هل تحقّق لجنة الحريات والمساواة أهدافها؟

بعيدا عن أجواء الشحن الأيديولوجي والسياسي وأجندات الاستثمار في الاستقطاب الثنائي، يسعنا أن ندوّن ملاحظات هادئة حول تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، وسط مظاهر الصخب واللغط والجدال المحتدم التي يثيرهما التقرير منذ تقديمه لرئيس الجمهورية وإعلانه للعموم. فذلك ما نراه ضروريا ومطلوبا.  إذ الانفعال ضعف في استعمال العقل، والرأي قبل شجاعة الشجعان كما أسلف المتنبي.

1 ـ يبدو تقرير الحريات الفردية والمساواة ضروريا ومفيدا، فرئيس الجمهورية الذي من أولى مهامه أن “يسهر على حماية الدستور” وبعد خطابه في 13 أوت 2017 الذي أثار فيه بوضوح موضوع المساواة بين المواطنين والمواطنات طبقا للفصل 21 من الدستور، رأى أن يشكّل لجنة لتنظر في مدى مطابقة القوانين الجاري بها العمل لمبدأ المساواة، وتعدّ تقريرا في الغرض “حول الإصلاحات المرتبطة بالحريات الفردية والمساواة استنادا إلى مقتضيات دستور 27 جانفي 2014، والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، والتوجهات المعاصرة في مجال الحريات والمساواة” كما جاء في نص الأمر الرئاسي المحدث للجنة. وهذه المراجعات القانونية مطلوبة في جميع التشريعات، بعد ثورة ودستور جديد. ولولا تأخّر بعث المحكمة الدستورية، لكان من مهامها مثل هذا العمل، أو لكان بالإمكان التظلّم لديها في وجود قوانين مخالفة للدستور. ونحسب أنّ اللجنة قد وفّّت بالمطلوب على وجه مرضي.

2 ـ  أكّد رئيس الجمهورية في خطاب 13 أوت 2017على مرجعية الفصل الأول من الدستور، واحترام مشاعر أغلبية الشعب من المسلمين ” تأسيسا للعقد المجتمعي التونسي بما لا يتنافى في شيء مع تعاليم الإسلام السمحة نصّا وروحا”. ونحسب أنّ اللجنة التي لم تكن متوازنة ولا متنوّعة بالقدر الذي يعكسه المشهد السياسي والفكري في تونس، لم تكن وفيّة في منهجها وما انتهت إليه إلى توجّهات رئيس الجمهورية، وأعدّت تقريرا يعكس الخلفيات الأيديولوجية والفكرية لأغلب أعضائها، ومارست الوصاية والأحادية في موضوع مجتمعي بالغ الحساسية. ولم يكن للمقدمة العامة وما حوته من مقاربة اجتماعية ودينية مقبولة في عمومها وقابلة للنقاش، أثر يذكر في متن التقرير حول الحريات الفردية أوالمساواة، بل كانت المقاربة الإسلامية المقاصدية التجديدية في المقدمة العامة، أشبه بتزيين للتقرير الذي نحا مدوّنوه إلى مقاربة قانونية “وضعية” بحتة، لا تعير اهتماما يذكر للنصوص الإسلامية التأسيسية ولا لمشاعر المسلمين. وهذه هنة منهجية على غاية من الأهمية. ورئيس الجمهورية بقدر حرصه على رعاية مبدإ المساواة، فهو أحرص على باقي فصول الدستور، وهو مستأمن أيضا على ضمان وحدة الدولة والشعب.

3 ـ كثيرا ما يستحضر أعضاء اللجنة الحريات الفردية والمساواة والمساندون لهم أجواء إقرار مجلة الأحوال الشخصية إبّان الاستقلال وجرأتها التشريعية وآثارها المجتمعية الإيجابية، ويتطلعون إلى الاحتذاء بها. ويغفلون على أنّ بورقيبة  ورفاقه استندوا إلى مسودة سابقة للشيخ عبد العزيز جعيط وإلى ميراث الحركة الإصلاحية التونسية وبحثوا في مختلف المذاهب الفقهية الإسلامية عن مستندات لتأصيل ما ذهبوا إليه واحتموا برموز من علماء الزيتونة للإقناع، وتلك من العوامل المساعدة على تمرير المجلّة. أما أعضاء لجنة  الحريات الفردية والمساواة الحاليين، فليسوا قامات علمية ولا شخصيات اعتبارية جامعة ذات الوزن والإشعاع والمصداقية، مّمن يُعتدّ بهم أو يعوّل عليهم في الإقناع بالتوجهات الإصلاحية المزعومة في تقريرهم ولا في مشاريع القوانين المقترحة من قبلهم على رئيس الجمهورية.

4 ـ لم تكن المسائل المثارة في التقرير مفاجئة للمتابعين والعارفين، رغم البعد الدرامي و”الخطيئة غير المسبوقة” التي يحاول بعض معارضي التقرير تسويقها. بل نزعم أنّ التقرير استفاد من أفكار وأعمال ومنتوج اشتغل عليه باحثون وناشطون وجزء من النخب التونسية منذ عقود.  ويبقى المشكل ليس في حق أصحاب التقرير ومن يشاركونهم في التعبير عن آرائهم ومقترحاتهم مهما كانت، بل المشكل في احتكار الحداثة والتمدّن والتقدم واختطاف البلد والوصاية عليه بمثل هذه العناوين. ولا تخفى من جهة ثانية الأجندة الدولية في الموضوع والتزامات الدولة التونسية تجاه الهيئات الإقليمية والدولية من ناحية، ومحاولة ترويض النموذج التونسي بعد الثورة عبر تطوير القوانين من ناحية أخرى.

5 ـ يصرّ أصحاب التقرير على تكريس تأويل أحادي للفصل الأول من الدستور الذي ينص على أنّ “تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها.” ويعتبرون “الإسلام دينها” مجرّد وصف لأحد عناصر الانتماء الحضاري للدولة ولا صبغة حكمية له، متجاهلين أنّ “الجمهورية نظامها” الذي لا يقبل التغيير، ورد بنفس الفصل الأول وأتبع  بضمير الهاء الذي ورد ب”دينها” وكما يعود نظام الجمهورية على الدولة يعود دين الإسلام أيضا. وهذا رأي آخر  تعزّزه التوطئة وفصول أخرى من الدستور تُقرأ في تكاملها وتُؤول كوحدة منسجمة كما ورد بالفصل 146. ويعتمد أصحاب التقرير الفصل الثاني الذي ينص على مدنية الدولة منطلقا لمراجعة القوانين بما في ذلك على سبيل المثال قواعد المواريث بصفتها “قواعد وضعية” وردت بمجلة الأحوال الشخصية  ك “جزء من المنظومة المدنية للدولة التونسية”. وهذا التباين في التأويل القديم المتجدّد للدستور، يعكس جانبا من الجدال الحاد بين الرأيين المتقابلين في أغلب المسائل المعروضة بالتقرير، ويؤكد مرة أخرى أن الفصل الأول “التوافقي” في 2014 لم يحسم الخلافات حول الهوية وعلاقة الإسلام بالدولة بل أبقى على ذات الغموض في صيغة دستور 1959.

6 ـ أشاد أعضاء اللجنة ب”المنهج التشاركي” الذي اعتمدوه في إعداد التقرير والمشاورات الواسعة التي أجروها مع الوزارات والهيئات والمنظمات والمجتمع السياسي والمجتمع المدني وأهل الاختصاص، لكن منتقدوهم يشكّكون في ذلك ويتّهمونهم بالإقصاء والأحادية في الرأي. وهذا ما يفسّر جانبا من الجدال المحتدّ بين الفريقين. ومهما تباعدت الآراء فإنّ الاحتراب الأيديولوجي والاستقطاب الثقافي لا مبرّر لهما من هذا الفريق أو ذاك. فهما مهذّدان للوحدة الوطنية والسلم الأهلية. ففي خطاب أنصار الفريقين مخالفات صريحة للدستور والقانون بما في ذلك نعوت الظلامية والداعشية والدعوة إلى ترك البلاد والاتهام بالكفر والإلحاد في آيات الله ومحاربة الله ورسوله ومخالفة صريح القرآن والتشبه بقوم لوط وغيرها من العبارات التي ترتقي إلى الحرب الأهلية الكلامية وتعود بالبلاد إلى أجواء الاستقطاب المقيت وتيه العلمنة والأسلمة وما قبل سقوط جدار برلين، والمناخات التي وفّرت أرضية الإرهاب والاغتيالات السياسية وكادت أن تعصف بالثورة والسلم الأهلية منذ سنوات خلت.

اخترنا التوقّف عند بعض الملاحظات المنهجية التي نراها غير مساعدة على تحقيق التقرير لأهدافه المعلنة، ولم نخض في تفاصيل المراجعات التشريعية وعشرات المقترحات في محوري الحريات الفردية والمساواة، التي لا نرى وجاهة في التعامل الجملي معها بالقبول أو الرفض، بل نرى فيها ما هو متأكد ولا خلاف  عليه، وفيها ما هو خلافي وقابل للحوار، وفيها ما هو مرفوض تماما  وهو أقرب إلى الإسقاط على واقعنا ولا حظوظ له في التحقّق. ويبقى رئيس الجمهورية صاحب المبادرة الأصلية والذي له حق المبادرة التشريعية، الحكم والفيصل، بالاستفادة من تقرير اللجنة والإنصات الجيّد لنبض الشعب وبقية الآراء. وإنّ أولوياتنا الوطنية وأوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية، وأزمتنا السياسية واستحقاقاتنا الانتخابية ستكون محدّدة في توجّهات رئيس الجمهورية ومستقبل القضايا الخلافية في هذا التقرير المثير للجدل، والذي سيكون محور خطابه في 13 أوت 2018 القادم.

 

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 64، تونس في 05  جويلية 2018.

https://scontent.ftun3-1.fna.fbcdn.net/v/t1.0-9/36774697_1991244780899296_8439026977570029568_n.jpg?_nc_cat=0&oh=5e891d4f2eb9670ec63a152381fe0b44&oe=5BA68ED9


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>