في ذكرى 18 أكتوبر 2005: هل استفدنا من الدرس؟

 

جريدة الرأي العام، العدد 26، تونس في   12 أكتوبر 2017

 

شكّل إضراب الجوع الذي شنّته مجموعة من قادة الأحزاب والجمعيات والشخصيات من تيّارات مختلفة ومهن متعدّدة بتونس نهاية سنة 2005، محطّة فارقة وخطوة نوعية على طريق صراع المعارضة مع نظام الرئيس المخلوع بن علي ونضال التونسيين من أجل الديمقراطية. لقي الإضراب تعاطفا واسعا في الداخل والخارج وأربك السلطة آنذاك التي كانت تنظّم القمّة العالمية لمجتمع المعلومات، فحقّق نجاحا ملحوظا وأسّس لاحقا لما بات يُعرف بحركة 18 أكتوبر، التي تعثّرت في إنجاز مهامّها.  وحقيق بنا اليوم،في ظلّ نجاح الثورة التونسية وتعثّر تحقيق أهدافها، وبمناسبة الذكرى الثانية عشر لذلك الإضراب التاريخي، أن نتساءل عن مدى استفادة النخب السياسية عموما من درس 18 أكتوبر؟ ومسؤولية تكرار أخطاء الماضي في استمرار التعثّر في الحاضر؟

        سرديّة الإضراب التاريخي

خلافا للتوقّعات المتفائلة بإمكانية حصول انفتاح سياسي وتحسين لأوضاع الحريات، مع اقتراب موعد انعقاد الجزء الثاني من القمة العالمية لمجتمع المعلومات الذي احتضنته تونس أيام17.16و18نوفمبر2005، حصل العكس. فتمّ منع انعقاد المؤتمر التأسيسي لنقابة الصحافيين، ومنع عقد المؤِتمر السادس للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وأخرجت جمعية القضاة من مقرها الرسمي بقصر العدالة تمهيدا لحلها. ولم يتم إطلاق سراح المساجين السياسيين بعد 15سنة من الحكم عليهم. وسبق ذلك الاعتقال التعسفي للمحامي محمد عبو في غرة مارس2005 وإدانته دون توفير شروط محكمة عادلة، إضافة إلى إسقاط السلطة جميع قائمات التحالف الديمقراطي المعارض في الانتخابات البلدية لماي 2005. وهكذا  تجمّعت المؤشّرات على أن السلطة ماضية في نهجها الانغلاقي وان جميع أبواب المشاركة السياسية مقفلة أمام الجميع، مما عمق الاحتقان والشعور بالإحباط وعجل بالتقاء المتضرّرين على اختلافاتهم، وسط تأثّر ايجابي غير خاف بحركة كفاية بمصر، وتفاؤل بتصاعد الدعوات للإصلاح والديمقراطية في العالم، واستفادة من الثورة الاتصالية. فكان الدخول في إضراب جوع مفتوح بداية من يوم 18 أكتوبر 2005 “وذلك من أجل حرية العمل الحزبي والجمعياتي، وحرية الإعلام والصحافة، وإنهاء معاناة المساجين السياسيين”،  تعبيرًا عن اليأس  وناقوس خطر ورسالة بليغة في التحذير ممّا تخبّئه المرحلة القادمة.

كان موعد القمة  وما  يتيحه من مناسبة نادرة  من التغطية الإعلامية هدفا مباشرا للمضربين، الذين عقدوا ندوة صحفية يوم 18 نوفمبر كانت محطّ أنظار وسائل الإعلام الأجنبية الـتي أنهت تغطية أشغال قمة المعلومات، وأعلنوا إيقاف الإضراب استجابة لدعوات صادرة عن لجنة المساندة وعن شخصيات سياسية وحقوقية وطنية ودولية وفي مقدمتها المحامية الإيرانية شيرين عبادي الحائزة على جائزة نوبل للسلام والسيد سيديكي كابا رئيس الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان الأسبق، اللذان  أديا زيارة إلى المضربين. وحدّد بيان إنهاء الإضراب مهمّتين أساسيتين  للمستقبل هما: ” الحفاظ على وحدة العمل لتحقيق المطالب الثلاثة التي تجمّع حولها المضربون وكافة القوى التي عبرت عن مساندتها لهم” و”فتح حوار وطني حول القضايا الأساسية التي تقتضيها بلورة مشروع بديل ديمقراطي يكفل لجميع التونسيين التعايش فيما  بينهم آمنين على حقوقهم و حريّاتهم الأساسية”. وفي  يوم 4 ديسمبر 2005 تمّ الإعلان عن حلّ اللجنة الوطنية لمساندة الإضراب التي تشكلت للغرض وتأسيس هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات.

        بين حركة 18 أكتوبر وتحقيق أهداف الثورة: بحثا عن أسباب التعثّر

كنت بكلّ تواضع من الفاعلين في صناعة إضراب 18 أكتوبر والمساهمين في إنجاحه، وقد أنجزت لاحقا دراسة تقييمية بعنوان “ 18 أكتوبر: نجح الإضراب وتعثّرت الحركة” شاركت بها، مع آخرين من صنّاع الحدث، في  ورشة عمل حول “تقييم حركات التغيير الديمقراطي في العالم العربي” نظّمها “مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان” يومي19و20مايو2007. وقد توقّفت في ذلك التقييم عند أخطاء أساسية وقعت فيها السلطة آنذاك  أو حركة 18 أكتوبر، ما زلت أرى أنّها مستمرّة إلى اليوم وتساهم في توتير المشهد السياسي وتعثّر الانتقال الديمقراطي وعدم تحقيق أهداف الثورة، وأوجزها في العناوين التالية:

ـ لا مستقبل للاستئصال و واستعداء المعارضة يجمّعها ويربك الوضع.

لم تنجح السياسة الأمنية القمعية لنظام بن علي في  استئصال الظاهرة الإسلامية، وكانت أعجز على استئصال المعارضة برمّتها، وكان رفض الإصلاح أو العجز عنه من أهمّ أسباب  توسّع رقعة المحتجين، وأدّى انغلاق الحكم إلى إضعاف السلطة لا إلى تقويتها، وكان تهميش المعارضة واستعداؤها من أهم أسباب تجميعها في النهاية،  وكانت كلفة القمع باهظة فزادت في عزلة النظام، وصارت سياساته عبئا عليه  في الداخل و الخارج، فكانت الثورة وهرب المستبد. ونحسب أنّ من يفكّرون اليوم في مثل هكذا سياسة بعد كلّ الذي حصل، وإن أغرتهم أمثلة مؤقتة في بلدان أخرى مختلفة عنا جوهريا، أو حنّوا إلى استعادة ماض يجتهدون في تبييضه،  لم يستخلصوا الدرس، ويستخفّون بحجم الحرية والجرأة الذي منحته الثورة للشعب، والذي يبدو اليوم مستعصيا عن الحكم في ظلّ ديمقراطية هشّة. كما أنّ الاستخفاف بدور المعارضة مجدّدا، مهما ضعفت تمثيليتها الانتخابية، أو استعداؤها وعدم النجاح في إدماجها، يظلاّن من أهم عناصر إرباك الوضع وتهديد الانتقال الهشّ.

ـ حين يفشل المنع والقمع يتم الاستنجاد بالاستقطاب الأيديولوجي

لم يكتف نظام بن علي باستهداف هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات منذ إعلان تأسيسها، بالمحاصرة والقمع وتعرّض أعضائها إلى الملاحقة وحملات التشويه عبر عدد من الصحف المأجورة، بل استطاع استعادة المبادرة مجدّدا والخروج من حالة الارتباك ونجح في تحويل الاهتمام  من مسألة الحريات والإصلاح السياسي التي فرضها إضراب 18 أكتوبر، إلى موضوع الاستقطاب الأيديولوجي الذي يحبذه و يروّج له و يعمل عليه محليا و خارجيا منذ مطلع التسعينات. فعاد الحديث داخل النخبة إلى التخيير بين نظام سياسي “حداثي” و”مجتمع مدني” بلا إسلاميين، تمثله السلطة و من يقف معها، مقابل مشروع سياسي” رجعي ومتطرف و مغذي للإرهاب” يمثله الإسلاميون ومن يتحالف معهم . وفي هذا السياق جاء انخراط بعض الأطراف السياسية في ذلك على غرار” الشيوعيون الديمقراطيون ” أو ” الحزب الاشتراكي اليساري” لا حقا  و”حزب العمل الوطني الديمقراطي ” اللذان ركزا على نقد التحالف مع حركة النهضة وأدانا أيّ عمل مشترك معها وذهبا إلى حدّ اتّهام  حركة 18 أكتوبر بمحاولة فرض اختيارات من الخارج .

ويتكٍرّر السيناريو اليوم باشتغال البعض مجدّدا على الاستقطاب، وبدعم خارجي، واستهداف التوافق القائم بين النداء والنهضة، ولا تتوقف خطابات الاستئصال وإن خفّت، دون استفادة  من فشل هذه السياسة في السابق، ودون حسن تقدير لخطرها على بناء تونس المستقبل التي بشرت بها الثورة.

ـ خطاب معارض سوداوي يقوم على التنافي

كان خطاب هيئة 18 أكتوبر كما يتجلى من بياناتها، مثالا للسوداوية في  في إنكار مكاسب تحقّقت خلال خمسين سنة من الاستقلال، والاكتفاء بتضخيم الإخفاقات، بما يرسم صورة قاتمة عن الوضع. وكان لسان حال المعارضة الراديكالية عموما يؤكد على أنّه لا فرصة في التغيير نحو الأفضل إلاّ عبر نقض الماضي برمّته وكنسه وإقامة بديل شامل عنه.

ويتكرّر الخطاب اليوم بالترويج لفشل الحكومات المتعاقبة  والاستثمار في اليأس والإحباط،  والحنين إلى حلول راديكالية في السياسة والاقتصاد لا تكاد تتجاوز الخطابات المكتوبة أو الشفوية والتي لا إمكانية واقعية لتحققها.

ـ الانزياح عن البرنامج السياسي إلى الخيار المجتمعي

        ورد في أرضية منتدى 18 أكتوبر”أنّ مكوّنات المعارضة تدرك أيضا أن هذا الحدّ من الحريات الأساسية لا يمثّل على أهميته ، سوى مدخل لما تقتضيه المرحلة التاريخية الراهنة من تغيير يقطع مع الاستبداد ويؤسس لحياة سياسية حرة. ولا يمكن لقوى المعارضة أن تحقق هذا التغير مجتمعة إلا إذا اتفقت على أسس النظام الديمقراطي البديل”. وهكذا وضعت هيئة 18 أكتوبر نفسها ضمن مسار صعب في محاولة لطمأنة أطراف خارجة عنها ترفض العمل مع الإسلاميّين،  أكثر من ضمان الثقة بين مكوناتها. فكان الإصرار على إثارة  مسائل خلافية كقضايا للحوار ذات صلة غير خافية بموروثنا الديني والثقافي، وتتصل بالرؤية الاجتماعية أكثر من البرنامج السياسي. فكان”الحوار”  يؤشّر إلى “انتقال الإسلاميين من الملاحقة الأمنية إلى الملاحقة الفكرية” كما علّق أحد المتابعين، أو يستبطن نزوع الإسلاميين إلى المناورة الفكرية التي لا تعكس حقيقة قناعاتهم.

ومن الغريب أن تستمرّ تلك الملاحقة الفكرية بعد الثورة لتتحوّل إلى مصدر للابتزاز السياسي والتشويه  وطمس الاختلاف وتفويت فرص ثراء التنوع ومحاولة خطف المجتمع باسم المحافظة على “النمط” واحتكار الحداثة والتقدم.

ـ أهداف مختلفة غير معلنة  واستراتيجيات متباينة.

        كانت الخلافات غير خافية داخل هيئة 18 أكتوبر حول طبيعة المهمة السياسية التي تطرحها المرحلة، بين من يستهدفون تحقيق انفراج سياسي وربما مصالحة مع الحكم من خلال تكثيف الضغط على السلطة في موضوع الحريات، وبين من يسعون إلى تأهيل حركة 18 أكتوبر إلى خوض معركة تغيير الحكم وتقديم البديل عن النظام القائم، من خلال توتير العلاقة بالسلطة والعمل في أفق القطيعة معها.

ويستمرّ الخلاف اليوم بين ينزعون بالثورة إلى نهج التغيير الراديكالي والقطع مع الماضي بخياراته وسياساته وأشخاصه أيضا، وبين من يعملون على إنجاح الانتقال الديمقراطي بما يستوجبه من مصالحة وطنية شاملة وتعايش بين القديم والجديد وتعاون على عدم تكرار أخطاء الماضي وبناء تونس الجديدة. وهو ما يختزله الصراع غير الخافي بين نهج التوافق والإدماج ونهج الاستئصال والإقصاء.

ـ ضعف في الخيال السياسي وانفصال عن الشباب وقضايا الناس ومعاناتهم.

كانت حركة 18 أكتوبر منقطعة تماما عن الشباب رغم تبنيها الظاهر لقضاياهم،  فلا أثر لها في أوساط الطلاب بالمؤسسات الجامعية ولا في تحركات المعطّلين عن العمل من أصحاب الشهادات العليا ولا في التعبيرات الثقافية التي التي ينتجها الشباب كالأغاني النقدية. ولم  تكن للهيئة أدبيات تعمق البحث في مشكلات الشباب ولا حلول مقترحة تفتح الجسور معهم.  .كما لم يكن للشباب أيّ تمثيل في هيئة 18 أكتوبر. ومن جهة أخرى، فإنّ أولوية الحريات والصراع اليومي مع السلطة على هذا الصعيد، لم تتح لحركة 18 أكتوبر النفاذ إلى القضايا الاجتماعية والمعاناة اليومية لعموم المواطنين و للأوساط الشعبية منهم خاصة. ولم تفلح  الحركة والمعارضة عموما في إقناع المواطنين و تعبئتهم فعليا على أولوية مطلب الديمقراطية.

ويستمرّ نفس الوضع اليوم، من خلال عزوف الشباب عن الأحزاب والمشاركة السياسية، رغم الإعلانات البرّاقة في الخطابات وبعض القوانين عن تمكين الشباب ودعم مشاركته في مواقع القرار. كما يستمر التباعد بين النخب السياسية وعموم الشعب وتحقيق بعض النجاحات النسبية على صعيد الانتقال السياسي مقبل الإخفاق في الانتقال الاقتصادي والاجتماعي.

عسى أن تكون ذكرى 18 أكتوبر فرصة لتقويم أخطائنا وتحسين أدائنا على طريق النجاح في بلوغ أهدافنا.

 

محمد القوماني

L’image contient peut-être : 3 personnes


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>