محمد القوماني ل"الشروق": "النهضة" الجديدة مختلفة عن الجماعة الإسلامية والاتجاه الإسلامي

 

 

بعد أكثر من ثلاثة عقود يعود محمد القوماني إلى حيث انطلق في تجربته في العمل السياسي والحزبي لمّا كان طالبا متحدثا باسم الاتجاه الإسلامي، كيف يبرّر تلك العودة إلى أحضان حركة النهضة؟ وكيف جرت العملية وفي أيّ إطار شخصي وسياسي تندرج؟..عن هذه الأسئلة وغيرها يجيبنا محمد القوماني عضو المكتب السياسي الجديد للنهضة.

 

كيف تمّت الاتصالات بحركة النهضة؟ هل ذهبت إليهم أم هم رغبوا في انضمامك؟

الاتصالات بيني وبين حركة النهضة قائمة ومستمرة سواء بصفة مباشرة أو غير مباشرة وعناوينها مختلفة. أما بخصوص الاتصالات التي أفضت مؤخرا إلى انضمامي لحركة النهضة وتعييني عضوا بمكتبها السياسي فقد كانت المبادرة من رئيس الحركة الشيخ راشد الغنوشي الذي استقبلني وعرض عليّ الانضمام وتعزيز إطارات الحركة وهياكلها القيادية في إطار توجهات الحركة الجديدة في الانفتاح على الكفاءات الوطنية والنخب وقادة الرأي في المجتمع بصفة عامة. وقد شكرت رئيس الحركة على ثقته بنا وعبرت له تفاجئي بالموضوع وعن تشجيعي لهذا التوجه وطلبت مهلة من التفكير.

هل توجز لنا أهم أسباب اتخاذك لهذا القرار بعد مغادرتك للمربع الحزبي بقرار حزب الإصلاح والتنمية الذي كنت تترأسه حلّ نفسه؟

انضمامي إلى النهضة “الجديدة” كان استجابة لطلب رئيسها الشيخ راشد الغنوشي الذي أقدّر عاليا الدور المهمّ الذي يضطلع به والتوجهات الإصلاحية التي يقودها داخل الحركة والتي كانت أبرز عناوينها مخرجات المؤتمر العاشر التي استحسنتها شخصيا وأرغب في المساهمة في إنضاجها وتكريسها في الواقع، إضافة إلى دوره الوطني في المساهمة في إنجاح المسار الانتقالي الديمقراطي وتحقيق المصالحة داخل المجتمع التونسي وبين مختلف مكوناته الفكرية والسياسية دون أن نتغافل عن الإشعاع الخارجي والمكانة التي يتمتع بها زعيم حركة النهضة عربيا وإسلاميا وعالميا، والتي يكاد لا يضاهيه فيها غيره من القادة السياسيين التونسيين  الحاليين. وتلك المكانة يمكن أن تكون عنصرا إيجابيا إضافيا مفيدا في  خدمة المصالح التونسية . ومن المهم والمشرّف لي العمل مع زعيم بهذا الحجم. كما أنّه من المهمّ العمل في حزب مشارك في الحكم وما يتيحه ذلك من فرص في إنضاج التجربة وتطوير الأفكار والمقاربات بعد تجربة شخصية طويلة في المعارضة.

كما جاء قراري بعد عام ونصف من الابتعاد عن المربّع الحزبي كما أشرت بقرار حزب الإصلاح والتنمية الذي كنت أترأسه حلّ نفسه وما استخلصته من أنّ  سياسيّ بمثل مساري ومسيرتي ليس من المفيد أن تطول به فترة التأمل على أهميتها،  ومن الأفضل أن يكون  “لاعبا” مناضلا في الميدان  لا أن يكون “متفرجا” متابعا، خاصة في ظل المرحلة الدقيقة  التي تعيشها بلادنا والتي لا تفيد فيها الفرجة. فالفرق يظل كبيرا في السياسة بين أن  تسهم فيها وتشارك في معامعها وأن تكتفي بمراقبتها وتحليلها. فضلا عمّا تتيحه الممارسة السياسية الحزبية من إنضاج للأفكار وتعميق للتحاليل.

هذا إضافة إلى أن أحد أسباب إنهاء تجربة حزب الإصلاح والتنمية هو الاقتناع بعد تجربتين في الانتخابات سنتي 2011 و2014 أنّ المنافسة تحتاج إلى أحزاب كبيرة تمتلك المقدرة المادية والبشرية وغيرها وأنّ المشهد الحزبي المتشظّي بعد الثورة إلى أكثر من  مئتي حزب قد استنفد أغراضه.

هل هو انخراط فعلي في حركة النهصة؟، لكن نعلم أن للنهضة شروط للانخراط والعضوية؟.

بالتأكيد هو انخراط فعلي وعضوية كاملة وفق القانون الأساسي للحركة المعدّل في المؤتمر العاشر والتي يمكن لك ولغيرك الاطلاع عليه. وكذلك العضوية بالمكتب السياسي تمّت وفق القانون الأساسي والنظام الداخلي. ومن نقاط قوّة حركة النهضة أنها مهيكلة وتحترم ضوابطها الداخلية.  وأنا معتز بهذه العضوية في الحركة وفي مكتبها السياسي  لأني تابعت جيدا تطورات حركة النهضة وشهدت فعاليات المؤتمر العاشر فوجدت نفسي أشجع الحركة على تكريس مخرجات المؤتمر ومنها بالخصوص تخلّصها من الطابع الشمولي الذي فرضته سياقات قديمة وطبيعة العمل السياسي في تونس وتوجهات الحزب الدستوري الحاكم الذي طبع المعارضة بشموليته.

انتميت في الثمانيات لحركة الاتجاه الإسلامي واختلفت معها حول محاور مهمة وأسّستم تيار اليسار الإسلامي، هل غابت الآن انتقاداتكم ومآخذكم السابقة حول أدبيات حركة الاتجاه الإسلامي؟. وهل أصبحتم اليوم مقتنعين بالرؤية الفكرية والسياسيّة لحركة النهضة؟ وهل هذا انضمام جديد أم عودة إلى الأصل؟

أبدأ من آخر سؤالك لأقول هذا بالتأكيد انضمام لحركة النهضة “الجديدة” كما أفضّل أن أسميها وليس عودا على بدء وعودة إلى أصل أو إلى حركة أمّ كما يعتقد البعض. لأنّي شخصيا غادرت الاتجاه الإسلامي منذ عقود وعملت في أحزاب أخرى بما في ذلك الحزب الديمقراطي التقدمي وكنت في قيادته لنحو عشر سنوات بحيث قضيت فيه أكثر من المدّة التي قضيتها شابا بالاتجاه الإسلامي، الذي كان في تقديري اتجاها فكريا وثقافيا مشحونا بنسبة من الاحتجاج الاجتماعي ضد التغريب الثقافي الذي رعته نخب متنفّذة في دولة ما بعد الاستقلال وضدّ الظلم الاجتماعي لبعض الفئات والجهات. فالحركة نشأت احتجاجية كما وصفها الدكتور عبد الباقي الهرماسي في بحثه الاجتماعي. وأنا انضممت لهذا التيار الفكري الإسلامي الاحتجاجي لمواجهة التغريب وحيف الدولة، ولو يعاد التاريخ لاتخذت نفس الموقف. لكن حين لاحظت أن الاتجاه الإسلامي حينها كان محافظا وكانت المسألة الاجتماعية  ضعيفة في اهتماماته غادرته لخوض تجربة اليسار الإسلامي الذي أراد أيضا التحرّر من قوالب الفكر الإسلامي التقليدي ومن قوالب اليسار الماركسي. ولكن التجربة تعثرت كما هو معلوم وليس المجال لتقييمه هنا. والآن أنا أدعو إلى تموقع جديد خارج استقطاب نزعات “العلمنة” و”الأسلمة” بصفة عامة كما بينت ذلك في كتابي المنشور مؤخرا بعنوان “ما بعد العلمنة والأسلمة”. وقضية الصراع حول الهوية قد تراجعت في تونس وحصلت مراجعات وتوافقات ضمنية من مختلف التيارات الفكرية. وحركة النهضة تعمل الآن خارج نزعة “الأسلمة” ولم تعد أولوتها الدفاع عن الهوية. وهي تتقدم للتونسيين اليوم كحركة إصلاحية تجديدية تهدف إلى تحقيق إصلاح وطني شامل كما جاء في توطئة لائحة الرؤية الفكرية للمؤتمر العاشر. وأولوياتها التنمية والديمقراطية والتشغيل ومكافحة الإرهاب وبناء المؤسسات الدستورية الضامنة للحكم الرشيد وإنجاح مسار العدالة الانتقالية وتحقيق المصالحة الشاملة وتعزيز استقلالية القرار الوطني  وتحقيق أهداف الثورة في الحرية والكرامة.

نعم كنت  أحد مناضلي الاتجاه الإسلامي في الحركة الطلابية مطلع الثمانينات وأفتخر بذلك، وبعد مغادرتي للحركة وبحكم اختصاصي في التفكير الإسلامي واهتمامي بقضايا التجديد في الفكر الإسلامي  كنت دائما أتابع حركة النهضة وكنت أوّل من تناول بعمق نقد “الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي لحركة الاتجاه الإسلامي سابقا والنهضة لاحقا” وأنا أقدّر أن ما كتبته ساهم مع مجهودات  آخرين وعوامل أخرى في تطوير النهضة، وأنا متأكد أنّ “النهضة الجديدة” مختلفة جوهريا عن  الجماعة الإسلامية في السبعينات والاتجاه الإسلامي في الثمانينات. وهي أيضا استخلصت دروس عديدة من الهجرة والسجون ومن الصراع مع المخالفين لها  واستفادت كثيرا من تجربتها القصيرة في الحكم بعد الثورة .

وبالمحصّلة فإنّ الرؤية الفكرية تغيّرت، ومع ذلك اعتقد أن مجال النقد في الحركة مازال متاحا والنهضة الجديدة ليست كما كانت في بداياتها جماعة منغلقة وطاردة للأفكار المخالفة وللكفاءات، ولذلك انشق عنها الإسلاميون التقدميون وبعض عناصرها، بل الحركة الآن منفتحة وجاذبة للكفاءات و لها من الخبرة ما يجعلها تتقبل التنوع في الأفكار وبالتالي مواصلة النقد فكريا وسياسيا، سواء من داخل الحركة أو من خارجها.

ألا تخشى من أن يكون إلحاقك بالنهضة للعب دور يُبرز ظاهريا انفتاحا من الحركة على الكفاءات والوجوه السياسية المستقلّة؟

هذا انضمام واع ومسؤول ، واتفاق “شُجعان” إذا جازت الاستعارة من المرحوم عرفات، وليس إلحاقا، وجاء بعد تفكير مليّ وحوار معمّق. ونحن نحكم على الظاهر والله يتولى السرائر. وحركة النهضة كما بينت في هذا الحوار تغيّرت فعلا وتطورت ايجابيا، كما يحصل لأغلب الحركات الفكرية والاجتماعية والسياسية. وأنا أثق بمن أعمل معهم، وهذه أخلاقي. وبكل تواضع، بعد هذا المسار وفي هذا العمر لا أقبل أن أكون مجرّد واجهة.

أجرى الحديث: خالد الحداد

تعليق واحد


  • علاءالدين مسعودي

    بالتوفيق أخي لما فيه خير للبلاد والعباد٠٠٠ المهم الإيمان بضرورة أن تنتقل السياسة والأحزاب من مربع الإيديولوجيا إلى الفعل الإجتماعي التنموي البناء ٠٠٠المطلوب أن تؤثر إيجابا وتدفع بإتجاه حياة سياسية جديدة مبنية على الثقة والإنفتاح على كل من يحمل فكرا أو مشروعا هادفا للبلاد٠



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>