ماذا يجري بالبيت النهضوي؟ تداعيات وطنية لأزمات أحزاب الحكم..

ماذا يجري بالبيت النهضوي؟ وأيّة تداعيات محتملة حزبيا ووطنيا لما يحصل داخل حزب النهضة من تجاذبات وخلافات على خلفية ردود الأفعال المسجّلة هذه الأيام على القائمات التشريعية التي أعلنها المكتب التنفيذي للحركة؟ فلم تعد الخلافات داخل الأحزاب شأنا داخليا كما يقال، لا سيما إذا كانت أحزابا في الحكم، بعد التداعيات السلبية التي نبّه لها المتابعون وعاشها التونسيون، لأزمة حزب نداء تونس على الحكم والأوضاع العامة بالبلاد.

حُمّى تشكيل القائمات..
ترتفع حمّى الصّراع في الأحزاب والائتلافات والقائمات المستقلّة ذات الرهانات التنافسية في تشريعية 06 أكتوبر 2019. ولا عمق سياسي لاتهام المتنافسبن بالحرص على التموقع و”طلب الكراسي”. فشأن الأحزاب أن تتنافس على الحكم. وشأن السياسيين أن يصلوا إلى مواقع التأثير في القرار. وما دون ذلك لغو ومزايدة.
وبالعودة إلى مقتضيات القانون الأساسي المتعلق بالانتخابات والاستفتاء، يتمّ اعتماد الاقتراع على القائمات دون الأفراد، في دورة واحدة، وتوزّع المقاعد في مستوى الدوائر على أساس التمثيل النسبي مع الأخذ بأكبر البقايا، كما حصل في الانتخابات التأسيسية والتشريعية الماضيتين. فالأوائل هم الأكثر حظا. ولا يمكن في كل الأحوال التنافسية فوز قائمة مهما كانت بجميع المقاعد. إذ يتمّ تحديد الحاصل الانتخابي بقسمة عدد الأصوات المصرّح بها على عدد المقاعد المخصّصة للدائرة. ويُسند إلى القائمة عدد مقاعد بقدر عدد المرّات التي تحصّلت فيها على الحاصل الانتخابي. وتسند المقاعد بحسب الترتيب الوارد بكل قائمة. وإذا بقيت مقاعد أخرى توزّع بحسب أكبر البقايا على جميع القائمات. وهذا ما يجعل الصراع محتدّا في ترتيب المترشّحين على القائمة.
ولهذه الاعتبارات تبدو الأجواء ساخنة جدّا وترتفع حمّى الصّراع بين المترشّحين المفترضين ويخيّم على الأحزاب والائتلافات المعلنة منذ مدة شبح الانقسامات. وحتّى اللجوء إلى قواعد الديمقراطية المحلية واعتماد الانتخابات الأولية للقائمات في كل دائرة ، كما حصل بحركة النهضة على سبيل المثال، طبقا لما ينصّ على ذلك النظام الأساسي للحزب واللوائح المنظمة، لم يهدّئ من تلك الحمّى. خاصة وقد تأكّد أنّ حركة النهضة “تونسية لحما ودما”، إضافة إلى ما هبّت عليها بعد الثورة من نسائم العلنية والانفتاح، وما تسرّب إليها من نظرة غنائمية للحكم وعلاقات زبونية ونزعات فردية وفئوية، وما بعثت به بعض نواب 2011 و2014 من رسائل سيئة لصفة النائب ومتطلباتها.

زلزال في البيت النهضوي..
تحدّث البعض منذ أسابيع عن زلزال في الانتخابات الأوّلية للقائمات النهضوية، حين تقدّمت نساء ووجوه شبابية في عديد الدوائر، وتأخرت مراتب نواب حاليين أو عناصر قيادية مركزية أو جهوية. وها أنّ التعديلات التي أجراها المكتب التنفيذي على القائمات، في إعادة الترتيب أو إضافة عناصر أخرى أو تغيير رؤساء القائمات، استنادا إلى الصلوحيات الممنوحة له، تثير زلزالا جديدا. فبعد جلسات ماراطونية استمرت من الخميس إلى الأحد، شرع أعضاء المكتب التنفيذي منذ الإثنين الماضي، في إعلان القيادات الجهوية والمحلية بالقائمات المعتمدة، لكن قراراتهم واجهت اعتراضات وانتقادات حادة في الجلسات المخصصة للغرض، وامتدّ الجدال الحادّ إلى صفحات الفضاء الأزرق. وكان قرار ترشيح رئيس الحركة راشد الغنوشي على رأس قائمة دائرة تونس الأولى، عنصر مفاجأة وموضوع جدال أيضا.
فقد رأى كثيرون أن اختيارات التنفيذي غير موفّقة بالمرّة وغير مقنعة. فهي تتلبّس بتصفية حسابات وتلبية رغبات ولا تقوم على عدل ومقاييس موضوعية. وهي تدخل ارتباكا على الجسم النهضوي عشية تقديم القائمات إلى هيئة الانتخابات بداية من مطلع الأسبوع القادم، وقد يكون لها أسوأ تأثير على النتائج العامة للحزب في الاستحقاق التشريعي. وتراوحت الاحتجاجات بين نقد ضعف الديمقراطية الداخلية وعدم احترام التنفيذي لإرادة كبار الناخبين في الجهات، وبين رفض أغلب رؤساء القائمات، خاصة ممّن اقتُرحوا من خارج الحزب أو من غير المتقدّمين للجلسات الانتخابية، وبين التشكيك في جدارة بعض المترشحين بالمراتب المسندة لهم وقدرتهم على المنافسة المطلوبة. وكانت المفاجآت خاصة في استبعاد عناصر نسائية أو شبابية أو رجالية من القائمة أصلا، أو تأخيرهم إلى مراتب بعيدة، وهم الحاصلون على المراتب الأولى في الانتخابات الأولية. وكان اللافت جدا نقل مترشحين من الدوائر التي تقدّموا بها، إلى دوائر أخرى وتعيينهم رؤساء على قائماتها، كما حصل بزغوان والكاف ونابل واحد. وقد رفض بعضهم على غرار القياديين عبد الحميد الجلاصي وعبد اللطيف المكي هذه النقلة غير الإرادية وغير المقنعة. كما رفض آخرون المشاركة في بعض القائمات التي اقترحوا عليها، حسب ترتيبهم المعتمد.

تداعيات سلبية حزبية ووطنية..
بدا ترشّح رئيس الحركة في الانتخابات التشريعية مفاجئا للقيادات والقواعد النهضوية. وهذه ليست المرة الأولى. فالموضوع لم يتمّ تداوله في المؤسسات وخاصة مجلس شورى النهضة. وقد ألقى مزيدا من الغموض حول موقف النهضة من رئاسية 2019 وغذّى تسريبات وسيناريوهات تمّ الترويج لها خلال الفترة السابقة، حول اقتسام السلطة بعد 2019، ونفتها حركة النهضة. ولم يخف بعض النهضويين خشيتهم من أن يكون القرار مُرتجلا وينعكس سلبيّا على المستقبل السياسي لزعيمهم ولحركتهم أو على مستقبل البلاد. في حين رآه آخرون قرارا جريئا وذكيّا ومباغتة مناسبة من الحركة لخصومها.
وتظلّ التداعيات السلبية للتجاذبات حول تشكيل القائمات التشريعية هي الأهمّ. فحزب النهضة المتميّز بوحدته الداخلية وانضباط منخرطيه عموما، والذي يرجع قياداته ذلك الامتياز إلى ديمقراطيته الداخلية، يبدو مهدّدا هو الآخر بالتفكّك، أكثر من أيّ وقت مضى. فالاعتراضات في الجهات قويّة ومعلنة هذه المرة وتشكّك في الديمقراطية المزعومة. والتجاذبات تستعيد خلافات المؤتمر العاشر وتزيد عليها. والعناصر المعنية بالتجاذب قيادات مركزية وجهوية وازنة. بل إنّ مؤسسات الحزب تبدو في تجاذب على غرار التنفيذي والشورى. ولا تبدو حسابات المؤتمر الحادي عشر للحزب خلال السنة القادمة بعيدة عن هذه التجاذبات. وإذا توسعت رقعة الغاضبين وعددهم، وتداخلت أسباب الخلافات، ولم تساعد أجواء الحوار على حلول توافقية، يُخشى من شرخ تنظيمي غير مسبوق في الجسم النهضوي.
وإذا استحضرنا وزن حركة النهضة في المشهد السياسي التونسي، ومشاركتها في الحكم، والآمال المعلّقة عليها داخليا وخارجيا، في الاستقرار وإنجاح المسار الديمقراطي، وقياسا على ما ما حصل من تداعيات سلبية في خلافات جزب نداء تونس، على صعيد الحكم والأوضاع العامة بالبلاد، نفهم سرّ مراقبة المتابعين بانشغال، التداعيات الوطنية للخلافات الداخلية النهضوية. فقد تكون التجاذبات حول القائمات، مجرّد قادح لحريق يشبّ في مخزن أزمة عميقة، تعكس مأزق فكرة تعيش نهاياتها، ظلّ يُمسكها “شقف” تنظبمي أخذ منه التآكل. وهذا حريّ بالرجوع إليه بالنظر.

تفاؤل حذر ..
يعوّل البعض على نضج حزب النهضة وقدرته على إدارة أزماته الداخلية في تطويق الخلافات الأخيرة ومراجعة بعض قرارات المكتب التنفيذي وتعديل القائمات الانتخابية المعلنة. ويخشى آخرون من تدحرج كرة الثلج وتوسيع الخلاف، لتزيد مصاعب النهضة، وأحزاب الحكم عموما، في مخاوف التونسسيين والمراقبين عن مستقبل التجربة التونسية في ظلّ تداعيات الخلاف حول التنقيحات الأخيرة للقانون الانتخابي، والتشكيك المسبق في نتائج انتخابات ستكون مصيرية في تاريخ الديمقراطية التونسية والخروج من المرحلة الانتقالية إلى الحكم المستقر بعد 2019.
محمد القوماني
*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 116 ، تونس في 18 جويلية 2019
https://scontent.ftun3-1.fna.fbcdn.net/v/t1.0-9/66799555_566787120519103_495493995934253056_n.jpg?_nc_cat=103&_nc_oc=AQlJE44EVgYv0jRciGwt7Kb4HV0q1E-wf8nNMZNp9GI0dUM_lqf6xw_akzyVksyn0OE&_nc_ht=scontent.ftun3-1.fna&oh=c26eef31615878fdd8a5c3be518a903f&oe=5DA711B0

مشاركة
  •  
  •  
  •  
  •  


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: