زلزال أزمة سياسية يضرب البرلمان.. فما هي ارتداداته؟

ما انتهت إليه الجلسة العامّة بالبرلمان مساء السبت 26 مارس 2018 حول التمديد لهيئة الحقيقة والكرامة، يعدّ إعلانا رسميا عن أزمة سياسية مؤسّساتيّة عنوانها الأبرز فقدان الأغلبية. وقد عزّزت المواجهات الكلامية وبعض الاشتباكات ليومي السبت والإثنين، ما ساد من أجواء توتّر بمجلس نواب الشعب وما بعث به من رسائل سلبية خلال الأيام الأخيرة، بمناسبة انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية أو جلسة الحوار مع الحكومة، لتجتمع مؤشرات قويّة على أنّ زلزال الأزمة السياسية الذي ضرب البرلمان ستكون له ارتدادات على سائر المشهد السياسي. فملامح الأزمة المفتوحة التي تلوح في الأفق، تهدّد ما تحقّق من مكاسب على طريق الانتقال الديمقراطي وقد تُعسّر معالجة وضع حكومي مأزوم وأوضاع اقتصادية واجتماعية يتفق الجميع على أنها بلغت مستويات من الخطورة والتعقيدات غير مسبوقة. وقد تُلقي الأزمة بظلالها على مناخ الاستحقاق الانتخابي للبلديات التي تنطلق حملتها الانتخابية بعد نصف شهر.

فقدان الأغلبية بالبرلمان عنوان رسمي لأزمة سياسية.

بصرف النظر عن الخلاف في تأويل الفصل 18 من القانون الأساسي للعدالة الانتقالية وعمّن تعود له سلطة التمديد لهيئة الحقيقة والمكرامة، وعن الخلاف في صلاحية مكتب مجلس نواب الشعب في إقرار التصويت على التمديد في جلسة عامة دون العودة إليها في أصل الخلاف، وهل من مشمولات مجلس تشريعي أن ينظر في قرارات بدل مشاريع قوانين؟، بصرف النظر عن كلّ هذه الخلافات القانونية في شرعية الجلسة العامة التي استمعنا إلى مرافعات متباينة حولها من النواب، وببعض منابر الإعلام، فإنّ قرار رئيس المجلس السيد محمد الناصر بالمرور مباشرة إلى التصويت على التمديد من عدمه، كان قرارا غير مسبوق، وأحدث شرخا كبيرا بالمجلس. فما سُمّي “مرورا بالقوة” إلى التصويت فور استكمال مداخلات النواب، دون التصويت على أصل الموضوع الخلافي ودون تحديد المطلوب بدقة فيما يتعلق بالسؤال والنصاب المطلوب في التصويت، ودون إفساح فرصة للتشاور مع الكتل، وأمام انسحاب أكبر كتلة وكتل وأعضاء آخرين، سيتغذّى علاقة متوتّرة بين الكتل وخاصة بين رئيس المجلس وعدد كبير من النواب والذي بلغ حدّة وتجاوزات من الطرفين، ليصنع أزمة ستكون لها تداعياتها السلبية على مستقبل عمل المؤسسة فيما تبقى من عهدتها النيابية.

ويبقى الأهمّ في التصويت الحاصل، إضافة إلى الطعون في شرعية الجلسة، هو عدم حصول أغلبية قانونية في رفض التمديد لهيئة الحقيقة والكرامة. فمن عارضوا التمديد لم يحصلوا على أغلبية تؤيدهم، ومن فضّلوا الانسحاب ومقاطعة التصويت لم يكونوا أيضا متأكدين من أغلبية تسندهم. وهكذا اشترك الجميع في دفع الأمور إلى زلزال أزمة سياسية لن يتحكّموا في ارتداداته، كما لم يتحكّموا في مسار الجلسة التي عُقدت للغرض وحصل فيها انفلات غير متوقّع. ومن جهة أخرى فإنّ الخلل الأساسي الذي لم يتحسّب له رئيس المجلس والمؤيدون له، هو أنّه لا معنى لتصويت يشارك فيه أقلّ من العدد الكافي لحصول النصاب الأدنى لأيّ تصويت وهو 73 صوتا. إذ في وضعية الحال لم يشارك في التصويت سوى 65 نائب، أي أقلّ من نصاب الحضور وأقل من الأغلبية المطلوبة. وقد سبق في المجلس أكثر من مرّة، اعتبار التصويت الذي يشارك فيه أقل من 73 في قانون عادي أو أقل من 109 في قانون أساسي كأنّه لم يكن. وهذا ما يجعل هذا التصويت “في حكم المعدوم” كما دوّن النائب الحبيب خضر، أي كأنّ المجلس لم يقرّر شيئا بشأن موضوع التمديد. وهذا دون اعتبار موقف هيئة الحقيقة والكرامة من هذا التصويت واحتمالات مواجهتها له واستمرارها في مهمتها بعد نهاية ماي القادم. وإذا استمرّت لاحقا أزمة حصول النصاب في الحضور او التصويت، على غرار ما شهدته برلمانات دول عربية أخرى على غرار العراق ولبنان وليبيا، نكون فعلا إزاء أزمة سياسية حادّة تعبيرتها تعطيل عمل مجلس نواب الشعب، بتعذّر الأغلبية لأيّ طرف لأوّل مرّة.

انهاء التوافق وهدم المكاسب

حين تتعذّر الأغلبية في المجلس فإنّ ذلك سيؤثر على بقية المشهد السياسي باتجاه التأزيم والانسداد. فعلى سبيل الذكر لا الحصر سيتعذّر تمرير قانون الجماعات المحلية، على الأقل بالسرعة المطلوبة. وسيُرحّل موضوع المحكمة الدستورية وبقية الهيئات التعديلية التي نصّ عيها الباب السادس من الدستور. وستجد الحكومة صعوبات في تمرير مشاريع القوانين. وإذا استقال رئيس الحكومة أو دُفع إلى ذلك من أطراف وثيقة قرطاج، سيكون من الصعب تحقيق أغلبية لحكومة جديدة، ممّا قد يدفع إلى حلّ مجلس نواب الشعب واستتباعات ذلك. وحينها سندرك فضل التوافق الحاصل بين النهضة والنداء أساسا، في تأمين الاستقرار السياسي ودفع مسار الانتقال الديمقراطي رغم الصعوبات.

لقد هزّت الملاسنات بين بعض نواب النهضة والنداء، عناصر الثقة والتفاهم التي بُنيت بين الطرفين بصعوبة وعلى مدى سنوات خلت. وأظهرت الاستعادة السريعة لمعجم ما قبل التوافق في تبادل الاتّهامات والإسفاف في الخطاب أحيانا، هشاشة التوافق الذي بدا “صبعين والحق الطين” كما في المثل العامي التونسي.

توقّف مسار العدالة الانتقالية والتشكيك في المسار الديمقراطي.

لا نكشف سرّا حين نقول أنّ المأزق الحالي لمسار العدالة الانتقالية نتيجة لمرحلة سابقة وليس تدشينا لمرحلة جديدة كما يذهب البعض. فقد تأسّس المسار في توازنات سياسية لما بعد 2011 وبدأ العمل به في توازنات جديدة مختلفة ما بعد 2014. وفي المأزق الحالي تدفع حركة النهضة فاتورة أخطائها في تأخير المسار وفي تركيبة هيئة الحقيقة والكرامة زمن حكم “الترويكا”. وتدفع السيدة سهام بن سدرين فاتورة سوء إدارتها للهيئة واستعدائها للأطراف التي يُفترض أن تبحث عن مصالحة بينهم، فقد تعقّدت خصوماتها وتوتّرت علاقاتها مع الضحايا والمتّهمين في آن. ويدفع نداء تونس ومشتقاته فاتورة التردّد في دعم هذا المسار والتعامل معه من موقع الريبة والتشكيك واعتماد مكيالين مع مقتضيات المصالحة الإدارية ومتطلبات العدالة الانتقالية. ولا ننسى بالطبع مزايدات كلّ الأطراف بالمجلس الوطني التأسيسي التي جعلت المهمّة شبه مستحيلة حين أقرّت مسح انتهاكات فترة تمتدّ من 1955 إلى 2013 خلال أربع سنوات.

لكن مهما كانت أخطاء أيّ طرف ومسؤوليته في تعثّر المسار، فإنّ إيقاف العملية قبل استكمال شوطها الأخير، ورفض التمديد بستّة أشهر للهيئة، سيُلتقط سلبيا من المتابعين للانتقال الديمقراطي بتونس، خاصّة من منظمات حقوق الإنسان، وسيبعث برسائل سلبية إضافية عن التجربة التونسية التي يتمّ الترويج إليها على أنّها استثناء، وتمرّ في هذه الفترة بصعوبات جمّة.

أمل

ليست المشكلة فيمن يتحمّل المسؤولية فيما حصل، على أهميّة ذلك في التقييم والمحاسبة، بل الأهمّ من ذلك البحث عن حلول لتجاوز مأزق العدالة الانتقالية باعتبارها شرطا لا غنى عنه لمصالحة وطنية شاملة متأكدة، لا اطمئنان على مسار الانتقال الديمقراطي دون تحقيقها. ورغم التشديد على خطورة ما حصل، فإنّ المستقبل لا يعدم أملا في الحدّ من ارتدادات زلزال الأزمة السياسية الناجمة عن الخلاف حول هيئة الحقيقة الكرامة. ولا نستبعد خلال فترة قريبة مبادرات شجاعة للتوافق على صيغة لاستكمال مسار العدالة الانتقالية وإنقاذ أفق التجربة التونسية، في مرحلة دقيقة عشية انتخابات محلية يحرص الحزبان الأساسان المتنافسان فيها على إنجازها في موعدها، ويدرك كلّ طرف حاجته للآخر في مواجهة تحدّيات ينوء بحملها وحده.
محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 50، تونس في 29 مارس 2018

https://scontent.ftun3-1.fna.fbcdn.net/v/t1.0-9/29597230_1873330132690762_9036774608725239289_n.jpg?oh=739a5c83b64d877833d25ad8c420140b&oe=5B71BF4D


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>