حوار جريدة الصحوة في 25 مارس 2015: المعركة مع آفة الارهاب مازالت طويلة


حوار جريدة الصحوة مع السيد محمد القوماني

25 مارس 2015

حاوره: منير بلغيث 

  .  المعركة مع آفة الارهاب مازالت طويلة وننتظر سقوط المزيد من الضحايا على درب تحرير البلاد من هذا الاخطبوط

  • المعالجات الامنية عاجزة لوحدها عن استئصال هذه الظاهرة من جذورها لان جزءا من روافد الارهاب قادم من انسداد العملية السياسية في البلاد العربية
  • ندعي الوحدة ولا نمارسها وهو ما يتطلب مصالحة ثقافية حقيقية لكي نصل الى هذه الوحدة المنشودة والتي يطلبها الجميع
  • حل الحزب لا يعني الانسحاب من الحياة السياسية فنحن تخلينا عن هذا الاطار للبحث عن إطار أنجع

 

ما شهدته تونس الاسبوع الماضي من عملية إرهابية  تعتبر إعلانا ضمنيا عن انطلاق مرحلة جديدة من العمل الارهابي داخل البلاد، ثم الاعلان عن حل حزب الاصلاح والتنمية لمؤسسه وأمينه العام السيد محمد القوماني، حدثان جعل جريدة الصحوة تجري معه هذا الحوار للوقوف على  رؤيته لما يحصل من عملية إرهابية في تونس وخارجها وآخر مستجداته السياسية بعد قرار حل حزبه أو زورقه كما يعبر، فكان لنا معه الحوار التالي:

  • كيف تفسرون ما وقع أخيرا في متحف باردو، وهل كان تعامل الدولة في مستوى بشاعة العملية؟

الجريمة الارهابية التي استهدفت السياح في متحف باردو يوم الاربعاء الماضي، هي عملية نوعية من ضمن العمليات الارهابية التي تستهدف تونس، وهي عملية انتقل من خلالها العمل الارهابي من الجبال الى المدن، فبعد العمليات المحدودة التي كانوا يقومون بها في الجبال والقرى المجاورة لها هذه المرة الارهاب يضرب قلب العاصمة وبجانب مقر سيادي بعد عمليتي اغتيال الشهيدين شكري بلعيد والبراهمي،  بهذه العملية وصل الارهاب في تونس الى مرحلة خطيرة يهدد استقرار البلاد ويقوض كل مكتسباتنا التي حققناها طيلة العقود الماضية.

هذه الوضعية لا يمكن فهمها بمعزل عما يقع في الوطن العربي والموجة الارهابية التي تستهدف ثورات الربيع العربي، وقد انطلق فعلها منذ إعلان الحرب على سوريا وتدفق آلاف المقاتلين هناك لتقويض أركان الدولة السورية التي كانت تحرس بوابة الجولان من الكيان الصهيوني، ثم تدرج الامر الى اليمن ثم ليبيا، وربما يكون هذا مقدمة لتطبيق ما يسمى الشرق الاوسط الجديد، مستغلة بذلك حالة التفكك التي تعيشها بعض الدول والمجتمعات العربية بنفخ نار الطائفية والقبلية وإشعال المنطقة بحروب داخلية تنتهي بتقسيم المنطقة وما يتماشى ومصالحها، وما داعش أو النصرة إلا الذراع التنفيذي لهذا المخطط المرسوم بإتقان. فالإرهاب يدمّر ولا يبني، وأعتقد أنّ الارهاب المتستر بلباس الدين يخفي وراءه أجندة سياسية معقدة، وهنا أؤكد أن تونس الثورة مستهدفة والارهاب أحد الأذرع التي تستعملها هذه القوى للقضاء على كامل المسار الديمقراطي التي تعيشه البلاد بالاعتماد على بالونات رجال الأعمال  والتهريب، وأتمنى كبقية الشعب أن تكون هذه آخر الضحايا التي تسقط، لكن المنطق يقول أن المعركة مع آفة الارهاب مازالت طويلة وننتظر سقوط المزيد من الضحايا على درب تحرير البلاد من هذا الاخطبوط، ويبقى السؤال الذي يحيرني شخصيا من أين هذا التمويل البشري لهذه الجماعات فأحد منفذي الهجوم الاخير يقال أنه لا تظهر عليه مظاهر التشدد بتاتا ورغم ذلك يضحون بأنفسهم ويقدمون على تنفيذ مثل هذه العمليات رغم معرفتهم أنهم سيلقون حتفهم، وهو أمر يستدعي البحث في أسبابه وتداعياته وبالتالي المعالجة لا يمكن أن تكون أمنية فقط.

  • كيف تقيّمون تعاطي التونسي والعربي مع ظاهرة الارهاب وهل بمقدورها أن تقضي على هذه الظاهرة ؟

الارهاب في وجهه الحامل للسلاح ضد الدولة والمجتمع يحتاج الى معالجة أمنية بالضرورة وهو ما يتطلب تدعيم مجهودات جيشنا وأمننا الوطنيين بالمعدات اللازمة، فأنا سمعت من أحد المحللين الامنيين أن الارهابي الواحد يتطلب 25 أمنيا للقضاء عليه، ولنا في التجارب السابقة خير دليل فالولايات المتحدة الامريكية بعتادها وقواتها عجزت في أكثر من مرة في التصدي لهم وأجبرت على تغيير خططها الامنية أكثر من مرة، وخروجها من العراق وأفغانستان كان في جزء كبير منه نتيجة للخسائر الكبيرة التي تكبدتها على يد هذه الجماعات الارهابية من تنظيم القاعدة وصولا الى داعش، وقد وصل الارهاب الى قلب نيويورك حينما استهدف برجي التجارة العالمية في 11 سبتمبر، وبالتالي لن يعجز على استهداف تونس أو أي منطقة أخرى من مناطق العالم، لذلك أقول إن المعالجات الامنية عاجزة لوحدها عن استئصال هذه الظاهرة من جذورها لان جزءا من روافد الارهاب قادم من انسداد العملية السياسية في البلاد العربية، ونحن كنّا نقول أن الاستبداد والفساد عوامل تشجع على الارهاب لأن الشباب الذي يقتنع أن العملية الديمقراطية غير مفيدة ولا تصلح كحل تدفعه الى تبني العمل الارهابي، وأكثر من ذلك نقول أن الاصوات التي تنادي بمواجهة الارهابيين بلا رحمة ولا شفقة ويحرضون على عدم التقيد بالقانون وحقوق الانسان هي تسيئ من حيث لا تدري، ثم لا ننسى المعالجة الاجتماعية فليس من الصدف اليوم أن نجد الشباب المنتمي الى هذه الجماعات من الاوساط الشعبية ذات الدخل المحدود وعلى الدول العربية وضع استراتيجية متكاملة لمعالجة هذه الاوضاع.

تبقى المعالجة الثقافية هي الاهم والتي تتطلب وضع استراتيجية على المدى الطويل فنعلم أن الثقافة الدينية في وطننا العربي تقوم على التأويل فأنتجت لنا مذاهب عديدة ومتصارعة في أغلبها وهو ما يتطلب معالجة دقيقة لردم هذه الفجوة التي تنسع يوما بعد يوم. والمؤسسة الدينية في الوطن العربي مازالت تعوّل على شخصيات دينية كلاسيكية عاجزة على مجابهة متغيرات الواقع وبلورة خطاب مستنير يتماشى ومتطلبات الواقع في القرن الواحد والعشرين وقادرة على مجابهة هذا الخطاب المتطرف. باختصار المعالجة الامنية لا تكفي بل يجب وضع استراتيجية متكاملة لمعاضدة جهود الامن.

  • ما هو تقييمكم للتعاطي السياسي مع الارهاب وكيف تقيّمون المشهد السياسي بعد الانتخابات الاخيرة والى اليوم؟

التعاطي السياسي مع الظاهرة الارهابية متشابه في تونس أو في مصر أو ليبيا أو العراق، وهو تعاط يبرهن على أننا غير جاهزين للتعامل مع هذا الخطر المتنامي في أكثر من مستوى، فلمجابهة هذا الخطر كان من المفروض أن نكون موحدين في جبهة واحدة لمحاربته لكن على أرض الواقع يتبين أنه كلما وقعت عملية إرهابية إلا والفجوة كبرت بين الفاعلين السياسيين في تونس أو حتى في غيرها من الدول العربية، فنجد أن الخطاب يتمحور حول إلقاء التهم بين الاطراف السياسية واتهام كل طرف للطرف الآخر بالعمالة لجهة بعينها، بل إن استهداف كل الشباب المتدين دون عملية فرز أو تقص يغذي هذه الظاهرة، وأنا أعتقد أنه في تونس وقعت حملة شنعاء على الشباب المتدين الملتحي، وهو ما دفع الكثير منهم للالتحاق بهذه الجماعات اعتقادا منهم أن الاسلام يُراد به سوءا في وطننا. مسألة ثانية مثلت إخفاقا كبيرا لهذه الطبقة السياسية أنها تدعو إلى الوحدة ورص الصفوف ضد الارهاب وهي تتراشق التهم وتلقي باللائمة على الطرف الآخر، وهكذا ندعي الوحدة ولا نمارسها وهو ما يتطلب مصالحة ثقافية حقيقية لكي نصل الى هذه  الوحدة المنشودة والتي يطلبها الجميع.

  • اتخذت قرارا هاما في آخر اجتماع للجنة المركزية للحزب الذي كنت تترأسه بحله، وعللتم ذلك بأنها خطوة احتجاجية على المناخ السلبي للعمل السياسي في تونس، لو توضح لنا ذلك أكثر ؟

أولا نحن عقدنا لجنة مركزية يوم الاحد 22 مارس تعرضنا فيها الى آخر مستجدات المشهد السياسي، ووقفنا على ما سميناه زلزالا سياسيا حصل بفعل نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية عنوانه أن شخصيات عملت في المنظومة القديمة تترأس المؤسسات الرئيسية للبلاد، ثم إن الحزبين المتنافسين النهضة والنداء استقطبوا العملية الانتخابية وأضروا ببقية الاطراف إذ تحالفا في إطار حكومي، وقد تبين من خلال الانتخابات الاخيرة أن هناك نفوذا متصاعدا لأصحاب المال وهيمنة شبه كلية على المشهد السياسي وأصبح حضورهم مؤثر داخل الحكم وخارجه، هذا ما سميناه مناخا سياسيا سلبيا خاصة مع تعثر كل الاصلاحات التي تخص الاحزاب، وهذا الى جانب العديد من الاسباب الاخرى دفعنا الى أخذ قرار حل الحزب، ثم إن هذه الخطوة جاءت في إطار مراجعة كبيرة للحالة السياسية التي وصلت اليها الاحزاب المنتصرة للثورة وما قمنا به يندرج ضمن سياسة حرق كل الزوارق  التي فشلت في مهماتها والبحث عن إطار أفضل ورافعة سياسية قادرة على تعديل المشهد ونحن قمنا بهذه الخطوة وندعو كافة الاحزاب والشخصيات المستقلة التي تشاطرنا نفس الرأي أن تنظر بجدية إلى المسألة وتنكب لبناء هذه الرافعة السياسية.

  • بعد هذا القرار الذي اتخذته اللجنة المركزية للحزب، ما البديل الذي تؤسسون اليه؟

هذا القرار جاء بعد سلسلة من الحوارات مع العديد من الاطراف تتقارب في وجهات النظر مثل حركة وفاء والبناء الوطني وغيرهم للبحث معهم على رافعة سياسية، ونشعر أن الحوار متعثر وأن التمنع عن أخذ خطوات جريئة مازال موجودا في هذه المرحلة، والامر الثاني أننا دعمنا مبادرة الدكتور منصف المرزوقي “حراك شعب المواطنين” التي أيضا دعونا من خلالها أن تكون الرافعة المستقبلية مستفيدين من الزخم الانتخابي الذي وقع بعد الانتخابات الأخيرة، لكن هذا الحراك وبعد الاعلان عليه منذ 3 أشهر لاحظنا أن هناك ترددا وبطئا، وأكثر من ذلك فهو متجه الى أن يتحول الى العمل المدني الجمعياتي أكثر من توجهه الى ما هو سياسي وهو ما جعلنا نعلن انسحابنا من هذا الحراك، ونحن أقدمنا على هذه الخطوة بعد أن استوفينا كل المحاولات التوحيدية مع من يشاطرنا الافكار والاهداف، لكن حل الحزب لا يعني الانسحاب من الحياة السياسية فنحن تخلينا عن هذا الاطار للبحث عن إطار أنجع، وهو ليس رهين إرادتنا نحن فقط بل رهين تطور الحوار الوطني بين هذه الفاعليات وضغط الواقع اليومي الذي يتطلب رافعة سياسية قوية لتستطيع رفع التحدي ضد المخاطر التي تهدد البلاد.

 

العدد 114 بتاريخ 25 مارس 2015


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>