تتعدّد العناوين والمشكل واحد: من أجل فهم أعمق لما يجري ببلادنا

 

جريدة الرأي العام، العدد8، تونس في  25 ماي 2017.

 

اتخذت  الاحتجاجات الاجتماعية بتطاوين منعرجا خطيرا بانزلاقها إلى مواجهة بين بعض المحتجّين وقوّات من الأمن، بما تسبّب في حالة وفاة وسقوط جرحى وخسائر فادحة في المعدّات والبنية التحتية. وفي انتظار نتائج التحقيقات في ملابسات الأحداث وخاصة في حالة الوفاة وفي تحديد المسؤوليات في حصول المنعرج وفي الجرائم المرتكبة في حق المجموعة الوطنية، يبدو من المهمّ ربط أحداث تطاوين بسياقها الوطني العام، وقراءة المواقف المختلفة في التعاطي معها في علاقة بما نقدّر أنّها الإشكالية الرئيسية التي تدور حولها مختلف عناوين الصراع الظاهر والخفي ببلادنا، والتي سيظل الانتقال الديمقراطي متعثّرا ما لم نوفّق إلى تفكيك عناصر هذه الإشكالية وحلّها جميعا ونهائيا.

فتحت ثورة الحرية والكرامة بتونس ملفّات عديدة، من أهمّها حسم الصراع بين المتنفّذين القدامى الماسكين بالحكم سابقا والمستفيدين من الثورة من الحكّام والفاعلين الجدد، وبين الضحايا والجلادين، وبين رجال الأعمال “الرسميين” المتنفذين في الدولة وبين “الأثرياء الجدد” المتنفذين في الاقتصاد الموازي والمتطلعين إلى أدوار مؤثرة في الدولة والمجتمع، وبين الجهات الداخلية المحرومة  والفئات المهمّشة والمركز المتحكّم والطبقة المرفّهة، وبين الخصوم الإيديولوجيين من المدارس المختلفة…إضافة إلى ما تتيحه الثورة من فرص  لتصفية حسابات قديمة أو تحقيق تطلّعات فردية أو فئوية أو فكرية بما في ذلك النزعات الفوضوية في إسقاط الدولة أصلا. فالتحوّلات الكبيرة والظروف الاستثنائية التي تصاحبها، تحرّك النزعات والأطماع أيضا. لكن المشكلة في بلادنا أنّ نحو سبع سنوات بعد الثورة لم تحسم هذه الصراعات ولم تؤشر على اتجاهاتها.

كان الصراع قويّا بعد14جانفي 2011 بصور معلنة وأخرى مخفية، حول تحديد وجهة الثورة التونسية، بين مساري التغيير الجذري وتصفية المنظومة القديمة للحكم بأشخاصها وممارساتها (المصادرة والمحاكمات والعزل وتجريم مدح النظام القديم والتأسيس…)، والانتقال الديمقراطي وما يفرضه من معجم مخصوص وتسريع للإصلاح وتسوية سياسية بين القديم والجديد (الحوار والتوافق والمصالحة…). وقد حسم الأمر بوضوح لصالح المسار الثاني، لكن دون أن يسلّم أطراف المسار الأوّل ودون أن تتوضّح عناصر التسوية الشاملة أو تحسم بين من ينخرطون في المسار الثاني. وممّا زاد في تعقيد المسائل أو أخّر الاتّفاقات المطلوبة، عدم وفاء المجلس الوطني التأسيسي بما كان محمولا عليه من مقتضيات التأسيس لجمهورية ثانية. فحُصرت مهمّته في كتابة الدستور وتمّ الضغط عليه في الزمن وانقسم المشهد على غير طبيعته إلى حكم ومعارضة وسادت التجاذبات وضاعت الأولويات. فلم يتمّ تقييم القديم بعمق ولم يحصل حوار حول مشروع وطني جامع ولم يتحدّد مسار الثورة والبلاد بوعي وتخطيط وظلّت أزمة الثقة بين الأطراف السياسية السابقة للثورة على حالها أو ازدادت حدّة.

نستحضر هذه المقدّمات لأنّنا نعدّها ضروريّة لتفكيك ما يحصل، ففهم المشكل فرع من حلّه. والمشاكل حين تتعقّد وتتشابك ويصير أيّ واحد منها يحيل على المشاكل الأخرى، تتحوّل إلى إشكالية يستعصي حلّ أيّ مشكل منفرد منها إلاّ في إطار حلّ يشملها جميعا. وهذا ما نراه في واقع حال بلادنا. فسواء انطلقنا من أسباب الاحتجاجات الاجتماعية ومعالجتها في تطاوين أو غيرها من قبلها ومن بعدها، أم من المواقف المتضاربة من مشروع قانون المصالحة الاقتصادية، أم من مسار العدالة الانتقالية وأداء هيئة الحقيقة والكرامة، أو الخلاف حول البورقيبية  ونمط المجتمع، أم السياسة الخارجية أم مكافحة الإرهاب أم استقلال القضاء أم محاربة الفساد أمإصلاح التعليم أم التشريعات المقترحة على البرلمان …فإنّنا نخلص دون عناء إلى أنّنا لا تنفك نخرج من مشكل حتى نقع في غيره. وتتجنّد وسائل الإعلام وتُملأ الدنيا ضجيجا وينشغل النّاس وتتعدّد العناوين وتظلّ الإشكالية واحدة والحلّ مفقودا. ممّا يستوجب نظرا مخالفا وعلاجا أسرع.

لا نجانب الصواب حين نجزم بأنّ الصراع حول مختلف العناوين التي ذكرنا بعضها أو ممّا سيتمّ استحداثها سيظلّ مستمرّا بنفس التجاذبات والآليات،  ما لم ننفذ إلى جوهر المشاكل وإلى معالجة الإشكالية الرئيسية التي تختزل تلك العناوين الفرعيّة. فما دام الحاكمون القدامى لا يقرّون بأيّة مشروعية للحكّام أو الشركاء في الحكم الجُدد، وما ظلّ الجلّادون يتمنّعون عن كشف الحقيقة والاعتذار والضحايا يشعرون بالغبن والمظلومية وعدم الاعتراف، وما ظلّ المركز يستحوذ على  السلطة والثروة وينكر على الأطراف  حقوقها ومشروعيّة مطالبها وتطلّعاتها، وما دام المتنفّذون في الدولة يعاملون من يمسكون بنصف الاقتصاد أو أكثر على أنّهم مارقون عن الدولة ولا مكان لهم في الحوار حول مستقبل البلاد، ومادام ثوّار ما بعد الثورة يحلمون بالتغيير الجذري والسيادة الشعبية على الثروة والسلطة والسلاح ولا يعيرون الاهتمام اللازم لمنطق الدولة ولا للعلاقات والالتزامات الدولية وموازين القوى الاقليمبية والمصالح المتشابكة، وما ظلّت الثقة منعدمة بين الأطراف السياسية والاجتماعية، وما دام الفاعلون السياسيون لا يستحضرون مقتضيات الانتقال الديمقراطي من معجم وأولويات تستبعد الانتقام والثأر والاستئصال وتستحضر التوافق والمصالحة والتنافس والتعايش السلمي والتداول الديمقراطي، وما دام مطلب المصالحة يخضع إلى أجندات شخصية أو حزبية أو فئوية أو ربما خارجية، لإرباك الساحة الوطنية وتعطيل مسار التجربة التونسية. وما دام ..وما ظلّ.. فلن نبارح وضعنا المتدحرج، حتى تحصل الكارثة الكبرى لا قدّر الله. ولن ينفع يومها الجدال حول تحديد المسؤولية في الحدّ من الخسائر الجسيمة التي ستطال الجميع.

لذلك أخلص إلى القول دون تلعثم أو حسابات، أنّ إشكاليتنا الرئيسية هي كيف نحقق  مصالحة وطنية شاملة وعاجلة؟ فلا طريق لتحقيق المطالب المشروعة لمختلف الأطراف،  ولا ضمان للاستقرار السياسي والمضيّ في إنجاح الانتقال الديمقراطي المتعثّر، وتحقيق الإقلاع الاقتصادي المنشود والتمتع بالتنمية والتشغيل والعدالة الاجتماعية، إلاّ عبر تسوية تاريخية شجاعة، تشمل الجوانب السياسية والاجتماعية والجهوية والثقافية وغيرها ممّا يوضع على طاولة الحوار الوطني الذي لا وصاية عليه ولا إقصاء فيه، حتّى تغلق الملفات التي فتحتها الثورة وأشرنا لبعضها. فالمصالحة ممرّ لا غنى عنه في أيّ مسار انتقالي . وأنّ تلك المصالحة تشمل المسؤولين السابقين في الحكم والمنتفعين منه، مهما كان حجم  التهم الموجهة إليهم، كما تستلزم إنصاف الضحايا وجبر أضرارهم. وأنّها مصالحة سياسية في المقام الأول وتسوية لا تلتزم ضرورة بمقتضيات القانون والعدل، دون أن تسقط الحق الشخصي في التقاضي، لأنها تقوم أساسا على التراضي والرغبة في التجاوز وعدم العودة لما كان. “كَذلِكَ يَضرِبُ اللَّـهُ الحَقَّ وَالباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنفَعُ النّاسَ فَيَمكُثُ فِي الأَرضِ كَذلِكَ يَضرِبُ اللَّـهُ الأَمثالَ(سورة الرعد/الآية 17)

L’image contient peut-être : 8 personnes, personnes souriantes, texte

تعليق واحد


  • madihq

    تحليلكم لما يحدث والاسباب التي ادت لهذه الاحداث واضح وجلي ولكن يبقى داءما الحل للخروج من هذه الازمه غير متوفر في ضل حكومه تعمل على اخفاء الحقاءق وحماية الفاسدين وخاضعه لخدمة مصالح جهات معينه وما قام به الشاهد من ايقاف لبعض رجال الاعمال الفاسدين ربما تكون خطوه اذا كانت صادقه وليست مجرد مسرحيه لاسكات الشعب ربما تكسب الحكومه ثقة الشعب مع ان الفساد ليس شفيق جرايه بل هناك رؤس فساد اكبر ورموز نظام سابق واحتلال لثروات البلاد يجب التخلص منهم. والايام القادمه ستبين مدى مصداقية الحكومه على محاربة الفساد وايجاد حلول للبطاله وغلاء المعيشه وانتفاع الشعب التونسي من ثرواته التي تنتفع بها فرنسا وغيرها ويتمعش منها الفاسدين .



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>