مُرشّح توافقي لرئاسية نوفمبر 2019 خطوة هامّة في بناء الثقة



       بعد أن ضبطت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات الروزنامة، ليس مهمّا فقط أن نعمل على تُنجز الانتخابات في مواعيدها الدستورية المحدّدة، بل أيضا أن نضمن إجراءها في مناخ تنافسي نزيه، وأن يقبل الجميع بنتائجها، وأن تكون نسبة المشاركة فيها مرضية، بما يعطي للعملية السياسية مصداقيتها وما يمنح الحكم الشرعية والقوة الكافيتين. ومع استمرار أجواء الاستقطاب ومؤشّرات الأزمة السياسية، لاسيما بين رأسي السلطة التنفيذية، على غرار ما بدا في الاجتماع الأخير لمجلس الأمن القومي، تبدو الساحة بحاجة إلى مبادرات لخفض التشنّج وبناء الثقة بين المتنافسين الرئيسيين خاصة، لبلوغ الأهداف سالفة الذكر. فالمُأمّل أن ينقلنا استحقاق 2019 من المرحلة الانتقالية إلى الحكم المستقرّ لمواجهة تحديات كبرى في الإصلاح والبناء، وهذا ما يستوجب تضافر الجهود وتوافقات صلبة. فهل يكون المرشّح التوافقي لرئاسية نوفمبر  2019 خطوة هامة في هذا الاتجاه؟ وكيف ذلك؟

       التقط المتابعون حالة التوتّر الواضحة في علاقة رئيس الجمهورية برئيس الحكومة، من خلال مقطع فيديو افتتاح الاجتماع الأخير لمجلس الأمن القومي. فالرئيس الباجي على ما رشح من دوائر قريبة منه، لم يعد يرى في الشاهد متمرّدا عليه وناكرا لجميله فقط، وهو من وضع فيه ثقته وعينه رئيسا للحكومة، بل يتّهمه بانقلاب عليه في الحكم. فالتحركات الخارجية للشاهد خلال المدة الأخيرة على سبيل المثال، والتي لم تكن بالاتفاق معه، مسّت جوهريا من الاختصاص الدستوري لرئيس الجمهورية بالعلاقات الخارجية. كما أنّ تعيين موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية دون العودة ولو رمزيا لرئيس الجمهورية، يرى فيها سي الباجي تعاملا غير لائق بالحدّ الأدنى، وتجاوزا لمنزلته الدستورية والاعتبارية.

       وقد دلّت نبرة خطاب الرئيس عامة، حول مختلف الملفات التي عرضها على مجلس الأمن القومي، ومنها التمديد في حالة الطوارئ، على أنّه يتّجه إلى التصعيد وعدم التعاون مع الحكومة. وهو الذي لا ينفك عن التذكير بأنّ حركة النهضىة هي الداعم الرئيسي للشاهد، وأن الحكومة حكومتها. وتلك مؤشرات على أجواء غير مريحة داخل أجهزة السلطة التنفيذية، وبين الفاعلين السياسيين الرئيسيين. إضافة إلى أجواء التوتّر داخل البرلمان وعجزه عن انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية الراجعين إليه بالنظر، لفتح المجال لتعيين بقية الأعضاء وإرساء المحكمة التي يراها رئيس الجمهورية شرطا لدعوة الناخبين. وهذا ما يخلق مصاعب إضافية في مواجهة التحديات الرئيسية والأزمات اليومية، التي تنتقل من قطاع إلى آخر ولا تكاد تتوقّف. كما يخلق مخاوف حول مسار الاستحقاق الانتخابي ومستقبل الانتقال الديمقراطي برمّته.

       ولمّا كانت الانتخابات التشريعية تنافسية بطبعها، خاصة بين الأحزاب الرئيسية، ومجالا لإبراز اختلاف البرامج والتوجهات والوعود، فإنّ التوافق فيها غير وارد، ويتجه التفكير إلى ما بعد الإعلان عن نتائجها. وفي ظلّ القانون الانتخابي المعتمد والنظام السياسي المقرّر، والتوازنات الحزبية المعلومة، سيظلّ انفراد طرف حزبي بالحكم مستبعدا، مهما كانت الإعلانات الانتخابية والرغبات الأيديولوجية. لذا وجب أخذ ذلك بعين الاعتبار من طرف المتنافسين الأوفر حظوظا، الذين سيجدون أنفسهم في شراكة في الحكم، حتى لا تكون مخلّفات الحملات الانتخابية ومعاركها، عوائق أمام التحالفات المستوجبة لاحقا. وكم يبدو من المفيد في هذه المرحلة، تنظيم حوارات مباشرة  بين الأحزاب المتنافسة في التشريعية، والعمل على إبرام ميثاق أخلاقي وسياسي بينها، لمزيد تأمين المسار.

       ويختلف الأمر في الرئاسية عن التشريعية. فرئيس الجمهورية بمقتضى الدستور رئيس لجميع التونسيين، وهو ملزم بالحياد الحزبي بعد انتخابه، وهو رمز للدولة وضامن للوحدة الوطنية. وصلاحياته تتمركز حول قيادة القوات المسلحة وتعهد السياسة الخارجية أساسا، وهذان مجالان أقرب إلى التوافق الوطني منهما إلى الاختلاف، ويمكن الاتفاق على برنامج مشترك فيهما، بين أحزاب مختلفة ومتنافسة في التشريعية.

       ولماّ كانت الأحزاب الرئيسية الثلاثة، ونعني بها “حركة النهضة” و”نداء تونس” و”تحيا تونس”، كما هو معلوم من خلال معطيات الواقع واستطلاعات الرأي، لم يعرب زعماؤها عن رغبتهم في الترشح لرئاسية نوفمبر 2019، بل تفيد مصادر مطلعة، أنّ الغنوشي والباجي والشاهد قد حسموا أمورهم بعدم الترشّح، فإنّ الطريق بات مفتوحا لتوافق هذه الأطراف على مرشّح مشترك. بل يبدو هذا التوافق مطلوبا لبناء الثقة بين هذه الأطراف المرشّحة للأدوار الأولى في تشكيل مشهد الحكم القادم من جهة، إضافة إلى ضمان الانسجام المطلوب بين طرفي السلطة التنفيذية في قرطاج والقصبة من جهة ثانية.

       إنّ مرشّحا توافقيا لرئاسية 2019، لا يعني “مرشّح الإجماع”، ولا يلغي الانتخابات التنافسية والتعددية، ولا يصادر حق أيّ طرف تتوفر فيه شروط الترشح، بل هو توافق الأحزاب الرئيسية ومن حالفها، في دعم مرشّح مستقلّ من غير أعضائها ومن غير المحسوبين على دوائرها، ممّن يستجيب أكثر من غيره، لمواصفات رئيس الجمهورية الذي تحتاجه تونس ما بعد 2019. وما ذلك بعزيز إذا صدقت النوايا والعزائم.

        إنّ مرشّحا توافقيا لرئاسية نوفمبر 2019 خطوة تبدو أكثر من هامة، لبناء الثقة بين الفرقاء الحزبيين، ولتأمين حكم مستقرّ، لا غنى عنه في رفع تحدّيات المرحلة القادمة. ونحسب أنّ أجواء المناكفة والتشنّج السائدة بين الأطراف المعنية، التي ألمحنا إلى بعضها، لا تعيق مثل هذا السيناريو، بل تستدعيه. فهل يفعلها المعنيّون؟

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 99، تونس في 14 مارس 2019.

L’image contient peut-être : une personne ou plus et texte
مشاركة
  •  
  •  
  •  
  •  


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: