فصل المقال فيما بين عبير ومن تقاطع مع أجندتها من اتّصال

        سقطت لائحة سحب الثقة من رئيس البرلمان راشد الغنوشي يوم عرفة. وكشفت أجواء الفترة الفاصلة بين تقديم اللائحة وموعد الجلسة العامة للتصوبيت عليها الخميس 30 حويلية 2020 وملابسات ردهات الجلسة وردود الأفعال تحت قبّة البرلمان وخارجه،  بعد إعلان نتيجة التصويت، والتصريحات والتعليقات والتحالبل اللاحقة داخل تونس وخارجا، كشفت جميعها حجم الرهان على هذا الحدث الذي شكّل محطّة بارزة في مسار الانتقال الديمقراطي ذات صلة وثيقة بما قبلها، وذات تداعيات على تشكيل المشهد السياسي بعدها في مستويات عديدة. ولمّا كان مطلب سحب الثقة من الغنوشي مطلب النائب عبير موسي وكتلنها الفاشية التي لا تخفي خطابها المعادي لحركة النهضة،  حتى غدا علامة مسجلة في أجندتها المستهدفة للمسار الديمقراطي لتونس بعد ثورة الحرية والكرامة، حقّ التساؤل عن أسباب تقاطع أحزاب وكتل برلمانية ونواب مخالفين لعبير وحزبها، مع أجندتها في إسقاط رئيس البرلمان واستبعاد حزب النهضة من المشهد الحكومي؟ وما هي آفاق هذا التقاطع الذي عبّر عنه 97 نائبا صوتوا مع سحب الثقة من الغنوشي مقابل أغلبية لم تدعم هذا التوجّه وقلبت نتيجة التصويت بالجلسة العامة إلى تجديد ثقة للغنوشي رئيسا لمجلس نواب الشعب قبل أن يدخل في عطلته السنوية؟ وما هي أهمّ تداعيات معركة يوم عرفة بالبرلمان على مستقبل المشهد الحكومي والسياسي عامة وموقع حركة النهضة فيه، التي ظلت دوما ضمن الأغلبية رغم كل محاولات عزلها سياسيا؟

        لم تكن جلسة سحب الثقة من رئيس البرلمان حدثا عابرا في الصراع السياسي، ولا مجرّد ردّ فعل على لائحة سحب الثقة من رئيس الحكومة، التي بادرت بها حركة النهضة وكتل أخرى ونواب مستقلون، وعجّلت باستقالة إلياس الفخاخ.  بل جاءت جلسة الخميس 30 جويلية 2020 تتويجا لمسار طويل، بدأته عبير موسي وكتلة الحزب الدستوري الحرّ، الذين أعلنوا مواجهة الغنوشي منذ اللحظات الأولى لانتخابه رئيسا لمجلس نواب الشعب، في 13نوفمبر 2019 ورفضوا أداء القسم وراءه مع بقية النواب. ظلّت عبير وعصابتها طوال مختلف الجلسات العامة يشاكسون رئيس المجلس ويستهدفون إرباكه وترذيل العمل البرلماني بتصرّفات “طفولية سياسية” بلغت حدّ إعلان ثلاثة اعتصامات ومحاولات احتلال منصة الجلسة العامة ومنع الرئيس ونائبيه من الجلوس بمقاعدهم، إضافة إلى الشعارات والهتافات واللافتات وسوء الأدب في مواجهة بقية الكتل والنواب  ومحاولات تعطيل العمل البرلماني.

        وقد سبقت جلسة سحب الثقة من الغنوشي حملات إعلامية داخلية وخارجية،مغرضة ومكثفة، ضدّه وضدّ حزب النهضة التي يترأسه. على غرار الدعوة إلى التحقيق في مصادر ثروة الغنوشي الخيالية المزعومة، والدعوة إلى الخروج إلى الشارع والاعتصام بباردو حتى حلّ البرلمان وتغيير النظام السياسي. علاوة على تكرار الخطاب الممجوج في اتهام النهضة وزعيمها بالإرهاب والتسفير والارتباط بمحاور إقليمية والسعي إلى الهيمنة على الدولة.

        كان الاهتمام الإعلامي الداخلي والخارجي، خاصة من بعض القنوات العربية، غير مسبوق، في متابعة جلسة حجب الثقة من الغنوشي. وكان منسوب التشنّج عاليا لدى الراغبين في ذلك من النواب، كما ظهر في اليومين السايقين للموعد. وكان الإصرار يوم الجلسة على إلغاء سرية الاقتراع وفرض توزيع أوراق التصويت على النواب قبل وضعها في الصندوق، بصفة فردية، وما صاحب ذلك من ضغوطات على العديد من النواب واغتصاب للأصوات وتصوير لأوراق التصويت، دليلا إضافيا على أهمية رهان إسقاط الغنوشي. وحين أُسقط في أيديهم وكشفت النتيجة عدم حصول لائحة سحب الثقة عن النصاب المطلوب 109 صوتا أو أكثر، ذُهل خصوم الغنوشي وراحوا يقلّلون من انتصاره عليهم وبقدّمون قراءات عجيبة في النتائج تفرّج عن بعض الوجع الذي أصابهم. وهذا ما يستوجب بعض التدقيق في مغالطاتهم التي لم تنجح في حجب  هذا الانتصار التاريخي للغنوشي على خصومه في الداخل والخارج، والذي تأثّر له إيجابيا، وكما لم يحصل من قبل، أنصار الحرية ومساندي الديمقراطية التونسية، في رحاب مجلس نواب الشعب وفي كامل أرجاء تونس وخارجها أيضا.   

        صوّت لصالح سحب الثقة 97 نائبا، وهذا الرقم على أهميته لا يقوم دليلا ولا يعدّ مؤشرا على تهديد فعلي للغنوشي ولا ارتفاع عدد خصومه كما يروّج البعض. فالذين حجبوا الثقة تقريبا هم نفسهم الذين لم يمنحوها من قبل في جلسة افتتاح الفترة النيابية الجديدة، التي فاز فيها الغنوشي على منافسيه ب123 صوتا من 217. وهذا مؤشر واضح على أنّ موازين القوى في البرلمان لم تتغيّر، وأنّ استهداف الغنوشي لم يؤت أُكله. ورغم حالة الانقسام والتشضّي التي أفرزتها انتخابات أكتوبر 2019، وصوبة حصول أغلبية برلمانية، فإنّ حركة النهضة ظلّت في الأغلبية، رغم حجم الاستهداف المهول لها وشيطنتها ومحاولة عزلها. وكانت النهضة منذ مدة قليلة نجحت في إسقاط لائحة عبير حول ليبيا في الجلسة العامة، وإسقاط لائحتها حول تصنيف الإخوان في مكتب المجلس. كما نجحت كتلة النهضة في حشد أغلبية لسحب الثقة من الفخفاخ مما اضطرّه للاستقالة، وإجبار المتردّدين في دعم الانتداب الاستثنائي لمن طالت بطالتهم والحالات الاجتماعية، وتمرير مقترح قانون خاص بهم عشية جلسة سحب الثقة بأغلبية غير مسبوقة في هذه الدورة. ولا أظنه خافيا، أنّ الأغلبية البرلمانية التي تشكّل النهضة أحد أطرافها، ستكون لها بصمتها الواضحة في تشكيل المشهد السياسي القادم.

        ولمّا كان سحب الثقة من رئيس مجلس نواب الشعب أو أحد نائبيه، حق يكفله النظام الداخلي للمجلس، فإنّ جلسة يوم عرفة 30 جويلية 2020 كانت محطّة جديدة لتألّق الديمقراطية التونسية. إذ كانت عنوانا بارزا على منسوب الحرية العالي في نقد المسؤولين مهما علا مقامهم، وإمكانية سحب صفة المسؤولية منهم. كما كانت مناسبة لتأكيد خيار صندوق الافتراع في حسم الشرعية وحلّ الخلافات بين الخصوم السياسيين. وهذا أحد أسباب قبول الغنوشي للتحدّي وذهابه للجلسة العامة رغم النواقص الشكلية في لائحة طلب سحب الثقة منه. وستظلّ تصريحاته بأنّه “لم يأت على ظهر دبابة” و”أنه لن يبق ساعة على رأس الرلمان غصبا عن أغلبية زملائه” و “أنّ إدارة مشاكل الديمقراطية أفضل من إدارة مشاكل الدكتاتورية”، ستظلّ شموعا مضيئة على طريف الديمقراطية التونسية مهما كانت نتائج المعارك السياسية بين المتنافسين.

        ويبقى من المهم جدا قبل غلق ملف سحب الثقة من رئيس البرلمان، لنفرغ لغيره من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الحارقة والأهم، أن نرفع اللبس الأخير في أجندة عبير ومن تقاطع معها من الفرقاء السياسيين. فمن الإجحاف وعدم الموضوعية بل من العمى السياسي الخلط بين حزب عبير الاستئصالي الفاشي المعادي للثورة والديمقراطية، والذي لا يخفي حنينه لماضي الاستبداد والفساد، وبين أحزاب أو شخصيات أخرى، بما في ذلك من عملوا ضمن المنظومة القديمة،  تقاطعت مع هذا الطرف في مناكفة حركة النهضة أو طلب سحب الثقة من الغنوشي، على غرار التيار الديمقراطي أو غيره من الأحزاب والكتل والشخصيات، الذين لا نشكّك في ديمقاطيتهم وانتصارهم للثورة وأهدافها. ومرة أخرى أستحضر قول الإمام علي “ليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه”.

        غير أنّ هذا التمييز الذي لا لبس فيه في الهوية الحزبية والمواقف، لن يعفي من تقاطعوا مع أجندة عبير ذات العلامة المسجلة، من التبعات السياسية لسكوتهم في الأغلب على أفعالها في ترذيل البرلمان ومحاولة تعطيله، ثم تواطئهم معها في تحقيق بعض مطالبها رغم الحرص الشكلي على التمايز الذي فضحت المواقف والصور زيفه.

        وأمّا وقد جلا غبار معركة يوم عرفة، وأخذ الجميع مسافة من الأحداث، وفي عطلة برلمانية مساعدة على المراجعة واستخلاص العبر، وأمام التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتعاظمة، ومخاطر عودة تهديدات كوفيد19، فإنّ الفاعلين دون استثناء مدعوّون لتغليب العقل والمصالح العليا للشعب وللوطن، لنجتمع على كلمة سواء. وإذا صحّ أنّ الضربة التي لا تقسم الظهر تقوّيه، فإنّ معارك الدورة البرلمانية المنقضية، خاصة الشخصية والحزبوية والتافهة منها، ألحقت ضربات موجعة بالجميع، وقد أنقصت من تثمين مجهود برلماني جبّار أكّدته الأرقام العنيدة في المقارنة بالفترة السابقة. ويظلّ الأمل معقودا في التعلّم من الأخطاء وتصحيح المسارات بما ينفع الناس. ومن حكمة الأوّلين مع بعض التصرّف: “يفعل الجاهل والأحمق بنفسه، ما لا يقدر على فعله به عدوّه”.                       

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 167، تونس  في 06 أوت 2020

    0 Comments

    No Comment.