المعركة الوطنية لم تعد تقبل حيادا

       بعيدا عن الاستقطاب الأيديولوجي حول معارك مُفوّتة، الذي أضرّ بمسار ما بعد ثورة الحرية والكرامة، ترتسم اليوم معالم معركة وطنية حاسمة لا تقبل الحياد تحت أيّ مسوّغ. فلا يجد المتابع الموضوعي للمشهد التونسي خلال الفترة الأخيرة صعوبة في التمييز بين إرادتين متقابلتين في التعاطي مع أزمة مركّبة ومتراكمة ومتشابكة. إرادة أغلبية تعمل على دفع العمل الحكومي والبرلماني باتجاه أولويات اقتصادية واجتماعية حارقة وبما ينفع الناس، من أجل خطّة وطنية للإتقاذ، زادتها المؤشرات الخطيرة التي أعلنتها دوائر القرار المالي العالمية تأكّدا. وإرادة مقابلة تتقاطع فيها أجندات أعداء الثورة من المتربصين بها من الخارج ومن أنصار المنظومة البائدة،  والراكبين بانتهازية لشعبية رئيس الجمهورية وموقعه الرمزي على أعلى هرم الدولة، يعملون على التعطيل والإرباك ويستثمرون في مؤشرات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية بخطابات شعبوية، تستهدف الحكومة وحزامها السياسي، قصد الإطاحة بمنظومة الحكم القائمة.

       ففي الوقت الذي يستمرّ فيه ساكن قرطاج في قطيعة مُعلنة مع رأسي السلطة الآخرين في باردو والقصبة، تتكثّف اللقاءات والخطابات التحريضية التي يفصح عنها رئيس الجمهورية من خلال صفحته الرسمية التي تنشر ما تختاره من مخرجات لقاءاته برموز أحزاب من المعارضة أو مسؤولين في مواقع مخصوصة بالدولة، أو بمناسبة ذكريات وطنية أو أنشطة أخرى. وبالتوازي مع ذلك تعمد رئيسة الحزب الدستوري الحر الفاشية عبير موسي وعصابتها مساء الثلاثاء 09 مارس 2021 إلى اقتحام مقر فرع اتحاد علماء المسلمين بتونس وليمنعوا لاحقا بعد إخراجهم، إدخال الماء والدواء والطعام لمن يوجدون داخل المقر ويهدّدون باقتحامه مجدّدا. وتلك عربدة سياسية غير مسبوقة وجرائم موصوفة واستفزاز بالغ الخطورة والتداعيات.

       وإنّ كلّ سكوت عن هذا الاعتداء والعربدة يُعدّ تواطؤا سلبيا مع المجرمين. وإذا لم تأخذ السلطات القضائية والأمنية بزمام الأمور في وقتها، ولم تحسن الحكومة التقدير، فالعواقب ستكون وخيمة بلا شك. كما أنّ اللحظة تبدو فارقة في اختبار المشهد السياسي والجمعياتي والإعلامي، حتى لا يتمّ التبرير أو التشريع لاعتداءات أكبر، وحتى لا تكون المعايير مزدوجة والمكاييل مختلفة، في  التعاطي مع خطابات وأعمال  تنشر الكراهية بين أفراد الشعب وتحرّض بعضهم على بعض وتجرّ البلاد إلى مربّع العنف والتحارب الأهلي.

       ويبدو من الغرابة التي تبعث على الشكوك، أنّ رئيس الجمهورية الذي تدخّل بصفة عاجلة في خصومة بين نواب في البرلمان، لم ينل اهتمامه محاصرة جماعة حزبية فاشية لمقر جمعية قانونية في اعتصام استمر أشهر، والاعتداءات اللفظية والمادية على المسؤولين على الجمعية وروّادها، بعد خسارة الجهة المعتدية لدعاوى قضائية لحلّها، وتأكّد الجهات الرسمية المعنية بالمراقبة من سلامة عمل الجمعية. وقد يزول الاستغراب باستحضار سكوت رئيس الجمهورية عن عربدة الكتلة الفاشية داخل البرلمان وإساءاتها المتكرّرة لصورة تونس وديمقراطيتها. وهي التي تنعم اليوم بثمرات الديمقراطية ومكتسبات الثورة، ولكنها لا تنفكّ في نفس الوقت على الإساءة للثورة وللديمقراطية بتصرفاتها وأقوالها.

       لا نروم التفاسير التآمرية للأحداث، ولكن خبرتنا في متابعة المشهد التونسي في كواليسه ووقائعه وشخوصه، تجعلنا نقطع بأنّ ما يحصل من تصعيد من قبل عبير موسي وعصابتها، ومحاولة التلبيس في ربط اتحاد علماء المسلمين بالإرهاب، وربط فرع تونس بحركة النهضة، عمل مخطّط وجزء من أجندة  سياسية متقاطعة مع أطراف أخرى في الداخل والخارج.

        فبعد الفشل الذريع في تمرير لائحة سحب الثقة من رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي، وبعد العجز عن تعطيل البرلمان عن أدواره رغم حجم الإرباك، وبعد الرسائل السياسية المدوّية لمسيرة 27 فيفري 2021 في  تصحيح الصورة في الداخل والخارج عن الشارع التونسي وموازين القوة، وبعد تأكيد رئيس الحكومة هشام مشيشي رفضه للاستقالة تحت أيّ ظرف، وإصراره على اضطلاع حكومته بأدوارها ومباشرتها لملفات الإصلاح المتأكدة وعدم الانخراط في “الحرب ضدّ طواحين الهواء”، يأتي التصعيد غير المسبوق في الخطابات والأفعال استهدافا للحكومة وحزامها السياسي.

       ومن خطاب رئيس الجمهورية هذا الأسبوع أمام ممثلين عن عائلات شهداء وجرحى ملحمة بن قردان واتهاماته الخطيرة المنسوبة للمجهول كالعادة، ومن كلمته في لقائه مع المغزاوي والشواشي من المعارضة، الذان تقاسم معهما الرئيس المسؤولية، مستحضرا قاموس “حرب الاستنزاف الطويلة” و”ساحات الوغى”، ومرورا بالتصريحات النارية المتشنّجة والخطيرة لرئيس الكتلة الديمقراطية محمد عمار ببرنامج “وحش الشاشة”، واتهاماته العشوائية المستهدفة لرئيس البرلمان وحزب النهضة، وإعجابه بتجربة الأمير محمد بن سلمان في معاملة رجال الأعمال،  واستحضارا لأحاديث إعلامية عديدة هنا وهناك، عن “عملية جراحية بلا بنج” و”سيناريوهات انقلابية بيضاء” و”تدخل عسكري” و”خارجي” في الشأن السياسي التونسي، من مثل هذه الشواهد وغيرها نربط الأحداث ببعضها ونبحث عن التقاطعات في الأجندات، التي لا ينفصل فيها ما يحصل بمقرّ جمعية فرع اتحاد علماء المسلمين وتغطيه منصات إعلامية معلومة، عمّا يتمّ ترتيبه في قرطاج وما يطلق من تهدبدات، وما يستحضره المحلّلون من سيناريوهات.

       نكتفي بهذا القدر من مؤشرات المشهد التونسي خلال أيام الأسبوع المنقضي، لنذكّر بأنّ من تجرؤوا على دعم انقلاب على ديمقراطية راسخة بتركيا وعلى حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي أبهر الشعب بنجاحاته، وساندوا أو صمتوا على قصف الطائرات للبرلمان ومحاولة اغتيال الرئيس أردوغان المنتخب ديمقراطيا، ومن هلّلوا لمحاولات قذرة وفاشلة من هذا القبيل، إشفاء لمشاعرهم المَرَضيّة، لن يُستغرب منهم العمل على زعزعة استقرار تونس أو محاولة إفشال مسارها الديمقراطي الناجح وسط أوضاع إقليمية مضطربة.

       ولأننا لا نسمع ولا نقرأ عن سيناريوهات انقلابية في فرنسا أو بريطانيا أو أمريكا أو غيرها من الديمقراطيات العريقة، فإنَ تعلّق هذا السؤال أو الاحتمال ببلادنا والترويج له، دليل واضح على أزمة الثقة بتجربتنا الديمقراطية الفتيَة. وأمام فشل مخطّطات الإرهاب وسيناريوهات الإرباك والعنف والجريمة، وترسّخ الديمقراطية في بلادنا بالحكم المحلّي،  واحتراق مراكب المتآمرين علينا مرات عديدة. ولاعتبارات إقليمية ودولية أخرى، وبناء على سمعة مؤسستنا العسكرية وطبيعتها، نؤكد مرة أخرى أنّ سيناريوا انقلابيا محتملا بتونس، مهما تعدّدت عناوينه، لا حظوظ له في النجاح.

       وإذ نقدّر بأنّ الاستهداف المستمر من جهات عديدة لحركة النهضة وزعيمها الشيخ راشد الغنوشي، ، نتيجة طبيعية لدورها السياسي المحوري في تأمين انتقال ديمقرطي راكمت في النضال من أجله، وتراهن على كسبه وإن طال الزمن، فإننا نذكّر أيضا بأنّ شيطنة حركة النهضة واستهدافها بالاستئصال طوال حكم بن علي كان حيلة وطريقا لاستئصال الديمقراطية في تونس. وكان الترخيص لحزب النهضة بعد الثورة ومشاركته المتقدمة في الحكم، بناء على الشرعية الانتخابية التي حظي بها، عنوانا بارزا لمصداقية الانتقال الديمقراطي. بل كان رُشد النهضة وتعاطيها الإيجابي مع مقتضيات الانتقال واعتمادها الترفّق بالتجربة وانخراطها في سياسة التوافق والمصالحة الوطنية والإدماج، محلّ استحسان قوى داخلية وخارجية داعمة للثورة التونسية، ومصدر إثراء وإلهام إيجابي لبعض التجارب الأخرى في المنطقة.

       حبّذا أنّ المعركة الوطنية التي نخوضها في هذه المرحلة، لست بين النهضة وخصومها، بل بين رؤيتين متقابلين لمعالجة أزمة خطيرة نمرّ بها. فلنحذر معشر الديمقراطيين والوطنيين مهما اختلفنا، أن نقع في شراك المتربّصين بنا جميعا،  فننقض غزلنا أنكاثا بأيدينا. فالربيع العربي يتعزّز رغم كل جهنّم التي تصبّ على رأسه، لأن مطلب الحرية أصيل في الشعوب، وللديمقراطية أظافرها وللمُنتخبين من يحمي شرعيتهم.

        ونقدّر أنّ الرياح الدولية والإقليمية، لا سيما بعد نهاية حكم ترامب وتحقيق المصالحة في الخليج وفي ليبيا، تجري باتجاه دعم التجربة التونسية ومنحها فرصا للإنقاذ الاقتصادي والاستقرار السياسي. وهذا ما يعزّز الاعتقادات السائدة في أوساط تونسية عريضة  بأنّ “لتونس رب يحميها” وأنّ بلادنا تقع تحت “برج اللطف” على حدّ قول بعض السادة الصوفية، وتحظى بعناية  إلهية استثنائية تحفظها من المكاره وتخفّف عليها الشدائد. وأنّها محفوظة من مؤامرات أعدائها من الخارج، وإن تمّ اختراقها وأصابها مكروه، فلن يكون ذلك إلا بأيدي بعض أبنائها.

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 197، تونس  في  11 مارس 2021     

.

    0 Comments

    No Comment.