اغتراب العامل والفلاّح.. مسؤولية الدولة والسياسيين والإعلاميين

جريدة الرأي العام، العدد 32، تونس في 23 نوفمبر 2017

يملأ منذ مدّة الحديث عن التهاب الأسعار واكتواء المواطنين من أصحاب الدخل المحدود خاصة بنارها ، صفحات الجرائد ويتردّد الجدال حولها في مختلف وسائل الإعلام وتشغل الناس في مختلف الفضاءات. غير أنّ ما نروم التطرّق إليه هنا، ليس حديثا مألوفا في غلاء المعيشة، بل توقّف عند مسألة بالغة التأثير على حاضر الدولة ومستقبلها، لا ندّعي السبق فيها، فقد تطرّق إليها من قبل مفكّرون عظام على غرار عبد الرحمان بن خلدون وكارل ماركس، وإنّما أردنا التذكير بها وتحيينها وتنزيلها في سياق وضعنا الاجتماعي المتفاقم الأخطار. إنّها باختصار مسألة “اغتراب العامل والفلاح” التي وشحنا بها مقالنا، ونودّ تسليط الضوء عليها، ببيان مؤشراتها وتداعياتها الخطيرة على كياننا الاجتماعي/العمران، والتنبيه إلى مسؤولية الدولة والسياسيين والإعلاميين في ذلك.
الظلم الاجتماعي مؤذن بخراب العمران
يكفي أن نستحضر أسعار منتوجين فلاحيين “شعبيين” في هذا الموسم ببلادنا، وهما التمر(الدقلة) وزيت الزيتون، لتتوضّح صورة ما نروم تبليغه. فأسعار التمر تتراوح بين أربعة دنانير وأكثر من المصدر لتبلغ الضعف وأكثر بنقاط البيع. ولتر الزيت يتراوح بين 11 و14 دينارا وأكثر. ولمّا كان العامل والفلاح قوام عملية الإنتاج، بل هما المنتجان الفعليان، فإنّ الأجرة الزهيدة مقابل الإنتاج، لا تمكنّهما من شراء التمر والزيت بهذه الأسعار المشطّة، ممّا يشعرهما بالغبن والحرمان. فالمنتوج الذي تصنعه أيديهما في الحقول، يفرّ منهما في السوق ويصيرا غريبين عنه، وهذا باختصار ما عناه ماركس باغتراب العامل، وما فسّر به بعض جوانب الاستغلال في علاقة ربّ العمل بالأجراء. ويجرّني الحديث في هذه المسألة إلى العودة إلى مقدمة ابن خلدون في نصّ ظلت أستحضره منذ عقود، لعمقه وثرائه وقيمته التاريخية في سياقه. فقد ورد بالفصل الثالث والأربعين بعنوان “في أنّ الظلم مؤذن بخراب العمران” قوله: “اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من أنّ غايتها ومصيرها انتهيا من أيديهم. وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك، وعلى قدر الاعتداء و نسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب.” فاغتراب العامل والفلاح عن منتوجهما عامة كما بينا، سيقود حتما إلى الانقباض عن العمل وتراجع المردود والإنتاجية. وهذا أحد أوجه مشكلتنا الاقتصادية اليوم. لكن الأهمّ من ذلك أن يبلغ الأمر مستويات خطرة لا تهدّد الاقتصاد فحسب، بل تهدّد وجود الدولة أصلا.
إذ يذكر بن خلدون لاحقا أنّ “الرعية المُعتملين في العمارة إنّما معاشهم ومكاسبهم من اعتمالهم ذلك، فإذا كلّفوا العمل في غير شأنهم واتخذوا سخريا في معاشهم، بطل كسبهم واغتصبوا قيمة عملهم ذلك وهو متموّلهم، فدخل عليهم الضرر وذهب لهم حظ كبير من معاشهم بل هو معاشهم بالجملة، وإن تكرّر ذلك عليهم أفسد آمالهم في العمارة، وقعدوا عن السعى فيها جملة، فأدّى ذلك إلى انتقاض العمران و تخريبه.” ويذهب صاحب المقدمة في تفسير معاني الظلم إلى أنّ “كلّ من أخذ ملك أحد أو غصبه في عمله أو طالبه بغير حق أو فرض عليه حقا لم يفرضه الشرع فقد ظلمه (…) والمانعون لحقوق الناس ظلمة (…) ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادتها، لإذهابه الآمال من أهله. واعلم أن هذه هي الحكمة المقصودة للشارع في تحريم الظلم وهو ما ينشأ عنه من فساد العمران و خرابه.” فجوهر ما نودّ التنبيه إليه، أنّ الظلم الاجتماعي مهدّد لكيان الدولة، والناس إذا فقدوا مقوّمات العيش الكريم استبدّ بهم الإحباط وضعف انتماؤهم وذهبت وطنيتهم. وذلك ليس ذنبهم بل مسؤولية دولتهم أوّلا.
مسؤولية الدولة في درء العنف
يُقال دائما أنّ “الدولة تحتكر العنف” لكن قليلا ما يُذكر أنّ مسؤولية الدولة أن تمنع لجوء مواطنيها إلى العنف، على غرار ما أشارت ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أنّه “من الضروري أن يتولّى القانون حماية حقوق الإنسان لكي لا يضطرّ المرء آخر الأمر إلى التمرّد على الاستبداد والظلم”. إذ لمّا كان الاستقرار الاجتماعي شرط الاستقرار السياسي، فإنّ الحكومات، خاصة المستبدة منها، تكون حذرة في الإجراءات والسياسات الاجتماعية. وربّما لهذا السبب يثني بعض الناس على “العهد السابق” ببلادنا احتجاجا على الأوضاع الاجتماعية الصعبة. فالدولة مسؤولة على منع الاحتكار ومراقبة الأسعار وتعديل السوق ومساعدة الفئات المعوزة والتخفيف من معاناة المحرومين وتحقيق التضامن الاجتماعي من خلال سياسة ضريبية عادلة، وغيرها من السياسات. ومرّة أخرى نعود لابن خلدون الذي فصّل في شؤون العمران فذكر في معرض حديثه عن الاحتكار أنّ “أعظم من ذلك في الظلم وإفساد العمران والدولة، التسلّط على أموال الناس بشراء ما بين أيديهم بأبخس الأثمان، ثم فرض البضائع عليهم بأرفع الأثمان” وبيّن أثر ذلك في حرمان الناس وكساد الأسواق. ولذلك تتحمّل الدولة المسؤولية الأولى في التهاب الأسعار وإضعاف القدرة الشرائية، وإذا لم تتدخل بما يلزم في الوقت المناسب، قد تنفلت منها الأمور، فتؤول إلى التمرّد ومخالفة القانون وسيادة الفوضى وهزّ الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

وللسياسيين والإعلاميين نصيبهم
ما أحسن أن يكون السياسيّ لسان قومه فيحمل همومهم ويدافع عن حقوقهم، وما أجمل أن يكون الإعلاميون مرآة مجتمعهم ويسخّرون منابرهم لكشف معاناة الشعب أو تقصير الحكومة أو تقديم المقترحات لإصلاح الأوضاع، لكن شتّان بين تلك المقاصد النبيلة، وبين ركوب الخطابات “الشعبوية” للمزايدة على الحكومة أو تأجيج الغضب أو الاستثمار في المعاناة واليأس. ومن مؤشرات تلك “الشعبوية” تصوير معاناة التونسيين “بعد الثورة” بأنّها الأسوأ، خلافا للمعطيات الموضوعية، وكأنّنا شعب بلا ذاكرة. فمستوى العيش ببلادنا عموما أفضل بكثير ممّا كنّا عليه منذ عقود وحياتنا في تطور إيجابي مطّرد بفضل جهود شعبنا في جميع المجالات. ويمنعنا ضيق المجال من التوسع في الأمثلة، من موقع الشهادة الشخصية أو المقارنة، انطلاقا من البنية التحتية إلى مستويات الغذاء واللباس والسكن والترفيه وغيرها، لإثبات ما ألمحنا إليه. ومن الإجحاف في الخطاب عدم الإقرار بفضل سياسات الدعم العمومي، رغم عيوبها، أو جهود المسؤولين، في ضمان أسعار معقولة للمواد الأساسية، بما يجعل حياة عموم التونسيين “كريمة”، خاصّة إذا قارناها بأوضاع شعوب تشبهنا.
إنّ مسؤولية الدولة في ضمان عيش كريم للمواطنين وتأمين حقوقهم الدستورية، يجعلنا نتفهّم كل نقد من الموجوعين، مهما علت نبرته، لأداء الحكومة والمسؤولين في الدولة، ونقدّر أن معاناة التونسيين في الصحة والنقل على سبيل المثال، أولى بالاهتمام من الغذاء واللباس. لكنّ المسؤولية الوطنية والموضوعية يقتضيان من السياسيين والإعلاميين خاصة، تعديل خطاباتهم حتّى لا يدفعوا اغتراب العامل والفلاح إلى تداعياتها القصوى، وأن يستحضروا تبعات الخطابات “الشعبوية” في تأجيج مشاعر الغضب والأمزجة السلبية، لهزّ الاستقرار وتعريض الدولة إلى مخاطر لا تخفى عواقبها في تجارب قريبة منّا، لا نرجوها ونسأل الله أن يقينا شرّها.
محمد القوماني
https://scontent.ftun6-1.fna.fbcdn.net/v/t1.0-9/23755231_1737494589607651_9011616857643603782_n.jpg?oh=4e2a161c84dd9c0a8a22a063f687d16b&oe=5A8C5F1F

مشاركة
    0 Comments

    No Comment.

    %d مدونون معجبون بهذه: