في مطلع سنة سياسية جديدة: ضبابيّة في المشهد وتوتّرات في الأفق

 

جريدة الرأي العام، 21، تونس في  07 سبتمبر 2017

انتهت العطلة الصيفية بعيد الأضحى المبارك وعاد نظام العمل بالحصّتين وبدأت حركيّة العودة المدرسية والجامعية، وتغيّر نسق حياة التونسيين، ليهيئ كل ذلك انطلاق سنة سياسية جديدة، يبدو مطلعها ساخنا من خلال عناوين الملفّات  موضوع التجاذبات بين مؤسّسات الحكم وبين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين. فالتحوير الوزاري المتأخّر عن موعده ازداد تعقيدا وبات يلقي بتداعياته على أصعدة متعدّدة، والانتخابات البلدية صارت مهدّدة بالتأجيل لعدم دعوة رئيس الجمهورية للناخبين، والبرلمان المضطرّ إلى قطع عطلته لا تجتمع كلمة كُتلُه على أولويات متأكدة ودورة استثنائية، والمؤشرات الاقتصادية السلبية الماضية في التزايد تربك الجميع وتشغل عموم الشعب وتلقي بأجواء من الضبابيّة والترقّب والتوتّر.

أجّل السيد يوسف الشاهد سدّ شغورات حسّاسة في حكومته أو إجراء تعديل عليها  لأسباب غير مقنعة، والذي يمنحه الدستور صلاحية ذلك، ليجد نفسه في النهاية مضطرا إلى تعديل واسع  يشمل وزارات سيادية، وتطرح الإعفاءات والتعيينات الجديدة جدالا وتتطلب توافقات لتزكيتها في مجلس نواب الشعب الذي يحتاج إلى قطع عطلته وعقد دورة استثنائية. وتدلّ المشاورات داخل المجلس على وجود تباينات وتجاذبات حول جدول الأعمال بحسب الأجندات السياسية المتضاربة. ففي حين يعطي البعض الأولوية لتزكية التعديل الحكومي وسدّ الشغور بالهيئة العليا للانتخابات، الذي يتطلب توافقا واسعا لتحصيل ثلثي أعضاء المجلس (145نائب على الأقل)، يشترط البعض الآخر تمرير مشروع قانون المصالحة الذي لا يخفى الخلاف حوله، وقد تعهّد المجلس بالنظر فيه في أوّل جلسة له بعد العطلة. وقد فشل اجتماع رئيس المجلس برؤساء الكتل البرلمانية يوم الثلاثاء 05 سبتمبر الجاري في الاتفاق على الدعوة لجلسة استثنائية بسبب الخلاف حول جدول الأعمال. وهذا وضع يحيلنا على المثل التونسي “وحلة المنجل في القلّة”. هذا إضافة إلى مشروع تعديل القانون الداخلي للمجلس الذي تأجّل بدوره في نهاية السنة البرلمانية السابقة في سياق المناكفات بين الكتل، والذي يفترض النظر فيه أوّلا لارتباطه العضوي بتسيير المجلس نفسه. وإذا أضفنا إلى ذلك الخلاف حول تثبيت موعد الانتخابات البلدية أو تأجيله، وما يربط به من  دور للمجلس في استكمال هيئة الانتخابات وإقرار لمجلة الجماعات المحلية، نفهم أكثر حجم التجاذبات وتعارض الأجندات داخل البرلمان. فالائتلاف الحاكم الذي يحتاج إلى التوافق مع المعارضة في بعض الملفات يبدو بدوره منقسما على نفسه.

ولذلك فهم المتابعون من اشتراط رئيس الجمهورية، دعوة الناخبين للبلديات، بسدّ الشغور بهيئة الانتخابات واختيار رئيس لها، رميا للكرة بملعب البرلمان، وفي نفس الوقت إعلانا مبطّنا عن تأجيل الانتخابات المحلية، اعتبارا للتعقيدات سالفة الذكر داخل المجلس. والحال أنّ استكمال الهيئة ليس شرط صحّة لدعوة الناخبين بمقتضى الدستور والقانون. ويتعزّز احتمال التأجيل بإعلان ثمانية أحزاب في ندوة صحفية يوم الثلاثاء الماضي تعذّر إجراء البلديات في موعدها المقرّر من هيئة الانتخابات، والذي زكّته جميع الأطراف في وقت سابق. ومهما كانت المبرّرات فإنّ تأجيل موعد الانتخابات البلدية سيجعل سنة 2017 بلا إنجاز سياسي بارز وسيضغط على روزنامة 2018 التي تنضاف فيها الانتخابات الجهوية ويبدأ فيها الإعداد للتشريعية والرئاسية 2019. والأهمّ من ذلك أنّ التأجيل يبعث رسائل سلبية للخارج والداخل في تعثّر المسار السياسي الذي يسوّق على أنّه مكسب تونسي أدنى في ظل تعثّر المسار الاقتصادي والاجتماعي. وسيكون عنوان فشل في إنجاز استحقاق مؤجل عن موعده بطبعه. هذا إضافة للتكلفة الباهظة لهذا التأجيل الذي يعطّل بابا من الدستور في توزيع السلطة محليا، ويضاعف معاناة السكان. ولأنّ التأجيل مكلف على عموم المواطنين، فإنّه سيكون مكلفا قبل ذلك على الأطراف المتسبّبة فيه. ولا مفرّ من تحديد المسؤولية في ذلك.

ويبقى الأهمّ في كل ما سبق، من تجاذبات حول التحوير أو تأجيل الانتخابات أو إقرار قانون للمصلحة، هو تداعيات ذلك على المشهد الوطني وعلى مواجهة التحدّي الاقتصادي والاجتماعي الذي يزداد سوءا. ففي الوقت الذي تبدو فيه البلاد في حاجة ماسّة إلى الاستقرار السياسي لإعطاء الزّخم اللازم للحرب المعلنة على الفساد، وللمضيّ في الإصلاحات الاقتصادية الكبرى ودعم المؤشرات الايجابية المسجلة خلال الثلاثية الأولى من العام، وتهيئة الأجواء للاستحقاق الوطني الهام المتّصل بالانتخابات المحلية لأوّل مرّة، في هذا الوقت تجتمع المؤشرات العديدة السابقة  لتحيل على بوادر أزمة سياسية في الأفق لن ينهيها التحوير الوزاري. فلم يعد سرّا استهداف  الشاهد وحكومته في بعض الأجندات، عاجلا أو آجلا، ومحاولة إنهاء التحالف بين حركتي النداء والنهضة في أخرى، والعمل على استبعاد بعض الأطراف من الحكم أو تعطيل مسار الانتفال الديمقراطي تنفيذا لأجندات أجنبية أحيانا. يثضاف إلى ذلك تداعيات الصعوبات الاقتصادية، سيما توازنات المالية العمومية التي تزداد تدهورا وترتفع صيحات فزع محذّرة من مخاطر اقتصادية واضطرابات اجتماعية صارت جديّة أكثر من أيّ وقت مضى. إذ يُتوقع عجز إضافي للميزانية يقدّر ب 2 مليار دينار سنة 2018 واستمرار تدهور قيمة الدينار وتراجع التصنيف الاقتصادي، وعدم استكمال الإصلاحات التي يشترطها صندوق النقد الدولي لاستمرار دعمه لتونس، وتأجيل الحسم في خيارات واختلافات غير خافية بين الحكومة واتحاد الشغل أساسا، وبين الأحزاب والمنظمات أيضا، وصدور تقارير خارجية تؤشر على استمرار الفساد بجم كبير ينال من مناخ الاستثمار.

هكذا تجتمع المؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لترسم صورة غير إيجابية عن المستقبل القريب لبلادنا، والذي تعدّ نسب التشاؤم المرتفعة في صفوف الشباب خاصة أحد عناوينها، ولنتبيّن حجم التحدّيات التي تجعلنا نوصّف مطلع السنة السياسية الجديدة بأنّها ضبابيّة ولا تخلو من مؤشرات توتّرات لم تعد مستبعدة. ومن قواعد القيادة الحكيمة حين تكون الطريق ضبابيّة،  أن نركّز الانتباه ونسير بحذر في الحدّ الأدنى.

محمد القوماني

 

L’image contient peut-être : 1 personne, texte


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>