اليسار في تونس.. ضرورة اجتماعية ولازمة ديمقراطية

انهار الاتحاد السوفييتي وسقوط جدار برلين

حين انهار الاتحاد السوفييتي وسقط جدار برلين لاحقا وكانت الثورات البرتقالية بأوروبا الشرقية، تمّ الترويج بكثافة لنهاية الأيديولوجيا ونهاية اليسار أيضا في ظلّ العولمة التي فرضت نفسها. وفي تونس حين عمّ الاستبداد لم تستثن آلة القمع أحدا، وكان نصيب اليساريين غير قليل بالتوازي مع قمع الإسلاميين، بما أثّر بوضوح على انتشارهما وقلّص حضورهما العلني على الأقلّ. ولم تمنع المشاحنات الأيديولوجية وأزمة الثقة التقاء الطرفين في مواجهة القمع المشترك، وكان إضراب 18 أكتوبر 2005 محطة بارزة وعنوان بداية نهاية حكم بن علي الذي جمّع الكلّ ضدّه. وبعد انتصار الثورة كانت نتائج اليسار في التنافس الانتخابي الديمقراطي مخيبة للآمال،على خلاف الإسلاميين، كما اتّجهت علاقته الخصمين التاريخيين إلى استعادة “معارك الجامعة” وإلى التباعد والتأزيم والتوتّر. وفي ظلّ استفحال الانقسام داخله ومع ضعف تمثيليته الرسمية في مؤسسات الحكم، ظلّ صوت اليسار عاليا كما ظلّ حضوره في الدولة والمجتمع بارزا. وفي سياق استشراف المشهد السياسي الجديد الذي ستشكل الانتخابات البلدية القادمة أولى معالمه، نقدّر أنّه رغم ما تمّ التسويق إليه في سياق العولمة، وما تشي به مؤشرات نتائج الانتخابات، وما يُروّج له في سياق المشاحنات، فإنّ اليسار في تونس ضرورة اجتماعية ولازمة ديمقراطية.

اليسار ضرورة اجتماعية..

فاليسار ضرورة اجتماعية، لأنّه بصرف النظر عن أزمته وأسبابها ومظاهرها النظرية والسلوكية والتنظيمية والسياسية، والتي ليست موضوع اهتمامنا هما، فإنّ ما نودّ التذكير به والتوقّف عنده هو الدور الحيوي لليسار في النضال الاجتماعي، والذي لا ينكره إلاّ جاهل أو جاحد. فالماركسية التي يستند إليه اليسار، تعدّ بالأساس نظريّة في تفسير الاستغلال الرأسمالي للعمال والهيمنة الإمبريالية على الشعوب ونهب ثرواتها، وتنظيرا للثورة الاجتماعية وتحريضا عليها لتحقيق العدالة الاجتماعية. كما يشهد تاريخ النضال الاجتماعي والعمل النقابي بتونس، بالدور الريادي لليسار في الاهتمام بالقضايا الاجتماعية وتأطير الحراك الاجتماعي وتطوير العمل النقابي وانخراطه في النضال السياسي ضدّ الاستغلال والاستبداد. كما تسجّل المحاكمات السياسية تضحيات اليساريين وإسهامهم الكبير في الحركة التقدمية والديمقراطية بتونس. إضافة إلى إثرائهم للساحة الثقافية والإبداعية والحركة الفكرية النقدية، وللتجربة النضالية السياسية والحقوقية، الحزبية والجمعياتية. وفي هذه المرحلة من تاريخ بلادنا التي تزداد فيها الصعوبات الاقتصادية وتحتدّ فيها المطالب الاجتماعية، وتتغذى فيه الحركات الاحتجاجية من مناخ الحرية الذي أتاحته الثورة، تبدو الظروف مهيّأة لانتعاشة التوجهات اليسارية، ويبدو اليسار ضرورة اجتماعية ليقوّي المجتمع دفاعاته الذاتية ولتجد الفئات الاجتماعية الأشدّ هشاشة والأكثر استهدافا فرصها في الدفاع عن حقوقها وتحقيق مطالبها في التنمية العادلة. فاليسار كما أسلفنا صاحب السبق والامتياز على هذا الصعيد. ولا تزال الأوضاع تؤهله موضوعيا لحضور اجتماعي سيكون الرافعة لمشاركته السياسية وحجم تمثيله البرلماني.

اليسار لازمة ديمقراطية..

واليسار أيضا لازمة ديمقراطية، لأنّ الدور التاريخي الذي اضطلع به في تاريخ تونس المعاصر، وحضوره النوعي في صفوف النخب خاصة، وإسهامه في النضال السياسي والاجتماعي، عوامل ترشّحه ليكون أحد العائلات الفكرية الأربعة الكبرى بتونس، إلى جانب الدستوريين والإسلاميين والعروبيين. وإذا كان تاريخ الاستبداد ارتبط بمحاولات إحدى هذه العائلات الانفراد بالحكم وإقصاء البقية من المشاركة السياسية، فإنّ الإطاحة بالاستبداد تحقّقت باجتماع العائلات المقصية على مقارعته موحّدة على الحدّ الأدنى. وإنّ الديمقراطية التي أتاحتها ثورة الحرية والكرامة، كسبت مصداقيتها من إتاحة الفرصة لمختلف هذه العائلات للمشاركة والتنافس الديمقراطي. وعليه فإنّ أيّة محاولة للإقصاء مجدّدا، لأحد هذه الأطراف، سيكون انتكاسة ديمقراطية بلا شكّ، ومؤشرا على عودة الاستبداد. كما أنّ توازن المشهد السياسي وثراءه التعدّدي، يجعل من وجود اليسار لازمة ديمقراطية. فالخلفية النظرية الاجتماعية المناهضة للرأسمالية والمنحازة للقطاع العمومي والمدافعة عن الطبقة العاملة والفلاحين، والمحرضة للحركات الشبابية والاحتجاجية والمنخرطة في الحركة الحقوقية والأجندة المجتمعية العالمية، تجعل من اليسار عنوانا مميّزا وتعبيرة اجتماعية لا يمكن طمسها أو تجاهلها. وليس أدلّ على عراقة اليسار في تونس من إشعاعه خارج دائرته الأيديولوجية واختراقه للمنظومات الفكرية والسياسية المخالفة. فكان “اليسار الدستوري” و”اليسار العروبي” و”اليسار الإسلامي”، عناوين تفاعل بين العائلات الإيديولوجية المتخاصمة من جهة، ومؤشرات أزمة ومحاولات تجاوز لليسار الماركسي من جهة أخرى.

في الحاجة إلى مراجعات شجاعة..

كم يبدو اليسار التونسي اليوم بحاجة إلى مراجعات شجاعة، على غرار الإسلاميين والدستوريين، مهما كانت تقييماتنا لتلك المراجعات التي لا تزال غير كافية. وليست بعض المحاولات النظرية الفردية لشخصيات يسارية مرموقة سوى خطوات على هذا الطريق الذي لا غنى عنه. كما تبدو تجربة “الجبهة الشعبية” ومبادرة “الحزب اليساري الكبير” وغيرها من المحاولات في توحيد اليسار، علامات مضيئة على طريق تجاوز اليسار التقليدي لعوائقه النظرية والتنظيمية ليضطلع بدوره الحيوي في مرحلة جديدة عرف فيها العالم تغيّرات جوهرية وشهدت فيها تونس تحوّلات نوعية. فالجزء الأكبر من مستقبل اليسار لن يصنعه تاريخه، مهما كانت الأخطاء أو النجاحات، ولن يتحدّد بموقف خصومه منه، بل يتوقّف أساسا على الحركيّة الذاتية لليسار نفسه ولعمق مراجعاته وجرأتها التي لم تعد تحتمل التأجيل، وعلى قدرته على التعايش مع المخالفين والتفاعل الإيجابي معهم أيضا.
محمد القوماني

* نشر بجريدة الرأي العام، العدد 45، تونس في 22 فيفري 2018


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>