التعلّم في الكِبَر.. مُتعةٌ ونَظَر

الحمد لله تعالى على إتمامي مرحلة دروس الماجستير والامتحانات الكتابية بمعدّل تخطّى السبع عشرة بقليل (17.07). وإنّي أهدي هذا الامتياز إلى المدرّسين والإطار الإداري بالمعهد العالي للحضارة الإسلامية، الذين لمست منهم حسن التعامل وعبارات التشجيع طيلة هذا المشوار. وأخصّ بتحيّة التقدير والامتنان الأساتذة الأفاضل الذين جلست أمامهم طالبًا، فسُررت بأدائهم وكفاءتهم ورقيّ تعاملهم. وأرسم قُبلة على جبين كل أستاذة وأستاذ رافقني في هذه المرحلة من مسيرتي الأكاديمية، جزاهم الله عني خير الجزاء. وليت الذين يتحاملون على جامعة الزيتونة يطّلعون على مضامين دروس الماجستير بقسم الحضارة، ويكتشفون القدرات المعرفية والمنهجية لأساتذة هذا القسم، ومنتوجاتهم العلمية، واجتهاداتهم في الارتقاء بالبحث العلمي والمعرفة.
وإذا كانت الحكمة القديمة تقول: “التعليم في الصِّغَر كالنقش على الحجر”، في إشارة إلى قوّة الذاكرة لدى الأطفال وأهميّة الاستثمار المعرفي في الأجيال الناشئة، فإنّي أقول، بعد تجربتي المتواضعة في دراسة الماجستير في سنٍّ متقدّمة: “التعلّم في الكِبَر.. مُتعةٌ ونَظَر“.
فقد ولّى الزمن الذي كان فيه التقاعد متزامنًا مع اقتراب “الأَجَل”، وأصبحنا اليوم والحمد لله نتمتع بفترة عمرية أطول بفضل تقدّم الطبّ وتحسّن وسائل العيش وازدياد تحضّر الإنسان، حتى غدت مرحلة ما بعد التقاعد جزءًا مهمًّا من أعمارنا، نواصل فيها الأخذ بنصيبنا من الدنيا، ونخوض خلالها تجارب جديدة، سواء كانت عملية أو فكرية أو علمية، لم تتوفر لنا ظروفها من قبل. بل إن التقاعد يتيح لنا فرصة اختيار الأدوار التي نريد، بعد نضجٍ وتبصّر، بعيدًا عن الإكراهات، لنختم بها مسيرتنا الدنيوية برضًى وسعادة.
التعلّم في الكِبَر متعةٌ ونَظَر، لأنّه يبني على الخبرات المكتسبة، ويُحدث مسافةً واعية بين الطالب والمعارف، ويستثمر الرصيد المعرفي السابق في سرعة الفهم وعمق التحليل. إنها متعة المعرفة التي تتجلّى في الإقبال المتزايد على المطالعة والبحث، وفي تنامي الرغبة في الاستزادة من العلم، }وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا { (طه/114)، دون انبهارٍ بأيّ فكرة أو كاتب، ودون استبعادٍ لأي طرح أو تهيّبٍ من أيّ وجهة نظر. إنه التعلّم الذي يرتقي بصاحبه إلى مصافّ من وصفهم القدماء بـ “أهل النظر”.
لقد لمستُ متعة التعلّم والنظر في العروض التي كُلّفت بها، حيث رجعت فيها إلى المصادر والمراجع الأصلية (اليد الأولى)، وتلقيت من الأساتذة الملاحظات القيّمة، وتحاورت مع زملائي، فكانت جزءًا أصيلًا من الدرس. وأعتزم نشر أغلب هذه البحوث، إذ تمّ إعدادها وفقًا لمواصفات المقالات الأكاديمية، تهيئةً لمرحلة الرسالة أو الأطروحة الجامعية. كما وجدت متعة التعلّم والنظر في إجابات الامتحانات، حيث كانت أبواب الحرية مشرعةً ضمن الضوابط المنهجية والعلمية.
وأختم بهمسة أخيرة أُبوح بها، وهي سعادتي بالتزامي بمقتضيات المنعرج التاريخي الشخصي الذي أعلنته في جوان 2023، وما تبعه من تغييرات في الأولويات والاهتمامات واليوميات. وأسأل الله تعالى التوفيق في بقية المشوار والعون في طريق السالكين وحسن الخاتمة.
محمد القوماني
تونس في 12 فيفري 2025
مقالات ذات صلة

كنت حاسما يا يوم بدر.. ولكن اليوم..
2025-03-17

في ذكرى ميلادي 63
2023-10-01

خُماسيّات..
2023-09-28