صدمة نتائج دائرة ألمانيا.. لنفهم ما جرى ولا نستعجل النهايات

جريدة الرأي العام، العدد 36، تونس في 21 ديسمبر 2017

أسفرت النتائج الأوّلية للانتخابات الجزئية التونسية لسدّ الشّغور بمجلس نوّاب الشعب في دائرة ألمانيا، عن فوز مرشّح قائمة الأمل المستقلة ياسين العياري بالمقعد الوحيد بالدائرة، بحصوله على 284 صوتا، والذي تقدّم عن مرشح حركة نداء تونس والمدعوم من حركة النهضة، فيصل حاج طيّب الحاصل على 253 صوتا. ولم تتجاوز نسبة المشاركة بهذه الانتخابات5.02 بالمائة. وكانت هذه النتيجة مفاجئة وصادمة، بما جعلها تحوز من المتنافسين فيها والمتابعين وسائر التونسيين، باهتمام فاق الاهتمام بالانتخابات نفسها. وقد تكون لهذه الانتخابات الجزئية بأصغر دائرة انتخابية، تداعيات كبرى على المشهد السياسي الوطني والاستحقاقات الانتخابية الوطنية القادمة. وفيما يلي عشر نقاط أساسيّة في محاولة فهم ما جرى وأهمّ الاستخلاصات السياسية المتّصلة بذلك:

1 ـ لم يُحسن النداء تقدير الموقف جيّدا وكانت معطياته عن القاعدة الانتخابية بدائرة ألمانيا غير محيّنة، فاطمأنّ إلى رصيده في انتخابات 2014، مُغفلا تغيّر السياق والمعطيات، كما عوّل أكثر من اللزوم على حليفه حركة النهضة، التي وقعت في نفس الخطأ تقريبا. وتفاجأ الجميع بنسبة المشاركة الضئيلة جدّا والتأثيرات السلبية للخلافات الداخلية.

2 ـ تسبّبت انقسامات نداء تونس في تشتيت واضح ومؤثر لقاعدته الانتخابية في 2014، ولعب حزب مشروع تونس خاصّة، وأمينه العام محسن مرزوق الذي رابط بألمانيا وألقى بكل ثقله، دورا حاسما في إضعاف مرشّح النداء وفوز ياسين العياري. فقد افتك المشروع جزءا مهمّا من الماكينة الانتخابية للنداء وشنّ حملة على الحزب ومرشحه وأخذ ثلث أصوات من شاركوا من القاعدة الندائية. هذا إضافة إلى تأثير مرشّحين آخرين من المنشقين عن النداء.

3 ـ لا يخطئ المتابع الأثر الحاسم للخلافات الداخلية التي امتدت إلى ألمانيا في هزيمة النداء. فالغالبية من منخرطيه لم يذهبوا للتصويت أصلا ومن شاركوا لم يتأكد تصويتهم جميعا لمرشح حزبهم. ويكفي أن يذكر الندائيون أنّ أكثر من 500 من أنصار الحزب حضروا اجتماعا لحافظ قائد السبسي أثناء الحملة الانتخابية، لنتساءل عن أثرهم في التصويت. ولا يستبعد البعض إرادة في هزم النداء من داخله لتصفية حسابات مع القيادة أو الضغط لتغيير الخط السياسي. كم لا يُستبعد أثر الخلاف حول سياسة التوافق داخل النداء وداخل النهضة أيضا في الهزيمة الحاصلة.

4 ـ إنّ التوافق الحاصل بين الزعيمين السبسي والغنوشي والمكرّس لاحقا بين حزبي النداء والنهضة في البرلمان والحكومة، يُختبر لأوّل مرّة داخل القواعد والجمهور الانتخابي للحزبين، ولا شكّ أنّ لهذه التجربة الأولى نواقصها وصعوباتها التي أثّرت على الجدوى والنتائج. والتي تحتاج للمعالجة مستقبلا.

5 ـ إنّ فوزا مفاجئا لمرشح مستقل، مهما كان ومهما اختلفنا معه، ودخوله البرلمان بالحصول على 284 صوتا فقط، يمكن اعتباره “فلتة” على غرار”نواب الصدفة” في المجلس الوطني التأسيسي. فقد تكون المنافسة تركّزت بين أحزاب بعينها ولم تنتبه إلى مثل هذه المفاجأة. مثلما استفاد نواب التأسيسي من حسن الجوار في القائمات. لكن هذا الفوز لشاب مستقل يبعث برسائل إيجابية لا يمكن إنكارها، من بينها أنّ الانتخابات التونسية شفّافة وغير معلومة النتائج مسبقا وأنّ الأمل في الفوز متاح لكافّة المترشحين، وهذا من شأنه أن يشجّع الشباب خاصة على المشاركة مستقبلا.

6 ـ إنّ نسبة المشاركة الضئيلة جدّا، والمخيفة، مهما كانت أسبابها الموضوعية مثل غياب الرهان القويّ والتنافس المثير، على غرار انتخابات 2011 و2014 ، أو صعوبات التنقل لمراكز اقتراع بعيدة تقلّصت من 14 إلى 04 فقط وفي طقس بارد جدّا، أو المناخ السياسي السلبي وضعف التعبئة في الإعلام وأنشطة الأحزاب والجمعيات، مهما كانت أسبابها فهي تظلّ نسبة تبعث برسائل خطيرة، وأهمّها انعكاسات ذلك سلبيا على مستقبل الاستثمار المالي من الدولة التونسية أو الدول والهيئات الداعمة للتجربة التونسية، في الانتخابات والديمقراطية، والتي يتبيّن من خلال هذا المؤشر أنها لا تهمّ سوى نخبة أقلية (5 بالمائة فقط). فضلا عمّا تعكسه من مزاج سياسي سلبي لدى عموم الناخبين. وأخطر ما في الأمر أن تلك النسبة لا تضمن حماية مسار الانتقال الديمقراطي.فالشعب أهمّ حام لديمقراطيته.

7 ـ اتّجاهات التصويت في دائرة ألمانيا تعكس المُهجة المثالية والراديكالية أيضا لدى التونسيين بالمهجر. وهذا جزء من ضعف تواصل الدولة والأحزاب معهم وتأثّرهم بالعالم الافتراضي أكثر من تعقيدات الواقع التونسي وتحدياته. وهذا المعطى لم يحسن أنصار التوافق التعامل معه، ويحتاج إلى مراجعة.

8 ـ أصدرت حركة نداء تونس بيانا اعترفت فيه بالنتائج الأوّلية للانتخابات وضمّنته رسائل، أهمّها أنّ حزب النداء صمّام أمان ضدّ “مصالح القوى الفوضوية المتطرفة” وضامن “للتوازن المجتمعي والاستقرار والدولة المدنية والحداثة”. وأنّ هذه النتيجة ستكون إعلانا “للانطلاق في مسار الإصلاح الهيكلي الداخلي للحزب”. كما أعلنت أنها “ستقوم بالمراجعات الشجاعة والضرورية في علاقتها مع بعض الأطراف السياسية وتفوض لاجتماع هياكلها المزمع عقده يومي 23 و24 ديسمبر الجاري اتخاذ القرارات المناسبة في الغرض”. وكان هذا البيان منتظرا لامتصاص نتائج صادمة وإعلان العزم على تصحيح الأخطاء التي يُعتقد أنها سبب الهزيمة. فللانتخابات أعراسها وجراحها. وتبدو المراجعات مشروعة وهامة، خاصّة في تحميل المسؤولية وعلاقة تغيير الخط السياسي بتغيير القيادة، وفي علاقتها بالاستحقاقات الانتخابية القادمة.

9 ـ سارع بعض الإعلاميين والسياسيين والمتابعين، استنادا إلى البيان المذكور وتصريحات لقيادات ندائية، إلى الترويج إلى وشك فضّ الشراكة بين النداء والنهضة وإنهاء التوافق. وتبدو هذه الاستنتاجات أقرب إلى التعبير عن أماني أصحابها أكثر مما تستند إلى حقائق الواقع. فالتوافق لم يكن يوما مسألة مزاجية، بل خيارا سياسيا واعيا ومسؤولا، أملته سياقات الانتقال الديمقراطي واقتضاه النظام السياسي والقانون الانتخابي وبيّن نجاعته وأثره الإيجابي على البلاد وعلى الحزبين فضلا عما يلقاه من استحسان ودعم إقليمي ودولي. ومثل هذا الخيار لا يُلغى بالسرعة التي يتمناها البعض ولا تفسخه نتائج جزئية في أصغر دائرة انتخابية. كما أنّ تصريحات الناطق الرسمي باسم النداء أشارت بوضوح إلى أنّ المراجعة لن تشمل العلاقة بالنهضة في الحكومة والبرلمان وإنما تتصل بجوانب سياسية تشمل النهضة وأحزاب أخرى.

10 ـ تتضارب تصريحات الندائيين في تفسير أسباب الهزيمة في علاقة بحركة النهضة، بين من يردّ النتيجة إلى وضع داخلي للنداء أو تآمر على قيادته أو غضب على سياسته، ومن يتّهم حزب النهضة الشريك بالخذلان أو “معاقبة النداء”. بين من يشكر قيادة النهضة على موقفها التضامني ومن يتّهمها بالمراوغة. بين من يُحمّل قيادة النهضة المسؤولية ومن يردّ الأمر إلى عصيان القاعدة أو تمرّدها على قرار دعم مرشح النداء. وفي اتتظار تبيّن الحقائق والابتعاد عن مؤثرات ردود الأفعال الفورية، تبدو تصريحات النهضويين هادئة ورصينة، تأسف للنتيجة وتتفهم ردود الشريك على ما حصل، وتقرّ ببعض المسؤولية وتعكف مؤسساتها على دراسة العملية في مختلف جوانبها وتداعياتها على المشهد السياسي والاستحقاقات الانتخابية القادمة.

يُقال في المثل “رُبّ ضارّة نافعة”، فهل تكون الصدمة “الألمانية” فرصة سانحة لحسن الاستعداد لما يليها من استحقاقات انتخابية؟

محمد القوماني
https://scontent.ftun3-1.fna.fbcdn.net/v/t1.0-9/19959081_1767711916585918_1080925661082054857_n.jpg?oh=72c338794a18e8a48770f6b15ee47995&oe=5ACBA8B8


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>