بعد الزلزال السياسي والثورة المهدورة مرّة أخرى ما العمل؟

بعد الزلزال السياسي والثورة المهدورة

مرّة أخرى ما العمل؟

جريدة الضمير في 22 مارس 2015

 

لا نبالغ حين نصف ما حصل بتونس بعد الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرتين وما يحصل من تغيّرات إقليمية خطيرة بمنطقتنا، بالزلزال السياسي. كما لا نبدو متشائمين حين نصف مجمل أوضاعنا بالسيّئة وحين نعتبر ملامح المناخ السلبي التي تجري فيه العملية السياسية ببلادنا حاليا، مؤشرات على إهدار الفرصة التاريخية التي أتاحتها ثورة الحرية والكرامة وإيذانا بتغيّر جذري في المشهد الوطني. فما هي مؤشرات هذا الزلزال وما هي نتائجه وتداعياته على المشهد السياسي الجديد؟

 

أفضت نتائج الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرتين، التي تزامنت مع إحياء الذكرى الرابعة للثورة، إلى زلزال سياسي، يكون من المهمّ التوقّف عند مؤشراته والتعمّق في بحث أسبابه  ونتائجه واستشراف تداعياته على المشهد السياسي الجديد.

ولعلّ من أهم مؤشرات هذا الزلزال أن تترأّس ثلاث شخصيات ممّن عملوا في المنظومة القديمة للمؤسسات الرئيسية للدولة، رئاسة الجمهورية والحكومة ومجلس نواب الشعب. ويتحالف الحزبان الخصمان الرئيسيان المتنافسان على الحكم، حركة النهضة وحركة نداء تونس، اللذان استقطبا المشهد السياسي، بما أعطى الائتلاف الحاكم أغلبية مريحة في مجلس نواب الشعب وبما أضعف المعارضة داخله ، المنقسمة على نفسها بدورها.

كما تراجعت أحزاب وشخصيات سياسية تقليدية وتقدمت وجوه لا ماضي سياسي يُذكر لها. ولم تعد الأيديولوجيا ولا البرامج السياسية أساسا للتصويت في الانتخابات وأصبح المال السياسي عاملا محدّدا للقاعدة الانتخابية للأحزاب ولمستقبلها.

انتكست الحريات وعادت مظاهر الإيقاف والاحتجاز والمحاكمة على قاعدة الأخذ بالشبهة أو استعمال القضاء لتصفية حسابات محدّدة، وسط تحريض إعلامي وسياسي  خطيرين من بعض الجهات، على عدم الاكتراث بالقانون واحترام حقوق الإنسان، وصمت مستراب من جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان ومن الاحزاب السياسية. وباتت أهمّ  مكاسب الثورة مهدّدة.

من جهة ثانية كشفت الانتخابات أن التنظيمات الحزبية في أغلبها، خاصة منها تلك المنحازة للثورة، تعاني من ضعف بنيوي لا يؤهلها للمنافسة الانتخابية، ومن  حالة تشرذم سياسي وتنظيمي ضيّعت أصوات ناخبيها وحالت دون تطلعها إلى كسر حالة الاستقطاب وإعطاء الناخبين فرصة لاختيارات أخرى خارج ذلك الاستقطاب.

لا نكون متشائمين حين نعتمد المؤشرات السابقة في استخلاص أن ثورة الحرية والكرامة 17 ديسمبر2010/ 14 جانفي 2011 كانت فرصة مهدورة. وبصرف النظر عن المسؤول عن هذا المآل، والذي ليس موضوع اهتمامنا في هذا السياق، فإنه من الواضح  أنّ ما يحصل في تونس وفي سائر بلدان ثورات “الربيع العربي”، مع اختلاف الصيغ، يعبّر عن حالة جزر في أفضل القراءات تفاؤل، وعن انقلاب على الثورة وانتصار للقوى القديمة في قراءة أخرى.

فقد منحت الثورات الأخيرة العرب فرصة تاريخية للقطع مع أنظمة الاستبداد والفساد التي عطلت كل محاولات الإصلاح والنهضة الشاملة على مدى يزيد عن القرنين، وفتحت آفاقا عريضة للخروج من الاستثناء العربي وتدشين عصر جديد من الديمقراطية والتنمية. لكن وهج الثورة للأسف سرعان ما توقّف مخلّفا حالة من الإحباط وأزمة ثقة بالنخبة السياسية ومواجهات دامية واتهامات متبادلة…

وفي ضوء هذه المؤشرات واستخلاصاتها، يكون من المهم أن نستحضر ما آلت اليه أوضاع بلادنا من سوء على جميع المستويات. فإضافة إلى المؤشّرات السلبية لحصيلة حكومة السيد مهدي جمعة التي جيئ بها “للإنقاذ” بديلا عن حكومة الترويكا، فازدادت  معها الأوضاع تدهورا، فإنه في غياب مشروع وطني للإصلاح، تستمر التجاذبات الهامشية داخل مؤسسات الحكم  وفي وسائل الاعلام،  ويتعاظم التدخل الخارجي في الشأن الداخلي، وتزداد مؤشرات العجز في الميزانية وتتأكد ملامح الأزمة الاقتصادية وتلتهب الأسعار وتضعف القدرة الشرائية ويشتدّ الاحتقان الاجتماعي ويرتفع نسق الاضرابات والاحتجاجات في القطاعات والجهات، ويأخذ الخطر الإرهابي منعرجا جديدا بانتقاله من المواجهات المحدودة مع قوات الأمن والجيش بالجبال أوالاغتيال السياسي، إلى القتل الجماعي بالمدن للمدنيين واستهداف السياحة والاقتصاد واستقرار الدولة. ويستمر التسيّب في الإدارات وتنخفض ساعات العمل إلى أدنى مستوياتها وتنزل هيبة الدولة إلى الحضيض.

وتزداد مضاعفات هذا الوضع وخطورته في ضوء الأزمة الحادة التي يمر بها الحزب الفائز في الانتخابات الأخيرة و الذي أبان خلال فترة قصيرة من حكمه عن عجزه على إدارة البلاد وافتقاده لأية رؤية في الاصلاح  وانعدام الارادة السياسية لديه في ذلك.  وهو الحزب الذي دفع بالبلاد الى غموض سياسي من خلال ترشيحه لرئيس للجمهورية عجّل معارك الخلافة داخل حزب الرئيس وخارجه، وألقى بضلال سلبية غلى المشهد السياسي العام وعلى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية خاصة.

وفي ظل هذه الاوضاع الصعبة التي تمر بها بلادنا، تجري العملية السياسية في مناخ سلبي  يتسم بهيمنة المال السياسي ونفوذ أصحاب المصالح في الأحزاب وانعدام الشفافية في تمويل الأحزاب وإدارتها بما يسهّل اختراقها داخليا أو خارجيا وبما يُضعف العمل الطوعي ويفسد العمل العام، في غياب أيّة إرادة سياسية لتطوير قانون لتنظيم الاحزاب وتمويلها بما يساعد على تحسين أدائها. وفي ظل شيطنة واضحة للأحزاب السياسية وتراجع منسوب الاهتمام بالعمل السياسي الحزبي أو الانخراط فيه.

إنّ مؤشرات الزلزال السياسي الذي عرفته تونس بعد الانتخابات التشريعية والرئاسية  الأخيرتين، المشار إليها سابقا، إضافة إلى التغيّرات الإقليمية، تعدّ علامة واضحة على إهدار الفرصة التاريخية التي أتاحتها ثورات “الربيع العربي”. كما تعدّ ملامح المناخ التي تجري فيه العملية السياسية ببلادنا حاليا إيذانا بتغيّر جذري في المشهد الوطني، بما يقتضي تجديد الأسئلة وأدوات التحليل وتعميق التحليل وجرأة في الاستخلاصات، قبل تقديم الحلول في إعادة تشكيل المشهد السياسي وترتيب الأولويات ووضع الخطط في مواجهة التحديات الوطنية القادمة، جوابا عن السؤال المتجدّد مع كل أزمة، ما العمل؟

محمد القوماني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بالعدد 107  من جريدة الضمير في 22 مارس 2015

 


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>