طلب رأس الغنوشي: من الصراع السياسي إلى التصفية السياسية


جاءت تسريبات هذا الأسبوع للنائب محمد عمار، والتي سارع بإقرار صحّتها، لتؤكد مخاطر انزياح الصراع السياسي الذي يتيحه تنافس المختلفين، إلى التصفية السياسية الأقرب إلى معجم المتعادين. فبعد تصريح النائبة سامية عبو يأنّ رأس الغنوشي مطلوب قبل المشيشي، وبعد حصر عدد من السياسيين والإعلاميين، السبب الرئيسي فيما نجتازه من أزمة سياسية حادة في رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي، ودعوته إلى الاستقالة والخروج من الحياة السياسية نهائيا، كما عبّر عن ذلك مؤخرا وبوضوح رئيس حزب آفاق الفاضل عبد الكافي، عزّز حديث محمد عمار المنسوب العالي للحقد السياسي والأيديولوجي على الغنوشي واستباحة كل الوسائل لتصفيته سياسيا.

لا نجد حرجا في التعبير عن عدم ارتياحنا لأسلوب التسجيلات “المتحايلة” والتسريبات، المنتهج بصفة متواترة في الآونة الأخيرة، في المجال السياسي وغيره، والذي لا نراه من تقاليد العمل التنافسي، بل من أساليب العمل المخابراتي وتصفية الحسابات. وأقدّر بناء على معرفتي ببعض ما يتداول في كواليس السياسة، أنّ ما جاء في التسريبات المنسوبة للقيادي بحزب التيار الديمقراطي محمد عمار، لم يكشف معلومات جديدة، بقدر ما أعطى صبغة توثيقية للمتداول منها. وأنّ أهم ما يستحق التوقّف عنده هو العماء السياسي والأيديولوجي، الذي يجعل من استهداف النهضة ورئيسها هدفا يستبيح أعمالا بالغة الخطورة، من بينها العمل على تفكيك المنظومة القضائية أو اختراقها، وسجن نبيل القروي رئيس حزب قلب تونس واستهداف كتلته، وكذلك شراء الذمم في البرلمان ودفع الأموال الطائلة من أجل سبّ راشد الغنوشي رئيس مجلس نواب الشعب والإساءة إليه عبر مصدح البرلمان. وهو ما يعدّ سقوطا أخلاقيا وسياسيا بلا شك. هذا إضافة إلى توريط قصر قرطاج في التدخل غير المشروع في شؤون البرلمان والتآمر عليه، من خلال التنسيق مع نادية عكاشة مديرة الديوان الرئاسي، ليكون لقاء رئيس الجمهورية، ورؤية وجهه دون حجاب، مكافأة سياسية لمن يمضي على عريضة سحب الثقة من الغنوشي استنادا إلى أقوال النائب محمد عمار.

ولم يعد خافيا بعد الأحاديث المسرّبة عن رئيس الكتلة الديمقراطية المعارضة، أنّ لائحة سحب الثقة من الغنوشي التي يتمّ الاشتغال عليها للمرة الثانية في أقل من سنة، ذات خلفية سياسية، وتتنزل ضمن أجندة لا علاقة لها بتسيير مجلس نواب الشعب ولا بأولوياته ولا بتحسين أدائه. وليس أدلّ على ذلك من مقايضة كتلة قلب تونس برئاسة سميرة الشواشي لمجلس نواب الشعب مُقابل إسقاط الغنوش، وهي النائب الأول لرئيس البرلمان والتي تدير أغلب الجلسات العامة. وهذا ما يكشف أيضا ازدواجية الخطاب والسقوط الأخلاقي لمن يطلبون رأس الغنوشي. فتهمة “الفساد” لاستبعاد قلب تونس، مشروطة بالموقف من الغنوشي. فإذا ساند قلب تونس بقاء الغنوشي على رأس البرلمان فهو فاسد ومرفوض، وإذا قبل إمضاء لائحة سحب الثقة، فإنّه يصير مقبولا في “المنتدى الديمقراطي الحداثي النظيف”.

ويدفع العماء السياسي والأيديولوجي ببعض “الثورجيين” والعداوة التي تبديها أفواههم، إلى مدّ أيديهم للفاشية والتآمر في السرّ والعلن مع عبير موسي وكتلة الدستوري الحرّ، من أجل الإطاحة بالغنوشي من رئاسة البرلمان وعزل حركة النهضة. وتلك ازدواجية أخرى، لا تبرّرها التكتيكات والاستخدام “المؤقت” لعبير وكتلتها في مواجهة النهضة والتخلص منها لاحقا. وما نُسب لمحمد عمار في هذا الشأن، سبق أن صرح به قبل ذلك محمد عبو وسامية عبو أكثر من مرة. ولعلّ تلك السياسات كانت وراء الاستقالة المدوّية لغازي الشواشي الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي.

      يطرح استهداف الغنوشي في كلّ مرة، خارج النهضة وداخلها، سؤال هل كانت رئاسة الغنوشي للبرلمان خطأ؟ وهل تساعد استقالته على تجاوز التوتّر في البرلمان خاصة وفي الساحة السياسية عموما؟ وللجواب عن السؤالين الآنفين وجب التذكير بأنه لم يكن سهلا البتّة انتخاب زعيم حركة النهضة على رأس البرلمان المنبثق عن تشريعية نهاية 2019، الذي وُصف بالبرلمان المتشظّي، والذي حلّت فيه كتلة النهضة بالمرتبة الأولى بأقلّ من ربع أعضائه. وقد شهد الجميع بقدرة زعيم حزب النهضة على نسج تحالف مع غريمه حزب قلب تونس، لتكون رئاسة مجلس نواب الشعب للنهضة وتكون النيابة الأولى للرئيس لقلب تونس. ويتأكّد الآن بعد مسافة زمنية وعاطفية عن الحدث، أنّ التحالف البرلماني الذي مكّن الغنوشي من رئاسة البرلمان، وحده القادر على ضمان استقرار البرلمان واستقرار الحكم. وأنّ ما كان مرفوضا بالأمس صار مطلبا ملحّا اليوم. إذ لموازين القوى أحكامها.

      وعلاوة على الاستقرار البرلماني والحكومي الذين أشرنا إليهما، يتبيّن اليوم بلا شكّ، أنّ رئاسة الغنوشي للبرلمان، قد خلقت التوازن المطلوب بين مؤسسات الحكم الأساسية في قرطاج وباردو والقصبة. فأمام الشرعية الانتخابية الواسعة والرمزية التي حظى بها رئيس الجمهورية، وفي ظلّ الصلاحيات التنفيذية الكبيرة التي يمنحها الدستور لرئيس الحكومة، كان لا بدّ من شخصية قوية وكاريزما بحجم الغنوشي لخلق التوازن وردّ الاعتبار للسلطة الأصلية بباردو في نظام سياسي شبه برلماني. إذ من الصعب جدّا خلق مثل هذا التوازن بشخصية أخرى من بين نواب الشعب الحاليين، مع حفظ مقامات الجميع.

       فالغنوشي رئيس الحزب الأول بالبرلمان، وصاحب نصف القرن من الخبرة السياسية الذي تأقلم مع أوضاع مختلفة ومعقدة،  والزعيم ذو العلاقات الممتدة في الداخل والخارج، والحامل لخطاب وطني جامع والداعي إلى التوافق والمصالحة التاريخية الشاملة، وهو إضافة إلى كلّ ذلك، المعارض التاريخي والشريك في الحكم، رمز التصالح بين الدولة والثورة ومكاسب الجمهورية وقيم الديمقراطية. وقد عزّز الغنوشي موقعه السياسي وأبان عن جدارته بإحدى الرئاسات الثلاث من خلال علاقاته الخارجية أيضا التي تشهد بها اللقاءات الديبلوماسية المكثّفة والنوعية  التي يعرفها مكتبه. وتلك مؤشرات إيجابية على مقبولية الغنوشي خارجيا على رأس البرلمان التونسي، وفرص للاستفادة من مكانته وعلاقاته بما يخدم الاقتصاد الوطني والمصالح التونسية عامة.

      ولهذه الأسباب ولغيرها يتمّ استهداف رئاسة الغنوشي للبرلمان من جهات داخلية وخارجية عديدة. فالمناكفون للنهضة لأسباب أيديولودية والذين يضيرهم نجاحها، والذين لم يُشفوا من مرض كره النهضة وعدم القبول بها في المشهد الوطني والرغبة في استئصالها، والذين يعملون بالوكالة لفائدة الغير، من أجل إفشال المسار الديمقراطي في تونس  ومحاصرة التجربة الاستثنائية، هؤلاء جميعا يتقاطعون في استهداف الغنوشي ومحاولة إرباك البرلمان وإعطاء أسوأ صورة عنه.

      فليس استهداف الغنوشي المتجدّد سوى تجليا لصعوبات المسار الديمقراطي ببلادنا، واستمرار البعض على نهج الإقصاء والاستثناء، الذي صادر حق حزب النهضة في المشاركة السياسية قبل الثورة، ولا يزال بعد 2011 يحتكر الدولة، وكأنّها “تركة”. ويعتبر وجود النهضويين بمؤسساتها “محاولة اختراق لأجهزتها”. وهذا جوهر الخلاف السياسي مع الإقصائيين فعلا، الذين يكثفون استهدافهم لوجود حزب النهضة  في مشهد الحكم، من خلال استهداف زعيم النهضة، الذين ضاقوا ذرعا بوجوده عل رأس أحد مراكز السلطة الرئيسية، منذ انتخابه من الأغلبية رئيسا لمجلس نواب الشعب.

      ولكل ما سبق وغيره نقدّر أنّه لم يكن ترشيح النهضة لزعيمها لرئاسة البرلمان خطأ بأيّ وجه من الوجوه، بل كان خيارا بالغ الدلالة والرسالة. ومهما كانت النقائص التي لا يخلو منها عمل، فإنّ وجود الغنوشي على رأس البرلمان يظلّ مكسبا للنهضة ولتونس وللتجربة الديمقراطية الناشئة.  فالبرلمان عنوان سيادة الشعب، ومشاركة النهضة، في الحكم أحد المؤشرات القويّة على حصول ثورة وانتقال ديمقراطي. وهذا يفرح الكثيرين ويغيض البعض. وفقط للاعتبار نقول أنّ “عركة المطار” التي تلت “التسريبات” على أهمية دلالاتها، لا يجب أن تُلهينا عن التداعيات الخطيرة ل” ثرثرة عمار” التي ألحقت ضررا بالغا بالتيار. “وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ”.

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 198، تونس  في  18 مارس 2021  

   

    0 Comments

    No Comment.