تنوير وتحرير: ادّكار آخر في القرآن الكريم
تقديم كتاب تنوير وتحرير
“تنوير وتحرير: ادّكار آخر في القرآن الكريم”، كتاب من الحجم المتوسط، قياس (23/15)، عدد صفحاته 245، لمؤلفه محمد القوماني. احتوى على خمسة فصول مع تقديم للدكتور احميده النيفر. صدر في نوفمبر 2025، عن مجمّع الأطرش لنشر الكتاب المختص وتوزيعه.
مقدمة المؤلف
يسُرّنا أن نقدّم لقرّائنا الكرام هذا الكتاب الذي اخترنا له عنوان: “تنوير وتحرير: ادّكار آخر في القرآن الكريم”. فقد تكرّرت الدعوة إلى ادّكار القرآن، مقترنة بالحثّ على فهمه والاعتبار به والعمل بتعاليمه، أربع مرات في السورة نفسها {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} (القمر/الآيات 17، 22، 32، 40)، فضلا عن آيات أخرى عديدة تدعو إلى تدبّر القرآن وتعقّله والاعتبار بقصصه، تأكيدًا لأهمية هذا الواجب.
ومن أكبر المفارقات التي أصابت عقل المسلم إلغاء واجب التدبّر، وجعل مجرّد التلاوة والتكرار بديلا منه، حتى أصبحت قراءة القرآن تعني تلاوته بدل تدبّره، وبتعبير محمد الغزالي: “أصبح المسلم اليوم يقرأ القرآن لمجرد البركة، كما يقولون، وكأن ترديد الألفاظ دون حسّ بمعانيها، ووعي لمغازيها، يفيد أو هو المقصود”. وغلب التقليد في تفاسير القرآن، فصارت معظم المدوّنة التفسيرية التراثية تَكرارًا لمؤلفات كبرى كتبت في مراحل سابقة. حتى قال محمد الطاهر ابن عاشور: “والتفاسير وإن كانت كثيرة فإنّك لا تجد الكثير منها إلا عالة على كلام سابق بحيث لا حظّ لمؤلّفه إلا الجمع على تفاوت بين اختصار وتطويل.”
ومن ثمّ، فقد رمنا أن يكون عنوان الكتاب “تنوير وتحرير: ادّكار آخر في القرآن الكريم”، إحالة غير مباشرة على المجهود المتميّز لابن عاشور في تفسيره “التحرير والتنوير”، إشادة به واعترافا بفضله، مع تحوير في ترتيب المفردات ودلالاتها. فالتنوير في مقاربتنا طريق إلى التحرير. إذ تحرير الإنسان المسلم يبدأ من تحرير علاقته بالنصّ المؤسس، بتنوير تفكيره فيه، وتفعيل طاقاته التأويلية. وتحرير الذوات شرط لتحرير الشعوب والأوطان. وحرصنا عبر فصول هذا الكتاب على بيان الحاجة إلى مقاربات تجديدية للقرآن وادّكار آخر في آياته، وعرضنا من ذلك بعض النماذج.
وقد أردنا بالمقاربة زاوية النظر أو الخلفية الفكرية التي ينطلق منها الباحث في تناول المباحث التي يعرض لها. وإنّ ما يميّز المقاربات الواردة في هذه الكتاب هو طابعها التجديدي، فهي تصدر من خلفية فكرية لا ترى في التاريخ مجرّد تتابع زمني للأحداث، وإنّما تعتبره مسارًا لتحوّلات نوعية تشمل العقل والمعرفة والوعي والمناهج والنظر إلى الكون والوجود، علاوة على التحولات الأخرى المادية والمعنوية.
وفي سياق مباحث هذا الكتاب المتّصلة بالنص القرآني، تستحضر هذه المقاربات رؤية المفكر التنويري الألماني “لسنج” (Gotthold Ephraim (Lessing ، الذي شبّه تطوّر علاقة الوحي بالعقل البشري عبر التاريخ، بتطوّر علاقة المربّي بالفرد الواحد من الطفولة إلى الرشد، وهي رؤية عبّر عنها في كتابه “تربية الجنس البشري”. وتستحضر تعريف الفيلسوف إيمانويل كانط (Immanuel Kant) لمفهوم التنوير في نصّه الشهير “ما هو عصر التنوير”؟
وتعود هذه المقاربات إلى التفاسير التراثية، فتستفيد منها وتنقدها في آن، مؤكّدة الحاجة إلى فهم جديد للقرآن يلبّي متطلّبات عصرنا. فهي “ادّكار آخر”، بمعنى إعادة نظر وتدبّر مختلف في القرآن، عبر توظيف مناهج معرفية معاصرة لاستكشاف دلالاته ومقاصده وحِكمه.
يمثّل هذا الكتاب ثمرة بحوث بدأناها ضمن دروس مرحلة الماجستير بالمعهد العالي للحضارة الإسلامية بجامعة الزيتونة، وطوّرناها لاحقا إلى مقالات مختلفة العناوين، موحّدة الاهتمام والمقاربة.
فقد عرف الدرس الحضاري بجامعة الزيتونة، لا سيما بقسم الحضارة من المعهد العالي للحضارة الإسلامية، تطوّرا نوعيا خلال الفترة الأخيرة. ذلك أنّ مفهوم الحضارة، بما يتضمّنه من شمول وسيولة، يفتح المجال أمام الباحث في هذا القسم لمقاربة قضايا دينية وتاريخية ولسانية واجتماعية واقتصادية وسياسية من زاوية حضارية تعتمد نظرة تركيبية تتجاوز الحدود التقليدية للعلوم الشرعية. فتتناول قضاياها من خارجها وتقدّم الإضافة، ضمن مقاربة تكاملية للمعارف، تحفظ للبعد الديني مكانته دون أن تنغلق عليه، وتُسائل الواقع برؤية مقاصدية قيميّة وبمناهج عصرية.
وبما أنّ من معاني الحضارة الحضور والشهود والمدنية، فإنّ المقاربة الحضارية تشترط ارتباطًا وثيقًا بحاضر الناس وقضاياهم، وتهدف إلى ترقية عيشهم، ونبذ التعصّب والعنف والانقسام. وفي هذا الإطار، يتعيّن على الباحث في الحضارة الانفتاح على مستجدات الفكر العالمي وفتوحاته العلمية في جميع المجالات، والتمكّن من أدوات البحث المعاصر. ولا نرى في ذلك أيّ تعارض مع الانطلاق من خلفية إيمانية والتزام مؤسساتي (كما هو الحال في جامعة الزيتونة)، وإنّما ذلك يزيد المقاربة الحضارية انسجامًا مع ذاتها وواقعها.
فلا يضير الباحث الزيتوني في الحضارة، أن يستخدم أيّ منهج من المناهج الحديثة والمعاصرة التي ينقد بعضها البعض الآخر ويطوّره، وأن يعتمد الشكّ المنهجي في مختلف المواضيع. ولا يضيره أيضا بل يتوجّب عليه أن ينطلق من الإيمان المنهجي بالرسالة الخاتمة وتعاليمها الحنيفة السمحة، ويكون منسجما مع المؤسسة الجامعية المختصة في العلوم الإسلامية التي ينتمي إليها. فالمقاربة الحضارية كما نراها وثيقة الصلة بالخلفية الفكرية التي تحدّد المنطلقات والأهداف. وهذا ما نفهم من خلاله بعض الفروق بين الباحث الزيتوني وباحثين آخرين في تناول القضايا الإسلامية خاصّة.
وقد عبّر رئيس جامعة الزيتونة عن هذا التوجّه بقوله: “إنّ الدرس الحضاري هو استراتيجية معرفية وبيداغوجية لتربية الطالب على اكتساب النظرة النقدية المخالفة للفكر الاجتراريّ، ولتدريبه على استشراف المستقبل، وتخطّي مآزق الواقع، وتزويده بالمناهج والأفكار والمعارف التي تتيح له إدراك عصره من مختلف زواياه، وتجنيبه مزالق الخلط في الحكم على الأحداث والمواقف والأشخاص أو التسرّع فيها.”. فالحضارة ليست مجرد ماضٍ ندرسه، وإنّما هي أفق نتوجّه إليه. والمقاربة الحضارية، في جوهرها، شهادة على الواقع، واستشراف للمستقبل، انطلاقًا من وعي نقدي بالتراث، وانفتاح خلاّق على الآخر، والتزام إنساني عميق بقضايا العصر.
من هذه الخلفية نتصدّى في هذا الكتاب لإشكالية محورية يمكن تلخيصها في السؤال المركّب التالي: هل استوفت التفاسير التراثية دلالات القرآن؟ وما أوجه قصورها في تلبية حاجات الفهم المعاصر؟ وما مقتضيات تجديد قراءاتنا المعاصرة للذكر الحكيم وما السبل الكفيلة بذلك؟
كان عنوان “القرآن هاديا للعقل لا وصيّا عليه” فصلًا ثانيًا في كتابنا الأوّل “ما بعد العلمنة والأسلمة”. وفي التوجّه المعرفي نفسه، ورغبة في تعميقه أكاديميًا، خصّصنا لهذا الفصل التمهيدي من الكتاب الحالي عنوانًا قريبا منه هو “جدلية الوحي والعقل: الوحي يرشد العقل والعقل ينير الوحي”. وفيه استعرضنا أهم ما ورد في المقال السابق، مع إضافات اقتضاها السياق الجديد، تمهيدًا للفصول الأربعة الأساسية التالية.
سعى هذا الفصل التمهيدي إلى الإجابة عن الأسئلة الآتية: لماذا تُعدّ علاقة النقل بالعقل من أهم القضايا في الفكر الإسلامي؟ وما أبرز مقاربات الفرق الإسلامية لهذه العلاقة؟ وما أهم الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها؟ وما هي الرؤية التي نعتمدها في فهم علاقة الوحي بالعقل تاريخيًا؟ وما منزلة القرآن بوصفه خاتم الوحي؟ وهل يجوز الوقوف به عند فهم بعينه؟ وما أبرز خصائص لحظتنا المعرفية الراهنة؟ وكيف يمكن فهم طبيعة النص القرآني وتحديد وظائفه وأولويات قراءته المعاصرة؟
ولمّا كنّا نعتبر الحوار غير المباشر بين العَلَمين أبي حامد الغزالي وأبي الوليد ابن رشد لحظةً مفصلية في تاريخ الفكر الإسلامي، فقد اهتممنا بإبراز أوجه الاختلاف وأوجه التقاطع بينهما في موقفهما من الفلسفة اليونانية والمنطق الأرسطي، لما لهذا الحوار من راهنية متجدّدة في تلقّي الفكر الإسلامي الحديث للحداثة الغربية.
إنّ لمواقف المفكّرين المسلمين من المنطق قديمًا – بين الرفض المطلق، والقبول التام، والتوفيق عبر التعديل أو التبيئة –نظائر في مقاربات المفكرين المعاصرين للحداثة الغربية، لاسيما في توظيف المناهج الحديثة في فهم القرآن. فالمنطق، كما نفهمُه، أقرب إلى ما يُعبّر عنه اليوم بالمنهج.
وفي هذا السياق، خصّصنا الفصل الأول بعنوان “راهنيّة المواقف من المنطق الأرسطي عند مفكّري الإسلام: الغزالي وابن رشد أنموذجًا“، للوقوف عند تجربة الغزالي الذي تدرّج في مؤلّفاته من شرح المنطق الأرسطي إلى إعادة صياغته بمفاهيم قرآنية، أو ابتكاره، مثل: مدارك العقول، معيار العلوم، محك النظر، القسطاس المستقيم، وغيرها. وبهذا، قام بعملية تبيئة للمنطق داخل الثقافة الإسلامية. وشكّك في معارف من لا يُتقنون المنطق.
وتناولنا تجربة ابن رشد الذي دافع عن الفلسفة والمنطق من منطلق قرآني وفقهي. فاستدل بالقرآن على وجوب النظر الفلسفي. ودافع عن القياس البرهاني، مستندًا إلى القرآن ومستأنسًا بما جرى به العمل في القياس الفقهي. كما فَصَلَ المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتّصال، معتبرًا إياهما أختيْن من الرضاعة.
أما الفصل الثاني “قراءة محمد شحرور المعاصرة للتنزيل الحكيم: ما لها وما عليها، فقد خصّصناه لشرح قراءة محمدة شحرور . لقد أحدثت رؤيته جدلًا واسعًا منذ صدور مؤلفه “الكتاب والقرآن”. وتميّزت قراءته بجهاز اصطلاحي فريد ومنهج لغوي تأويلي جديد، أدّى إلى مراجعات جوهرية. وقدّمنا عرضًا تحليليًا نقديًا لهذه القراءة من حيث المنطلقات، والمكاسب، والإشكاليات.
فبينّا نقد شحرور للتفاسير المُنجزة لاسيما في منهجها الترتيبي واعتمادها الترادف (التّطابق الدّلالي بين المفردات)، ممّا جعلها تضيّع وحدة النص وتقع في انحرافات في فهمه. وتبسّطنا في شرح جهازه الاصطلاحي غير المسبوق للذكر الحكيم، واعتماده اشتقاقات لبعض مفرداته، وترتيل آياته، بما أفضى إلى مراجعات جوهرية في الفكر الإسلامي ومقاربات مختلفة لمسائل في الفقه وأصوله وفي العقيدة وفي القصص القرآني ونحو ذلك، أثارت اهتماما وجدالا.
أما الفصل الثالث، “السياقية التداولية في تجلية دلالات القرآن الكريم: دراسة الياباني إيزوتسو أنموذجًا”، فقد تناول الثورة المنهجية التي دشّنتها اللسانيات الحديثة، بما جعل الرؤية أوضح في فهم مناهج السلف وتقديرها حق قدرها، وفي بيان الحاجة إلى تطوير المنهج والاستفادة من اللسانيات المعاصرة وغيرها من مجالات المعرفة في إعادة قراءة القرآن الكريم، وتجاوز الدلالة المعجمية نحو فهم تداولي وسياقي.
وقدّم الفصل قراءة في اجتهاد “توشيهيكو إيزوتسو” (Toshihiko Izutsu) (ت1993) حول الرؤية القرآنية للعالم، بوصفه رائدًا في تطبيق النظرية الدلالية والسياقية على النص القرآني. إذ لم تزد العقود التي مضت منذ نشر دراسة إيزوتسو، (صدرت مطلع ستينات القرن المنصرم، وتمّ تعريبها سنة 2007 تحت عنوان: “الله والإنسان في القرآن: علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم)،” إلا تأكيدًا لأهمية هذا العمل وقيمته المضافة.
فقد أحسن الباحث الاستفادة من فتوحات اللسانيات المعاصرة في بداياتها، لا سيما النظريات الدلالية والسياقية والتداولية. وقد كشف باقتدار كيف أنّ القرآن استخدم ألفاظ عرب الجاهلية، ولكنه شحنها بدلالات غير مسبوقة وتداولها في سياقات مختلفة. وأبان أنّ القرآن كوّن نصًا جديدًا تمامًا، بحيث لا يكفي الاستخدام اللغوي قبل نزوله على فهمه، ولا يعدّ الشعر الجاهلي حُجَّة في كشف ما لمفرداته من دلالات. ومن هنا أكد الحاجة إلى قراءات دلالية وسياقية وتداولية للنص القرآني. وقد عبّر احميده النيفر عن هذه النقلة اللغوية التي أحدثها نزول القرآن في البيئة العربية بقوله: ” لقد كان العربي يعتبر أنه يمتلك لغته وأنه يتصرف فيها تمام التصرف. فهي مجالُ تفَوّقِه وزَهْوِهِ وهي العالم الذي خَبِر خباياه، إلاّ أنّه مع بلاغة القرآن اكتشف مُنْبهِرًا أن تلك اللّغة نفسَها معروضةٌ أمامه خَلْقًا آخرَ في سهولة ويُسْر أخذ بِلُبِّه وكأنه ما خَبِرَها ولا أتقنها حاملةً إياه إلى عالم جديد ومُطْلِقَةً فيه طاقات كانت ساكنة مطموسة” .
أخيرًا، تناولنا في الفصل الرابع (جدل الغيب والشهادة في القصص القرآني: قصة ذي القرنين أنموذجًا)، مفهوم الغيب والشهادة كما تجلّى في قصة ذي القرنين والجدل بينهما ضمن تصور توحيدي. وسعينا إلى تجاوز القراءات التقليدية لهذه القصة التي طغت عليها “الإسرائيليات” والخرافة، نحو قراءة عقلانية معاصرة تراعي المقاصد وتوظّف المعارف الحديثة.
ولقد بينّا كيفية توظيف القصص القرآني في بناء عقلية نقدية معاصرة، تُسهم في معالجة تحديات الواقع من خلال تنمية القدرات البشرية، وحسن استثمار الموارد، وتعزيز ثقافة الشكر والتواضع.. ورغم اعتمادنا التفاسير الموروثة، فإنّنا لم نتردّد في نقد ما اعتمدته من مرويات غير موثوقة. وخلصنا إلى أنّ صلاحيّة القرآن لكلّ زمان ومكان مرهونة بتجديد قراءته وفقًا لتطوّر المعارف والمفاهيم، والدعوة المستمرة للتفكّر والتفاعل الحيّ مع نصوصه.
ونحن إذ نضع بين يدي القارئ هذا العمل، فإننا ندرك جيّدًا أن تجديد قراءة النص القرآني ليس ترفًا فكريًا، ولا مجرّد اجتهاد في دائرة مغلقة من الأسئلة القديمة، وإنما هو استجابة معرفية وروحية لأسئلة العصر، ومطلب حضاري ملحّ في زمن تتسارع فيه التحوّلات، وتتجدد فيه التحديات التي تمتحن علاقتنا بالوحي والواقع والعقل والحرية.
لقد سعينا في هذا الكتاب إلى أن نكون أوفياء لمنهج رصين، منفتح على المناهج المعاصرة، لا يقطع الصلة بالتراث، وإنما هو في حوار نقدي معه، يستبقي ما استقام من اجتهاداته، ويعيد النظر فيما تجاوزه الزمن أو خضع لظروفه وأفقه المحدود. ونحن على وعي تام بأنّ “القراءات الأخرى” التي ندعو إليها، ليست نقيضًا للقراءات السابقة، ولا بديلاً متعالياً منها، وإنما هي استئناف لمشروع تدبّر لا ينتهي، وحلقة من حلقات التفاعل الخلاق بين الإنسان والقرآن، في ضوء المتغيرات المعرفية والوجودية المتسارعة.
لا نزعم أننا قدّمنا في هذا العمل قراءة مكتملة أو نهائية للنص القرآني، ولا ندّعي امتلاك الحقيقة أو فصل الخطاب. ما حاولناه هو إثارة الأسئلة، وتأصيل المنطلقات، وتقديم نماذج من مقاربات بديلة، تؤمن بفاعلية العقل، وتحترم مقاصد النص، وتراعي سياقاته، وتُحسن الإصغاء لتحديات الإنسان المعاصر، في آماله وآلامه، في قلقه وإبداعه، في بحثه المستمر عن المعنى والهداية والكرامة.
نأمل أن يكون هذا الكتاب إضافة في مسار تجديد الفكر الإسلامي وقراءته للنصوص المؤسسة، وإسهامًا في بناء ثقافة قرآنية جديدة، قوامها التفاعل الحرّ المسؤول مع الوحي، واستحضار القيم الكبرى التي بشّر بها: الحرية، والعدل، والرحمة، والعقل، والتزكية، والعمران، بعيدا عن أيّة نزعة تكفيرية. إذ لا تكفير في تأويل. وقد نقل ابن رشد عن أبي حامد الغزالي والجويني وغيرهما “إنّه لا يُقطع بكفر مَن خرق الإجماع في التأويل”.
نضع هذا العمل بين يدي القارئ العربي ـبتواضع وانفتاح على النقد والتفاعل. ونأمل أن تثير مقارباته أسئلة مفيدة، وتفتح نقاشات مثمرة، وتلهم مشاريع فكرية جديدة أكثر جرأة وعمقًا ووفاءً لروح النص القرآني، وحكمة رسالته، وإنسانية خطابه. ونرحّب بكل تفاعل يسهم في إثراء ما طُرح من مباحث، ويغني بحوثنا المستقبلية، بإذن الله تعالى.
محمد القوماني
تونس في 06 جويلية 2025
للحصول على الكتاب
مجمّع الأطرش، 95 شارع لندرة (قبالة حديقة الباساج) تونس العاصمة.
لاقتناء الكتاب عن بعد : https://bit.ly/4a77zzs
للاطلاع على الفهرس: https://bit.ly/480NGaH
مع توفير امكانية التوصيل أينما كنتم (تكاليف الارسال في تونس: 8 دت)
مقالات ذات صلة
من الإسلام السياسي إلى الإسلام الديمقراطي:حركة النهضة التونسية تُطوّر معجمها وتُغيّر تموقعها*
2025-06-12
18 أكتوبر: نجح الإضراب وتعثرت الحركة
2020-02-18