غموض في العلاقة بين القصبة وقرطاج يلقي بظلال سلبية على المشهد العام

 

هل يرغب فعلا رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي في تغيير رئيس الحكومة يوسف الشاهد؟ هل قصد الشاهد في كلمته إلى التونسيين عقب تعليق الحوار حول وثيقة قرطاج2 إحراج الباجي وإجباره على الحياد بمهاجمة نجله حافظ قائد السبسي؟ هل كان رئيس الجمهورية موافقا على إقالة وزير الداخلية لطفي ابراهم؟ هل ظلّ الباجي ممسكا بكل خيوط المشهد السياسي بعد أن تعقّدت الأمور في مسار الحوار الذي أطلقه منذ مدّة في قرطاج2؟ هل تسير الأزمة السياسية المفتوحة نحو الحلّ القريب؟ أم تزداد الأزمة تعقيدا ويبدو التوافق متعذّرا؟ هل كسب الشاهد أم خسر نقاطا منذ أن صار الخلاف صريحا في النقطة 64 حول بقائه من عدمه؟ هل يُستأنف الحوار قريبا؟ وما هي حظوظ بقاء الشاهد على رأس الحكومة؟ والأهمّ من هذا كله ما هي تداعيات غموض  الإجابات عن هذه الأسئلة على المشهد السياسي العام وعلى حياة التونسيات والتونسيين؟

 

ذهبت أغلب التقديرات إلى أنّ رئيس الجمهورية كان يعمل على تكرار سيناريو إزاحة الحبيب الصيد حين جمع الأحزاب والمنظمات في حوار ما يُعرف بوثيقة قرطاجع2، لكنّ تطوّر مسار الحوار وسياقاته عدّلت من هذه القراءة. فالمعروف عن الباجي أنّه لا يفصح صراحة عن هدفه، وهذا ما حصل مع الحبيب الصيد نفسه، الذي لم يعلن الباجي رغبته في تغييره ولم يدعه إلى الاستقالة. وتركه لمصيره حين اختار بنفسه الذهاب إلى مجلس نواب الشعب لتجديد الثقة في حكومته فكانت المنتيجة المعروفة. وفي حالة الشاهد فإنّ الرئيس لا ينفكّ يؤكد أنّ تغيير رئيس الحكومة ليس من مشمولاته الدستورية. كما أنّ الملتقين به لا يجمعون على رأي واحد في نقل ما يستخلصون من حديثه. وقد ازداد تردّد أو غموض موقف رئيس الجمهورية حين عاين الانقسام في موقف المجتمعين بقرطاج2 من النقطة  64، وانقسام النواب بالبرلمان بما في ذلك نواب حزب نداء تونس  بين مُعارض أو مساند لبقاء الشاهد، بما يجعل حصول أغلبية غير مضمون في الحالتين. هذا إضافة  إلى تقدير الباجي لمعارضة حركة النهضة للتغيير داخليا وإلى ما يقال عن رغبة خارجية في تفضيل الاستقرار الحكومي لضمان التقدم في الإصلاحات الاقتصادية المتأكدة التي بدأها الشاهد.

 

لم يكن رئيس الحكومة يوسف الشاهد مرتاحا للحوار الذي انطلق في قرطاج2، خاصّة حين أصرّت بعض أطرافه على استبعاد مشاركة الطرف الحكومي وعلى عدم النظر أصلا  في الوثيقة التي أعدتها الحكومة بشأن الإصلاحات المستعجلة. وكان غريبا حقا أن يناقش  الخبراء الوضع الاقتصادي والاجتماعي ويقترحون الإجراءات الاستعجالية، والتي تبين أن جزءا هاما منها اتخذته الحكومة الحالية ويحتاج أحيانا إلى التفعيل فقط، في غياب الطرف الحكومي. ولمّا نظّمت الحكومة ندوة وطنية حول الإصلاحات قاطعها الاتحاد العام التونسي للشغل صراحة وكانت مشاركة الأحزاب فيها باهتة. لذلك حين انتهى حوار قرطاج إلى مأزق وأعلن رئيس الجمهورية تعليقه، سارع رئيس الحكومة إلى مخاطبة الشعب. فدافع عن منجزات حكومته وتحسّن بعض المؤشرات، وأكد على الحاجة إلى الاستقرار الحكومي لدعم مفاوضات الدولة التونسية مع الأطراف المانحة والمُقرضة والعزم على إنفاذ الإصلاحات الضرورية قبل نهاية السنة الحالية. وهاجم المدير التنفيذي لحزب نداء تونس الذي يطالب بتغيير عميق للحكومة في حين غازل رئيس الجمهورية واتحاد الشغل. وذكر بإعلان حكومته الحرب على الفساد وتصميمها على الاستمرار فيه مهما كانت التهديدات والمخاطر. ومن بعد أيام قليلة استغلّ غرق مركب “الحراقة” بقرقنة ليقيل قيادات أمنية ثم يعفي وزير الداخلية نفسه، الذي تعرف العلاقة معه توترا منذ مدة.

 

وقد اختلفت التقييمات والمواقف ممّا فعله الشاهد.  فرأى فيها البعض جرأة وخروجا من وضعية تبعية القصبة لقرطاج وتأكيدا لشخصية الشاهد القادر  على مسك البلاد حاضرا ومستقبلا، وقد كسب منها نقاطا سياسية ثمينة في رصيده. ورأى آخرون فيما أتاه الشاهد مؤخرا ردود أفعال غير محسوبة جيدا وتوترا يكشف عن ضعف في الخبرة السياسية وسوء تقدير من محيطه من الناصحين و”رقصة ديك مذبوح”  واستباقا لمصيره في مغادرة القصبة وإن تأجّل الأمر إلى حين.

 

لا أحد يستطيع الجزم بتقدير موقف أصوب من غيره، لأنّ العبرة في السياسة بالنتائج النهائية، والمعركة لم تحسم بعد. لكن بالتأكيد يمكن الجزم بتوتّر في العلاقة بين القصبة وقرطاج خلال الفترة الأخيرة، أو على الأقل بغموض لا يبعث على الارتياح ويلقي بظلال سلبية على المشهد العام. إذ لم يوفّّق الشاهد على ما يبدو في طمأنة الشعب كما كان مطلوبا منه في احتداد الأزمة السياسية بل زاد في حيرته بكلمته. كما أنّ إقالة وزير الداخلية، التي تدخل في صميم صلاحيات رئيس الحكومة،  فتحت على تأويلات عديدة وإشاعات ومعلومات خطيرة لم يتم نفيها أو تأكيدها رسميا، تتعلّق بأمن تونس وبسيناريوهات انقلابية مخيفة، تمّ إحباطها، فازدادت الحيرة. ولم تتأكد تزكية الباجي لما يفعله الشاهد من عدمها.

 

كما ازدادت التساؤلات حول الأجندة السياسية لمختلف الأطراف المعنية باستحقاقات انتخابات 2019 الرئاسية والتشريعية، ولم تخرج إقالة لطفي ابراهم عن هذا السياق.  ومن جهة أخرى فإنّ طموحات الشاهد الشخصية والمعارك السياسية التي أضمرها في كلمته لا تييح له التفرغ للملفات الاقتصادية والاجتماعية التي تتطلب منه النأي بنفسه وحكومته عن انتخابات 2019 كما تطلب منه الأطراف الداعمة له في حوار قرطاج. كما أنّ صراعه المعلن مع الأطراف المطالبة برحيله لا يساعد على الاستقرار السياسي والهدنة الاجتماعية في أفق موعد 2019. إضافة إلى أنّ الصراع بين أجنحة الحكم والدخول المبكر في الزمن الانتخابي لاستحقاق 2019،  عوامل غير مساعدة على توفير التوافقات الضرورية لتمرير الإصلاحات الكبرى بأقل تكلفة سياسية، وهي ذات آثار سلبية على البلاد عامة.

 

وإنّ ممّا يزيد المشهد تعقيدا ومخاوف، غموض استراتيجية الشاهد في مواجهة مستقبل التطورات، واستخدامه للصلاحيات الكبرى التي يمنحها له الدستور والحماية التي يوفرها له في موقعه وصعوبات إنهاء مهامه في المشهد البرلماني الحالي. إضافة إلى التباعد المُسجّل بين شريكي الحكم الرئيسيين النهضة والنداء وتصدّع التوافق بينهما الذي أمّن المسار في الفترة السابقة،  ناهيك عن غموض استراتيجية رئيس الجمهورية الذي يحتفظ بدور حاسم في توجيه الأمور قد لا يستند إلى صلاحياته الدستورية،  بقدر ما يستند إلى الكاريزمة الشخصية وأدواره المحتملة ومسكه بكثير من خيوط المشهد ماضيا وحاضرا ومستقبلا.

 

تحتبس الأنفاس ويتواصل الغموض حول أفق الأزمة السياسية خلال الأيام القليلة القادمة، بما لا يساعد مختلف الأطراف  على التحرّك بأريحية، وبما يعطّل عجلة الإدارة والاقتصاد، ولا يتيح مناخا إيجابيا عامّا ضروريا للأمل وحشد الطاقات للفعل الايجابي على مختلف المستويات في الداخل، وتشجيع الشركاء والمستثمرين في الخارج.  ويبقى الخطر الأكبر  أن تفتح الأزمة على تعطّل حادّ لمنظومة الحكم بما يجعل المطالبة بمراجعة الدستور مشروعة ومتأكدة، لكن في مرحلة لا تتيح الاستجابة لذلك، بما يزيد في تعقيد الأمور والتدحرج نحو المجهول. فهل تشهد أيام ما بعد عيد الفطر المبارك استئناف حوار قرطاج ولو بصيغة معدّلة لتطويق الأزمة قبل استفحالها؟ وهل ينجح رئيس الجمهورية بحنكته المعهودة في تجاوز الخلاف وجمع الكلمة على وثيقة قرطاج2 وتأمين مستقبل أفضل للمسار السياسي ومناخ أنسب للإصلاحات في أفق 2019؟ فاستمرار علاقة على نحو ما وصفنا بين رأسي السلطة التنفيذية غير ممكنة ولا مفيدة.  نأمل خيرا إن شاء الله  وعيد فطر مباركا وكلّ عام وأنتم أحسن حال.

  • منشور بالعد 61 من  جريدة الرأي العام، تونس في 14 جوان 2018

 


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>