ثورة الصندوق على النمط في رئاسية 2019

ليس من المبالغة وصف نتائج الدور الأوّل من الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها بأنّها ثورة الصندوق. فمرّة أخرى على غرار 2011، تحصل المفاجأة في تونس، فيحضر الشباب بعد انسحاب، ويلعب “الفايس بوك” دورا ساحرا في حشد أصوات جزء هام من الناخبات والناخبين، لصالح المرشح المستقل قيس سعيد، الذي أطاح بمنافسين من الصف الأول، من بينهم رئيس جمهورية سابق ورؤساء حكومات ووزراء وزعماء أحزاب سياسية، وحلّ في المرتبة الأولى. ولئن جاءت النتائج مصدّقة إلى حدّ بعيد لاتجاهات نوايا التصويت في عمليات سبر الآراء منذ أشهر، فإنها كانت صادمة للكثير ممّن شكّكوا في مختلف نتائج عمليات السبر لمؤسسات عديدة، ولم يستوعبوا ما يعتمل في أحشاء المجتمع من تغيّرات عميقة، وكانوا يشكّكون في حظوظ من تُقدمهم نوايا التصويت. وكان أهمّ ما في تلك النتائج تقدّم مترشحين متباعدين جدا في المنطلقات والبرامج وحتى الخصال الشخصية، لكنهما صوتان نقديان لما هو سائد ومتمرّدان على النمط السياسي المهيمن. فنتائج رئاسية 2019 ليست “عقابا للسيستام” كما يميل إلى ذلك الكثير من المحلّلين والمعلّقين، بل ثورة الصندوق على النمط، بتعبيراته الحزبية والإعلامية والنخبوية والاجتماعية عموما. وهذا ما نختزل أهم دلالاته في النقاط التالية:
1 ـ يثير مصطلح “السيستام” التباسات عديدة في الاستعمال. فهو منقول من لغة أخرى إلى العربية، ويترجم بأكثر من مفردة. فإذا ترجمنا “السيستام” إلى “منظومة” كما يجري الاستعمال في الغالب، فنتحدّث عن منظومة سياسية أو منظومة حكم، فإنّ الأمور تبدو معقدة بالتأكيد. إذ تحيل “المنظومة” في مختلف تعريفاتها على مجموعة من المركّبات والأجزاء التى تعتمد فى عملها على بعضها، طبقاً لتخطيط محدّد، بما يساعدها على الوصول إلى أهداف بعينها. وهي تشترط الارتباط والتكامل بين عناصرها، ويمثّل الهدف المطلوب محورا رئيسيا لمختلف انشطنها الفرعية. وتحتاج المنظومة إلى بعض الوقت لكي تترسّخ في الواقع وتؤثر فيه. وهذا المعنى يتحقّق بوضوح في منظومة حكم بن علي الذي كان على رأس هرمها لأكثر من عقدين، ويتحقق بقدر أقلّ في وضع المنظومة القديمة بعد 2011، التي تفكّكت بغياب رأس هرمها، لكنها استعادت ديناميكيتها بتوحّدها على الهدف، وهو استبعاد من جاءت بهم الثورة التي لا يعترفون بها، واستعادة الحكم الذي “افتك منهم”، والاشتغال بكل الوسائل وفي إطار من التكامل على تحقيقه.
وليست حركة النهضة جزءا من السيستام بهذا المعنى، كما يروّج البعض. فهي مرفوضة من “السيستام” قبل الثورة وبعدها أيضا .فقد ظلّت محلّ ملاحقة أمنية وقضائية معلومة، منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي إلى انتصار ثورة الحرية والكرامة مطلع سنة 2011. وكانت ملاحقتها أبرز عناوين استبداد الحكم. ويبدو توقّفت الملاحقة الأمنية والقضائية لها وضعا مؤقتا. إذ يعمل البعض بما أوتوا، لفرض ملاحقة فكرية وسياسية للنهضويين، للتحيّل في إقصائهم مجدّدا. ولا تزال حركة النهضة بعد مشاركتها في الحكم لسنوات، تُتهم بمحاولة “التسلّل لمفاصل الدولة” ويتعامل ككيان “غريب” بل ويطالب البعض بحلّها وحظرها من جديد، رغم ما غلب عليها من حرص على الاندماج بلغ حدّ التأثّر بالنمط.
ف”الدولة الصلبة” لا زالت تستعصي عن إدماج معارضيها السابقين، ودستور الجمهورية الثانية والمكاسب السياسية “السائلة” للمرحلة الانتقالية، لم تؤمّن بعد، انتقالا ديمقراطيا مُطمئنا. وهذا ما يفسّر وهج الثورة الذي لم ينطفئ في صفوف العديد من الشباب خاصة، والذي لا تزال تستهويه خطابات الثورة كما أبانت على ذلك خطابات بعض المترشحين خلال الحملة الانتخابية الرئاسية.

2 ـ إنّ نسبة التشاؤم العالية جدّا في صفوف الشباب خاصة، و”غربتهم” عن “الدولة الصلبة” التي تعكسها أغاني “الرّاب” المنتشرة بينهم، ومشاعر النقمة لديهم على وضع لا يملكون فيه ما يخافون على خسارته، وإقبالهم اللافت على “الحرقة” والمغامرة بحياتهم في البحر، أو حرق أجسادهم للتعبير عن اليأس أو محاولة إشعال نار الثورة مجددا، وغيرها من المؤشرات رسائل دالّة عن تصادم مفاهيم “الدولة الصلبة” مع الأفكار والاتجاهات “السائلة” بين شباب جيل جديد لا يرى أنّ ثورة الحرية والكرامة قد أنصفته.
وإنّ الهواتف الذكيّة الشخصية الموصولة على مدار الساعة بشبكة الأنترنيت، التي تضاعفت وانتشرت بعد الثورة وتحرّرت من قيود الاستبداد والحظر، خلقت للأفراد من الشباب أساسا، عوالمهم الخاصة بكل منهم، فصاروا خارج مجال تأثير الإعلام الموجّه. بل منحت الثورة الرقمية للأفراد، في وقت قياسي دون تمييز جنسي أو غيره، حريات ومجالات للفعل والاستقلالية تفوق حلم كل المصلحين الاجتماعيين وتستعصي على صرامة كل سلط الرقابة الدينية والمدنية. ولم يعد الواقع الاجتماعي والاقتصادي ينتظر إذنا من أحد لكي يُخرج من أحشائه شيطانا أو ملاكا. وصارت العلاقات سائلة في جميع الاتجاهات وبات سلطان الدولة الصلبة محدودا جدّا.
وقد كان انحياز الشباب إلى المرشح قيس سعيد، الذي يعدهم بتغيير جذري ل”نمط الحكم” وإرجاع السلطة إلى الشعب، رسالة واضحة في رفض “النمط” في الحكم والمعارضة، وتمرّد المجتمع المهمّش وغير المهيكل على مجتمع الحكم المنظم. وقد نجحت ثورة الصندوق في إسقاط مرشّحي الأحزاب في الحكم أو في المعارضة، ومرشّحي اللوبيات المالية والجهوية وبعض المنابر الإعلامية الكبرى أيضا. وسيستمرّ مفعول هذا الصراع بعد الانتخابات.
3 ـ كان التصويت العقابي ضدّ النمط” ردّ فعل مشروع على تأخّر المُنجز الاقتصادي والاجتماعي على المنجز السياسي، وعلى تغليب مطلب الحرية على مطلب الكرامة في الثورة. فقد استنفذت المرحلة الانتقالية أغراضها ولم تعد الأولويات مقنعة لعموم الشعب. وقد بدا خطاب نبيل القروي المستثمر في المفقّرين والمهمّشين والمعدمين، في الأرياف والمناطق المهمشة خاصة، مقنعا ونبيلا في مواجهة خيارات أحزاب الحكم. وكانت الأعمال الخيرية لجمعية “يرحم خليل” على مدى السنوات الماضية، استثمارا سياسيا بالغ الدلالة، لم تتأخر نتائجه لصالح رئيس الجمعية وصاحب قناة نسمة المروّجة له، الذي صار مرشحا رئاسيا بارزا وحلّ ثانيا في السباق رغم سجنه.
4 ـ كان الانقسام الواضح في صفوف الأحزاب ذات البرامج المتقاربة، وتشتت الأصوات بين مترشحين ينهلون من نفس الخزان الانتخابي، وتعذّر الالتقاء على مرشّح توافقي بين كبار أحزاب الحكم، عناصر مناسبة لمرور مرشحي الخطابات الشعبوية إلى الدور الثاني. كما كان التردّد في حسم حركة النهضة لخيارها وتأخرها في تقديم مرشح لها من داخلها، وتداعيات خلافاتها الداخلية على أدائها، عناصر إضافية في خسارتها للسباق وخروجها من الدور الأول، وإن كان ترتيب مرشحها مشرّفا.
5 ـ كان مرور مُرشحين على طرفي نقيض، من غير الساسيين المعروفين إلى الدور الثاني، مبعثا على إعادة التفكير في كثير من مقولات التنافس الانتخابي. فقد صوّت التونسيات والتونسيون للعقل وللبطن، وللمتعفّف والمشتبه بالفساد، وللزاهد ورجل الأعمال، ولمن خاض حملة انتخابية محدودة في الأنشطة والإنفاق، ولمن استثمر مالا كثيرا وجهدا لافتا في حملته الرسمية وما سبقها. ولم يكن التصويت لصالح الثورة مطلقا كما تحاول الإيحاء بذلك بعض الخطابات، إذ كانت الأصوات موزّعة، واستمر المشهد تعدّديا، وإن كان صاحب المرتبة الأولى من رموز الانحياز لأهداف ثورة الحرية والكرامة. ويظلّ التنافس الحاسم في الدور الثاني الذي تكتمل به الصورة وتتعزّز الاستنتاجات.
محمد القوماني
*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 124، تونس في 19 سبتمبر 2019

مشاركة
  •  
  •  
  •  
  •  


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: