. هو ربطٌ بالتفكر العقلي العميق في آيات الله وما جرى للأمم السابقة بما يقتضي من فهم عملي وتمثل نفسي يعود بالإنسان إلى نور الفطرة. 

            “الادّكار” الموسوم بأنه ” آخر” لا يُلغي الذكر العقلي والقلبي والعملي والفطري والتوحيدي بل يفتح أمامه مستوى آخر يتألف من نسق مفاهيمي وإمكانيات للانتباه وإدراك حيّ للآيات المُوحاة.

              بهذا “الادّكار الآخر” يقتحم كتاب” تنوير وتحرير” مجالا منهجيا يشْرعُ للعقل المسلم أفقا معرفيا ممتدا بما يمثّله من آليّة فكرية وخصوصيّة في الرؤية تمكّن النصّ من حيوية تشمل طبيعته وحركته ووظيفته.

            من بوابة الادّكار الآخر للقرآن الكريم، يرتكن عمل “محمد القوماني” إلى ” محمد أركون”، القامةُ العلمية المعاصرة الثانية التي يجعلها مرجعية معتمدة في الارتقاء بالقراءات المجددة. أهمية هذه الإحالة تتعين في الرؤية المنهجية التي مهر بها “أركون” مشروعه النقدي للعقل الإسلامي والذي لخَّصه في مجال التفسير بأنّ المسلمين يستهلكون القرآن في حياتهم اليوميّة ولا يدرسونه وفق المنهج العلمي الحديث.

               بهذا المسعى النقدي التأويلي تحدد “الاكتشاف” الأركوني الذي استفاد ممن بادروا قبله، من كتّاب ومفكرين عرب ومسلمين، بالاشتغال على إعادة قراءة النص القرآني باعتبار أن قدسيّته تتجلّى أكثر فأكثر بتطوّر الفكر الإنساني واتساع دائرة معارفه. 

               تمثلت ريادة “محمد أركون” التجديدية في اقتحامه المستوى المنهجي بالحفر في الخصوصية اللغوية للنص القرآني في اتصال بالمجال التأويلي القائم على الدعائم العلمية التاريخية والسيميائية. ذلك ما سيعرف عند “أركون” بـ “الإسلاميات التطبيقية” للعلوم الاجتماعية والإنسانية في المقاربة التأويلية للقرآن. به يتأكد الحرص على الوحدة الموضوعية للنص المؤَوَّل وعلى العلاقة الجدلية في عملية التأويل بين الجزء والكل بما يولي أهمية لمحتوى الرسالة التي يحملها وبمدى مواكبتها للحاضر والمستقبل.

      بهذا أتاحت جهود “أركون” التوصل إلى رؤية نقدية متلاحمة باستعمال عُدّة معرفية تحليلية حديثة توّجت مساعٍ تجديدية سابقة تضافرت للوعي بتاريخية كلّ قراءة للنصّ المقدّس ساهمت فيها أسماء عديدة بمداخل مختلفة من قبيل: محمد أحمد خلف الله، أمين الخولي، محمود محمد طه، حسن حنفي، أبو القاسم حاج حمد، نصر حامد أبو زيد، فضل الرحمن. 

           غير أن “الاكتشاف” الأركوني تعيّن في قراءته النقدية التوحيدية للنص القرآني باعتماد منهجي لمتغيّرات المعرفة والعقل والواقع. ذلك صاغه في قولتِهِ “أرخميدسية” عن الدراسات القرآنية المجددة: “استفاد الرازي من كلّ علوم عصره في تأليف تفسيره الجليل فاعتمد على علم الهيأة والطبّ والطبيعة واللغة وسائر العلوم المتاحة له في عصره ليؤلّف لنا مدوّنة لا يجرؤُ أحد على ردّها”. 

        هكذا قرأتُ “تنوير وتحرير: ادّكار آخر في القرآن الكريم”. قرأتُه، بمدخله الإشكالي الخاص بجدلية الوحي والعقل وبالفصول الأربعة التوليفية بخواتيمها وبالخاتمة التركيبية، عملا علميا يؤرقه سؤال المنهج في الدرس التفسيري المعاصر. 

        لذلك جاء اعتناء الكتاب بالدروب التأويلية المجددة من لسانيات معاصرة ومن فهم تداولي وسياقي وغيرها من مجالات المعرفة في إعادة قراءة القرآن الكريم، فتحٌ لمدًى يتخطّى الانقسام الحدّي بين الجهود التفسيرية الكلاسيكية وما يُنْجَزُ في الدراسات القرآنية الحديثة والمعاصرة. 

    هو تَخَطٍ توحيدي نقدي كفيل بتنشيط حركة العقل والروح لتدبر النص المجيد وتأويله بصورة بنائية تحريرية.

             هكذا رَأيتُ “تنوير وتحرير: ادّكار آخر في القرآن الكريم”، نواةَ مشروع علميٍّ لا يفرّط في أصالة النص ولا يستخف بعراقة تراثه التفسيري مع اعتماد يحمل مقتضيات تجديد القراءات المعاصرة للذكر الحكيم محمل الجِدّ.

               خصوصية الأثر الذي بين أيدينا في جرأته المرجعية المنفتحة على أفق منهجي ومعرفي بديل، يستعيد مركزية القرآن في الفكر الإسلامي وفي البناء الحضاري.

              هو تكثيفٌ لمعنى العراقة التعليمية للعلوم الإسلامية حين تجعل أبرز مقاصدها تحويلَ “المعرفة إلى اقتدار حضاري” وهو ما توضّح فيما اختاره المؤلف عنوانا مُفْـعَماً بالدلالات. 

       مؤدّى هذا أننا أمام لَبِنَةِ مشروعٍ يمكن اعتماده في أعرقِ صرح تعليمي تربوي عربي مغاربي، ينتفض به جيل قادم في “قيامةٍ رمزيةٍ” ترتوي بنَسَغها جذور الزيتونة الشاهدة لتنير عالم المعرفة والثقافة بالإسهام الحضاري الجديد.  

                ذلك عينُ ما دبَّجَه المفكر الكبير” فضل الرحمن (1919- 1988) في مطلع كتابه ” الإسلام وضرورة التحديث” قائلا: “إنه لا سبيل لتغيير اجتماعي في البلاد الإسلامية دون إرساء نزعة عقلية إسلامية موصولة بأسلوب تفسير القرآن، لأن تعثرات الحاضر وعدم نجاعة الأدوات الفكرية المعتمدة إنما ترجع إلى الافتقار إلى المنهج الصالح لفهم القرآن نفسه”.

احميده النيفر 

تونس في 03 أوت 2025

مشاركة
    0 Comments

    No Comment.

    %d مدونون معجبون بهذه: