محمد القوماني: «النهضة» التونسية لم تخلع ثوبها الإسلامي لكنها قطعت مع الحركات الإسلامية العنيفة

 

القدس العربي في 09 أوت 2017

تونس – «القدس العربي»: قال محمد القوماني عضو المكتب السياسي لحركة «النهضة» التونسية إن الحركة لم تخلع ثوبها الإسلامي ولكنها قطعت مع الحركات العنيفة المصنفة ضمن الإسلام السياسي التي تتبنى شعار «الدولة الإسلامية» ،وتسعى للتصادم مع الدولة، واعتبر من جهة أخرى أن رئيس الحركة الشيخ راشد الغنوشي – كبقية التونسيين – يحتفظ لنفسه بحق الترشح للانتخابات الرئاسية المُقبلة في 2019 أو عدمه، لكنه اعتبر أن الحديث في هذا الأمر ما زال مبكرا، مشيرا إلى أن الغنوشي عبّر عن رأي متداول داخل الحركة حين دعا رئيس الحكومة يوسف الشاهد للتركز أكثر على القضايا المهمة في البلاد والتعهد بعدم الترشح للانتخابات المُقبلة.
كما أشار إلى أن حركة النهضة غير مرتاحة لتصريحات الرئيس السابق منصف المرزوقي، التي قال إنها تربك عمل المؤسسات الحساسة في البلاد وتسيء للمرزوقي شخصيا وتتناقض مع صفته كرئيس سابق.
وكان الغنوشي أكد قبل أيام، خلال لقاء تلفزيوني، أن حركة «النهضة» قطعت علاقتها كليا بالإسلام السياسي، مشيرا إلى أنها باتت «حزب تونسي وطني يعمل في إطار الدستور التونسي ولا سلطة عليه من الخارج ومن أي بلد في العالم»، وهو ما أثار جدلا داخل الأروقة السياسية.
وقال القوماني، في حوار خاص مع «القدس العربي»: «الغنوشي أشار إلى انخراط النهضة في ما سماه الإسلام الديمقراطي كي لا يتم تصنيف الحركة ضمن الإسلام السياسي، أي أن النهضة لم تخلع ثوبها الإسلامي ولكنها قطعت مع الحركات العنيفة المحسوبة على الإسلام السياسي، وقطعت مع شعار أو هدف الدولة الإسلامية فهي لا تريد الانخراط في فكرة الدولة البديلة أو الجماعة المتصادمة مع الدولة القائمة، بل ترغب في أن تُسهم ضمن الدولة القائمة في تحسين أوضاع الناس في نظمهم السياسية والاجتماعية والتنموية».
وأوضح أكثر بقوله: «مصطلح الإسلام السياسي كان نعتا لإصرار الحركات الإسلامية على ربط الإسلام بحياة الناس وبالحكم والاقتصاد في رد فعل على نزعة علمنة كانت واضحة في البلدان العربية الإسلامية من قبل نُخب أخرى كانت تريد إسقاط التصورات المسيحية على الإسلام، وتريد إقصاءه من المجتمع ومن حياة الناس، وتجعل منه مسألة شخصية، وربما ارتبط الإٍسلام السياسي تاريخيا بشعار الدولة الإسلامية وتحكيم الشريعة وإقامة النظام الإسلامي، ولكن تدريجا انقسمت حركات الإسلام السياسي إلى آراء متعددة، وأصبح قسم منها يتبنى العنف وتورط آخرون بالإرهاب، وأصبحت هذه الحركات تعارض بعضها بعضا (بعضها في الحكم والآخر في المعارضة) ،ودخلت في عملية صدام مع بعضها لاحقا، إذا هذا المصطلح (الإسلام السياسي) لم يعد يعبّر عن هوية مشتركة وموحدة».
وتابع القوماني: «لذلك فإن حركة النهضة حرصت في المؤتمر العاشر على أن تنأى بنفسها عن الجماعات التي تنزع لارتكاب العنف باسم الإسلام، وأن تؤكد بأنها تخلت عن شعار الأسلمة وشعارات الإسلام السياسي، وأنها حزب وطني مدني أولويته هي إنجاح المسار الديمقراطي في تونس وخدمة قضايا الناس والتنافس على برامج اقتصادية واجتماعية للتقدم في البلاد، إذا حركة النهضة دخلت مرحلة جديدة من فكرها وممارستها ومعجمها؛ ولذلك قالت إنها لم تعد تقبل بأن يتم الخلط بينها وبين حركات أخرى تُحسب على الإٍسلام السياسي، فهي إذا تندرج ضمن الإسلام الديمقراطي الذي تُعبر عنه أيضا حركات أخرى قريبة من نهج الحركة على غرار «العدالة والتنمية» في المغرب وغيرها، ولكل حزب ظروفه وسياقاته ومعجمه الخاص به، كما أسلفت».
وحول دعوة الغنوشي للشاهد للتعهد بعدم الترشح للانتخابات المُقبلة في 2019، قال: «الغنوشي عبّر عن رأي متداول داخل الحركة في هذا الاتجاه، وربما حاول أن يقنع أكثر بهذا التقدير عندما استنجد بمثالين سابقين في حكومة الباجي قائد السبسي الأولى وحكومة مهدي جمعة، وللأسف الشديد بعض النخب التونسية دائما تتصيد لحركة النهضة ورئيسها وتتوقف عند الألفاظ من دون البحث في المعاني، فما قاله الغنوشي يدخل في إطار التقدير السياسي، وهو ليس اقتراحا أو تشريعا معينا وإنما دعوة ونُصح ليوسف الشاهد في هذا الاتجاه، لأن المرحلة التي تمر بها البلاد تقتضي من رئيس الحكومة وأعضائها كافة أن يركزوا اهتمامهم الأكبر على القضايا الحيوية المطروحة في البلاد وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي الذي يحتاج إلى معالجات استثنائية، وأيضا الاستعداد للانتخابات البلدية في نهاية العام وخاصة أنه لأول مرة تجرى انتخابات بهذه الضخامة من أجل حكم محلي في تونس».
وكان عصام الشابي الأمين العام للحزب «الجمهورية» دعا الغنوشي إلى التقيد بالنصيحة التي قدمها للشاهد، و إعلان عدم ترشحه رسميا للانتخابات الرئاسية عام 2019 «حتى تكون نصيحته خالصة لوجه الله، و حتى تنكبّ زعامات حكومة الوحدة الوطنية على تنفيذ أولوياتها ودفع الحكومة نحو النجاح».
وعلّق القوماني على ذلك بقوله: «تصريح عصام الشابي يدخل في باب المناكفة السياسية واللفظية لأن المقارنة بين رئيسي الحركة والحكومة لا وجه لها في هذه النقطة بالذات، فالشاهد مؤتمن على حكومة الوحدة الوطنية وعلى برنامج حددته وثيقة قرطاج، ومن هذه الناحية هو مدعو ليكون الساهر الأول على القضايا الوطنية، وألا يشغل نفسه بأمور أخرى، أما رئيس حركة النهضة أو أي حزب آخر فهو في وضع مختلف، والانتخابات الرئاسية في 2019 ما زالت بعيدة نسبيا، وحتى رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي عندما سُئل عن إمكانية ترشحه مجددا قال إن الموضوع ليس مستعجلا للحديث فيه الآن، ورئيس حركة النهضة يحتفظ لنفسه بهذا الحق ككل التونسين الذين تتوفر فيهم شروط الترشح الانتخابات، ويقدّرون الترشح من عدمه في الوقت المناسب».
وانتقد، في السياق، الجدل الذي أثارته «ربطة عنق» الغنوشي، مشيرا إلى أن الموضوع حُمّل أكثر مما يجب، لكنه استدرك بقوله: «أنا أفهم من وضع ربطة العنق أن رئيس حركة النهضة يُثبت مرة أخرى أنه شخصية غير نمطية، وأنه يرتدي الجبة التونسية كما يرتدي ربطة العنق، وقد أكد أنها ليست المرة الأولى التي يضع فيها ربطة عنق، وهو لا يرى في ذلك حرجا، وإذا قدّر مساعدوه السياسيون والإعلاميون أن هذا مفيد في التواصل فهو لا يرى مانعا بذلك، لأن المسألة ليست عقيدة ثابتة فكل شخص يختار تغيير مظهره من وقت لآخر».
وكان الرئيس السابق منصف المرزوقي أثار مؤخرا جدلا كبيرا بعد اتهامه الجيـش التونسـي برفـض حماية السفارة الأمريكية إثر تعرضها لهجوم عام 2012، مشيرا إلى أن الأمن الرئاسي ساهم بمنع حدوث إنزال لقوات المارينز الأمريكية في البلاد، وهو ما دعا عددا من النواب والسـياسـيين التونسيين لمطالبة السلطات بالتحقيق في هذا الأمر.
وقال القوماني: «لا نخفي في حركة النهضة عدم ارتياحنا لتصريحات المرزوقي لأنها تتناقض مع صفته كرئيس سابق، ومع واجب التحفظ في بعض المسائل وخاصة أن المرحلة ما زالت انتقالية وهشّة، ولأنه يسارع بالترويج لرواية معينة ما زال الشهود يخالفونه الرأي فيها، وفي مقدمتهم رئيس الحكومة ووزيرا الداخلية والدفاع السابقان ووزير الدفاع ورئيس الأركان فكل هؤلاء لا يتفقون مع ما يدعيه. والمرزوقي منذ أن غادر قصر قرطاج لا يتصرف في المنابر الإعلامية كما يتصرف بقية المسؤولين السابقين، وتصريحاته تساهم غالبا بإرباك المؤسسات الحساسة في البلاد، وفي مقدمتها المؤسسات الأمنية والعسكرية، ونحن دعوناه في أكثر من مناسبة إلى أن يلتزم بمقتضى صفته السابقة، وأن يراعي حساسية المرحلة، وأعتقد أن تصريحاته الأخيرة حول موضوع المارينز غير دقيقة، والرواية التي قدمها لا تستقيم، كما أن إثارة الموضوع بعد كل هذا الوقت تأتي في إطار مزايدات تسيء للمرزوقي شخصيا، كما أنها أثارت غضبا داخل الأوساط السياسية والشعبية».
يُذكر أن المرزوقي أكد قبل أيام أن الدولة العميقة في تونس فشلت في تكرار السيناريو المصري، مشيرا إلى أن محاولات تصفية الثورة التونسية بدأت باغتيال السياسي المعارض شكري بلعيد.

 

حسن سلمان

 

(3) تعليقات


  • محمد الطرابلسي

    هل يعتبر ذلك إعلان لنهاية الإسلام السياسي ؟
    هل هنالك ضغوطات خارجية و إكراهات دفعت النهضة لقطع علاقتها بالإسلام السياسي؟
    و لماذا هذا الربط بين الإسلام السياسي و العنف ؟ أظن أن هنالك نماذج للإسلام السياسي في العالم تدافع على مرجعيتها بطرق سلمية لا تتعارض مع القوانين و الدساتير القائمة ؟
    أ لا يعتبر ذلك تجريم ضمني لأنشطة الإخوان في مصر الذين يتعرضون إلى أبشع مضلمة عرفها التاريخ ؟


  • madiha atri

    في ضل ما نراه من ارهاب عالمي يرتكب وينسب الى الجماعات الاسلاميه والاخوان والاحزاب الاسلاميه وما اصبح يعانيه لفظ اسلام من خطر مزعوم فاتخاذ النهضه لقرار القطع مع الاسلام السياسي وتقديمها كحزب مدني ديمقراطي اهدافه النهوض بالوطن وترسيخ الدمقراطيه هو خيار موفق ونتمنى له النجاح .


  • berrich med

    الأسلام السياسي صار شماعة و مدخلا سيء لأعداء الإسلام في الداخل و الخارج للتآمر على المسلمين خصوصا العرب و حشرهم في الزاوية نتيجة أخطاء قام بها البعض من الإسلاميين في معاداتهم للدولة الوطنية و الدعوى لاستبدالها و هذا خطا جسيم و مرفوض تفطنت له النهضة و جنبت الشعب التونسي كوارث التقتيل و التخريب و التهجير … التوانسة هم مسلمون و النهضة كذلك إلا أن مثل و قيم و مبادئ الإسلام تضعف و تبلى كما يبلى الثوب و هذا ما حل بهذه القيم منذ حقبة الإحتلال و أثناء بناء مؤسسات الدولة الوطنية و كذلك نفس الوهن أصاب الروح الوطنية و الأمانة و الإخلاص و نظافة اليد و خدمة الصالح العام فكان من الوجوب ظهور حركات سياسية تعيد لهذه المنظومة الأخلاقية ذات المرجعية الإسلامية نضارتها و فاعليتها في تصريف شؤون المجتمع المسلم مثل تونس …. حركة النهضة تبوأت هذه المكانة و رفعت هذا التحدي … و نتمنى لبقية الفعاليات السياسية التونسية ان تنسج على المنوال النهضوي المسلم الحداثي الديموقراطي ….



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>