هل صارت مشاكل ديمقراطيتنا ينوء بحملها مجتمعنا؟

       يحاول البعض التخفيف من تداعيات ما تعرفه بلادنا من أزمات سياسية متتالية، ومن تجاوزات غير مسبوقة وحالات تعطيل للمرفق العام، ومن حالة تجاذب بين مراكز الحكم في قرطاج وباردو والقصبة، ومن مناكفات حادّة بين الأحزاب، فيعلّلونها بأنّها مظاهر عادية في إدارة مشاكل الديمقراطية التي اخترناها بعد الثورة. بل يذهبون إلى أنّ تلك المشاكل مهما بدت معقّدة ومهدّدة للمسار، ومهما كانت تداعياتها، فهي أقلّ كلفة من إدارة مشاكل الاستبداد أو الحرب الأهلية لا قدّر الله. وبعد عشرية من الديمقراطية ذات منسوب الحريات العالي، ومن العجز عن تقديم حلول واقعية لمشاكلنا الاقتصادية والاجتماعية ذات الأولوية، وفي ظلّ الأزمة المركّبة السياسية والصحية والاقتصادية التي تبلغ منطقة الإنذار بالخطر، واعتمادا على مؤشّرات مؤكدة على أكثر من صعيد، يحقّ لنا أن نتساءل بانشغال شديد هل صارت مشاكل ديمقراطيتنا ينوء بحملها مجتمعنا؟ وهل تصمد الديمقراطية إذا تنازع أنصارها وفشلوا في البرهنة بالأفعال لا بالأقوال فقط على أنها تُحسّن من أوضاعهم ومعاشهم؟ وماذا ينفع التلاوم وتعدبد الأخطاء وتبادل الاتهامات في تحديد المسؤوليات إذا سقطت التجربة الديمقراطية بين أيدي أنصارها؟

       شارك عشرات الآلاف من مختلف الجهات والفئات في المسيرة الشعبية الوطنية التي نظّمتها حركة النهضة يوم 27 فيفري 2021. وتمّ تعديل المشهد في الشارع بل تصحيحه. فبانت الأحجام الحزبية والتوازنات  السياسية، بعدما أوهم البعض باختطاف الشارع والتسويق في الداخل والخارج إلى أنّ منظومة الحكم المنبثقة عن انتخابات 2019 فقدت شرعيتها ومشروعيتها. وشهد المتابعون لمسيرة “الثبات والدفاع عن المؤسسات” بأنّ حزب النهضة لا يزال قوّة شعبية أولى، وأنّ الهرسلة الإعلامية والنفخ في خلافاته الداخلية، لم تنجحا في تثبيط منخرطيه وناخبيه الذين خرجوا بأعداد فاقت التوقّعات رغم الظرف الصحي الاستثنائي، دفاعا عن أصواتهم وعن المؤسسات المنبثقة عن الانتخابات.

        رفعت حشود المتظاهرين الراية الوطنية دون سواها، وهتفوا بالأساس من أجل الوحدة الوطنية والمحكمة الدستورية واحترام أحكام الديمقراطية والتعاون بين مؤسسات الجمهورية وصرف الاهتمام للأولويات الاقتصادية والاجتماعية والبرامج التنموية. وجاء خطاب زعيم النهضة راشد الغنوشي أمام المتظاهرين معبّرا عن تطلّعاتهم ومحفّزا لهممهم ومتفائلا بمستقبل أفضل لتونس، رغم حدّة أزماتها وصعوبات ديمقراطيتها ومشاكلها التي دعاهم إلى مزيد الصبر عليها. وشدّد الغنوشي على أنّ الحوار  الذي يستبعد أيّ إقصاء، يضلّ السبيل الوحيد لحلّ مشاكلنا وأنّ سفينة الوطن تتسع للجميع وأنّ الخيار الديمقراطي للتونسيين سيثمر ازدهارا اقتصاديا ويحسّن عيش الناس لا محالة، إذ “لا توجد ديمقراطية فقيرة” على حدّ قوله.

       مارس المتظاهرون حقّهم المشروع في التعبير السياسي  وتفرّقوا بهدوء ليتركوا شارع محمد الخامس نظيفا، بعد أن ملأته الحشود لساعات، وعادوا إلى أماكنهم بمعنويات مرتفعة، وخابت آمال المراهنين على التشويش والإرباك والتخويف من المواجهات التي قد ترافق التظاهر في الشوارع. وكانت قوّات الأمن بمختلف تشكيلاتها وعلى امتداد المساحات المشمولة بالتحرّك، في مستوى الحدث وأدّت دوها مشكورة بحرفيّة في تأمين المسيرة، على غرار ما فعلته مع مسيرات سياسية عديدة شهدتها العاصمة خاصة خلال الأسابيع الأخيرة.

       لا يحجب عنا نجاح مسيرة 27 فيفري  2021 في تبليغ رسائلها والصور الجميلة التي التقطت خلالها والمعنويات العالية التي عاد بها المشاركون فيها والمرتاحون لنجاحها، التفكير فيما بعدها وحسن التعاطي مع مخرجاتها وأهدافها. فقد جاء تفاعل رئيس الجمهورية مساء المسيرة سلبيا جدا من خلال خطابه المتشنّج بالقيروان الذي أقحم موضوع المسيرة في سياق لا يقتضيه، واستعمل معجما في السبّ السياسي والاتهام المجاني والقطيعة مع المختلفين معه من أبناء شعبه الذين يُلزمه الدستور بأن يكون رئيسا لهم. فلم يكن لائقا بمقام رئيس الجمهورية ولا من المسؤولية أن يتحدّث بخطاب شعبوي عن “أموال تُهدر في العاصمة” وأنّ بعض خصومه “ليس منهم ولا هم منه” وأنّهم لا يستحقون منه “حتى مجرّد الالتفاتة”. ورغم استعماله المتكرّر لضمير المجهول فإنّ أغلب المتابعين أحالوا كلامه على المنظّمين لمسيرة 27 فيفري والمشاركين فيها.

       لقد تأكّد بما يقطع الشك باليقين، أنّ رئيس الجمهورية قيس سعيد الذي يتربّع على أعلى منصب في الدولة، صار معطّلا لمؤسساتها ومصرّا على تقسيم شعبها ومنحازا للمعارضة ضدّ حكومتها وماض في خطاب شعبوي وتحركات مخلّة بالأعراف السياسية والديبلوماسية. وأنّ الفوضى الاتصالية في قصر قرطاج لا سيما ما تعلّق مؤخّرا بنوادر “الظرف المسموم” و”الرسالة السلطانية” و”فضيحة هدية التلقيحات الإماراتية”، وتخلّف تونس عن أدوارها الاقليمية والدولية وتضييع مصالحها المترتبة عن العلاقات الديبلوماسية التي تتولاها في المقام الأول رئاسة الجمهورية، صارت جميعها عناوين مفزعة لصورة تدهور الحكم بتونس والنيل من هيبة الدولة. ولم يعد مقنعا القول بأنّ الخلاف مع رئيس الجمهورية حول الصلاحيات وتأويلات الدستور في غياب المحكمة الدستورية، من مشاكل إدارة الديمقراطية الناشئة ببلادنا.

       لا يضيق قطاع عريض من التونسيين من أداء رئيس الجمهورية الذي تتراجع شعبيته بمنسوب لافت وسريع، بل يضيقون من أداء الطبقة السياسية برمّتها، وخاصة الأحزاب في الحكم وفي المعارضة، التي ينالها الترذيل اليومي وتتراجع حظوظها في نوايا التصويت. ويضيقون أيضا من الأداء الإعلامي الذي تؤكد شهادات صادمة في منابر إعلامية وفي أوساط طبية ما يتسبّب فيه من إشاعة للتشاؤم وتعكير للمزاج ومن حالات عُصابية واضطرابات نفسية ومعاناة لشرائح واسعة من التونسيين. علاوة على الاتهامات الموجّهة للنقابات وما تسبّبه من تعطيلات للعمل والإنتاج وإضرار بالمؤسسات العمومية والخاصة، وليس تدهور سمعة الاتحاد العام التونسي للشغل في سبر الآراء وعدم الرضى عن أدائه سوى عنوانا لذلك. ويأتي تذمّر التجّار مؤخّرا وخاصة من أصحاب المحلات بشارع الحبيب برقيبة ووسط العاصمة عموما، من إجبارهم على الغلق بمناسبة المسيرات المتكرّرة أيام السبت، الذي يضيف إلى إجراءات الوضع الصحي، صعوبات على مردودهم المالي وأوضاعهم الصعبة، والذي اكتسى طابعا احتجاجيا بدوره، ليكون عنوانا آخر عن عبء مشاكل ديمقراطيتنا التي صار ينوء بحملها مجتمعنا.

       تدلّ تجارب من تقدّمنا على أنّ الديمقراطية، رغم فضائلها الذاتية، تهترئ أمام عجزها عن حلّ المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وتحسين أوضاع الناس المادية، وقد تنهار أصلا. وقياسا على من قال أنّ “الأمعاء الفارغة لا تفهم المنطق”، يمكن القول أن الديمقراطية التي لا تغيّر معاش الناس نحو الأفضل لا حاجة لهم بها. وأنّ حلولا عاجلة باتت أوكد من دعوة الناس إلى مزيد الصبر. ولا نتردّد في القول بأنّ “المكاسب “التكتيكية” لأيّ طرف، لن تغني عن مآزق “المسائل الاستراتيجية”. وأنّ الحلول لن  تأتي بالمزايدة بين الأطراف، ولا في المكابرة وصراع الصلاحيات بين مراكز السلطة، والمناكفة الحزبية الطفولية والخطابات الشعبوية، بل في الاعتراف الجماعي بالمأزق وبالأخطاء، والجنوح للصلح والحوار الهادئ،  قصد وضع حدّ للانحدار الذي ليس له قاع، والتوصّل إلى تسوية شجاعة، تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمجتمعية وغيرها في سلّة واحدة. فبلادنا بحاجة إلى مشروع إنقاذ وبرامج للإصلاح متعدّد المجالات. وهي قبل ذلك بحاجة إلى قوّة سياسية قادرة على ملء الفراغ في الحكم.

       ورغم الخيبات والصعوبات والحصائل غير المرضية على أكثر من صعيد. يظلّ التفاؤل مرجّحا لدينا. ولا نجانب صوابا حين نؤكد بأنّ حوارا وطنيا نراه ممكنا،  لا يزال منفذا للتدارك. ونراه حوارا دون إقصاء أو شروط مسبقة، يحسم المسائل السياسية بتصحيح المسار وبناء الثقة والالتزام بشروط الخيار الديمقراطي والتوافق على ملامح مشروع وطني، والالتزام باستكمال إرساء المحكمة الدستورية في أقرب الآجال الممكنة، وتغيير القانون الانتخابي لضمان أغلبية حاكمة، ووضع قوانين جديدة للأحزاب والجمعيات وضمان شفافية التمويلات واستكمال المؤسسات الدستورية، والتعهّد ببدء إنفاذ الإصلاحات الاقتصادية المتفق عليها، وتوفير المناخ السياسي والاجتماعي المناسب لذلك.

وفي ظلّ مشهد عربي درامي الذي تُقايض فيه الحرية بالأمن ويبدو فيه انهيار البلدان ثمن التخلص من الحكّام، نرى أنّ تصحيح مسار الثورة وإنقاذ البلاد وإصلاحها، أيسر وأقلّ كلفة من سيناريوهات الانقلاب على الديمقراطية. ورغم شعوري أكثر من أيّ وقت مضى بأنّ عنادنا جميعا يوشك أن يسقط تجربتنا الديمقراطية الرائدة بين أيدينا، أذكّر نفسي والكافّة بأن لا أحد يستفيد من سقوط السقف على الجميع، ولن ينفع ندم أو تلاوم بعدها، ولا وطنيّ يكسب من ضياع الوطن وإدارة التوحّش.

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 196، تونس  في  04 مارس 2021 

    

مشاركة
    0 Comments

    No Comment.

    %d مدونون معجبون بهذه: