وهل يدرك الرئيس سعيد تداعيات تصريحاته؟

       أحسب أنّ عبارة “قادرون على أن نصنع في ظرف وجيز ما لم يستطيعوا ولن يستطيعوا فعله بسياستهم” التي وردت في خاتمة كلمة رئيس الجمهورية قيس سعيد  التي ارتجلها في المستشفى العسكري الميداني (هدية دولة قطر) بمناسبة زيارته لولاية قبلي يوم الإثنين 11 ماي 2020، تختزل الخلفية التي يصدر عنها الرئيس في  انتقاداته المتكرّرة لعموم الطبقة السياسية التونسية  ولمجلس نواب الشعب على وجه الخصوص، والذي وصف ما يحصل داخله  مؤخرا من نقاش في لجنة النظام الداخلي حول معالجة ما سمي بظاهرة السياحة الحزبية، بأنه “مرض سياسي ودستوري ربما أكبر من جائحة كورونا التي انتشرت في العالم”. ولم يفوّت الرئيس المناسبة للتذكير برؤيته الخاصة ودعوته الى تعديل النظام الانتخابي باتجاه التصويت على الأشخاص بدل القائمات، ضمن دوائر انتخابية محلية صغيرة تتيح إمكانية “سحب الوكالة ممن خان الأمانة وخان الوكالة” حسب تعبيره. ولا أخفي حيرتي الشخصية حين أتأمل في مثل هذه العبارات وفي خطابات رئيس الجمهورية المتكرّرة في جوهرها، ممّا جعلني أتساءل صدقا ومع حفظ المقام، هل يدرك الرئيس سعيد تداعيات تصريحاته؟

       بدا كلام الرئيس قيس سعيد في قبلي، ومن قبل في بن قردان وفي مناسبات عديدة، خارج عن “الخزمة” السياسية والوطنية بالتعبير الشعبي التونسي. وحين يصرّ الأستاذ سعيد على نفس الخطاب بعد 6 أشهر من تقلّده لمنصب رئيس الجمهورية التونسية، لم يعد مسموحا التعاطي معه على أنه مجرد ارتجال عابر، بل يصبح خيارا يستوجب التوقّف عنده وتحميل المسؤوليته.

       فقد كانت كلمة رئيس الجمهورية في قبلي في سياق صحّي، لكنه خصّص الجزء الأكبر من حديثه  لترذيل الطبقة السياسية وخاصة مهاجمة مجلس نواب الشعب، وتعرّض لفصل مقترح لتعديل النظام الداخلي، مازال في مرحلة المناقشات في اللجنة. بينما انتظر التونسيات والتونسيون الحديث عل سبيل المثال عن مدى نجاح وزارة الصحة في مجابهة  جائحة كورونا وطمأنتهم حول تعديل الإجراءات المتصلة بالحجر الصحي، وعن آفاق معالجة التداعيات الاجتماعية والاقتصادية الخطيرة للحرب على كورونا التي ستواجه الحكم والقائمين على شؤون الدولة من مختلف مواقعهم.

       ورغم تذكيره بمقولة باسكال بأنّه “لا أحد يمتلك الحقيقة”، واعتباره ذلك مرضا سياسيا، فإنّ الأستاذ سعيد لا ينفك عن محاولة إقناعنا يصيغ مباشرة أو بالاستنتاج على أنّه الوحيد الذي على حق والبقية على باطل. فهو يبعث بخطاب استعلائي طهوري  يسوّقه بصفته المخلّص والمنقذ و”النبيّ”. وهو كثيرا ما يحيل على ضمير الغائب “هم” الموسومون بالفساد والفشل والتآمر في الغرف المغلقة و استمرار القديم  وسلب أموال الشعب وغير ذلك من الرسائل، على غرار قوله في قبلي في إشارة إلى البرلمان الحالي “عادوا إلى ما كانوا يدينونه في الستينات والسبعينات من نفس المكان”.  وحين يتحدث عما يعتزم  فعله لا يتكلم باسم الدولة بل باسم جهة نجهلها إلى حدّ الآن، يعمل معها الأستاذ سعيد من أجل صناعة تاريخ جديد لتونس. وليس من المبالغة في شيء أن نقول بأنّه الرئيس الوحيد في العالم الذي يتربع على أعلى منصب في الدولة ويريد تزعّم المعارضة.

       جدّد الأستاذ قيس سعيد في قبلي الحديث عن مسألة سحب الثقة من النواب المنتخبين، في لهجة تحريضية تستنقص من شرعيتهم وترذّل دورهم،  وهو يتناسى أنّه هو أيضا منتخب ويجب أن يعلّمنا كيفية سحب الثقة منه، إلاّ أن تكون شرعيته في نظره غير قابلة للنقاش.

       ولئن يرى البعض في كلام قيس سعيد الذي لم يختلف بعد أن صار رئيسا عما كان خلال الحملة الانتخابية نوعا من الثبات على المبادئ والصدق في القول، فلا يجب أن تغيب عنهم خصوصيات كل مرحلة. فالرئيس الآن له الصلاحيات الدستورية في المبادرة التشريعية، بل له الأولوية في ذلك أمام البرلمان، وهو بعد ستة أشهر لم يتقدم بأية مبادرة في هذا الاتجاه  رغم أنّ هذا جوهر وعوده الانتخابية.

       وهو الذي  انتخب بناء على الدستور الحالي، وفي إطار النظام السياسي الذي أسّسه، لا يتأخر في كل مناسبة على نقده و حتى مهاجمته. وإن كان من حقه أن يتطلع إلى خيارات أخرى، فإنّ الطريق إلى ذلك هو البرلمان واعتماد الصيغ الدستورية، حتى لا ينخرط رئيس الجمهورية ضمنيا في الحملات المستهدفة للانتقال الديمقراطي ودعوات الفوضى والإرباك. وإن لم تغب على المتابعين مفارقة رؤية الأستاذ سعيد المستندة إلى التغيير الأفقي والقاعدي نظريا، والتماسه تغيير نظام الحكم عموديا من خلال أعلى هرم السلطة واقعيا.

       وفي نفس السياق الدستوري والصلاحيات والرؤية في التغيير يحقّ لنا أن نختم بما بدأنا به لنساءل هل يعتقد رئيس الجمهورية فعلا أنه بهدية دولة قطر المتمثلة في تركيز مستشفى عسكري بقبلي أو غيرها يكون قد “صنع في ظرف وجيز ما لم يستطيعوا ولن يستطيعوا فعله بسياستهم”؟ وبماذا يعلّق على هدايا أخرى قد تكون أكثر أهمية  لدول شقيقة وصديقة، من بينها قطر، حصلت في السنوات السابقة. وهل فعلا يعطي رئيس الجمهورية  الأولوية في إنجازاته إلى إنشاء مدن صحية بالقيروان وغيرها من جهات الجمهورية؟ وهل هذا في صميم صلاحياته وهل يمكنه فعله أصلا؟

       لسنا ممّن يعشقون المناكفات ولا ممّن ينفخون في نار الخلافات، ولكننا لا نتأخر عن الإصداع بما نراه مفيدا. ونجدّد تقديرنا بأنّ “حكمة الدولة” ، وتحمّل المسؤولية في الحكم، وحسن تقدير الأولويات، عناصر مرجّحة في تعديل خطابات الجميع وجمع كلمة الرئاسات الثلاث وتوجيه المشهد السياسي خلال المرحلة القادمة وترشيده وتوحيده. حتى يكون في خطاب الرؤساء وسلوكهم ما يساعد عموم النخب التونسية وكافة  قوى الشعب على أن يكونوا  في مستوى اللحظة التاريخية لعزل الخارجين عن “الخزمة الوطنية” مهما كانت مواقعهم، وكسب الحرب الصحية أولا والاقتصادية والاجتماعية لاحقا.

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 156، تونس  في 14 ماي 2020 (نسخة إلكتونية فقط)

    0 Comments

    No Comment.