القرآن والعقل المعاصر..قراءة جديدة لتحديات الفكر الإسلامي الحديث..كتاب جديد[i]
الكتاب: تنوير وتحرير: ادّكار آخر في القرآن الكريم
المؤلف: محمد القوماني
الناشر: مجمّع الأطرش لنشر الكتاب المختص وتوزيعه.
الطبعة الأولى: تونس 2025
عدد الصفحات: 245
عرفت الدراسات الاستشراقية في الربع الأخير من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين تحوّلاتٍ عميقة وقفزةً نوعية في مقاربتِها النّص القرآني. وقد بدت هذه التحوّلات، في جانبٍ منها، إقرارًا متأخرًا بكنوز القرآن وثراء إسهاماته في قضايا الحرية والمرأة والرحمة وغيرها من مجالات التفكير الإنساني الحديثة. وبهذا المعنى، يكون هذا التيار الاستشراقي الجديد، الذي تمثّله على وجه الخصوص أعمال باتريشيا كرون ومايكل كوك، قد ابتعد نسبيًا عن مدارس الاستشراق الكلاسيكية التي دأبت على الارتهان إلى مقاربات تاريخانية وفيلولوجية مُشكِّكة في مصدر القرآن وصدقيته.
وفي مقابل هذا التحوّل اللافت في الطروحات الاستشراقية، ورغم الفتوحات المقاصدية المهمّة التي أضافها العلامة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور إلى حقل التفاسير القرآنية، وسعيه الجامح إلى تبيئتِها ضمن واقعه المعيش من خلال تفسيره الرائد وموسوعته الدالّة “التحرير والتنوير”،(نشرت أجزاؤه الثلاثون بين سنتي 1956 و 1961) وهو القائل: “والتفاسير وإن كانت كثيرة فإنك لا تجد الكثير منها إلا عالةً على كلام سابق، بحيث لا حظّ لمؤلفه إلا الجمع، على تفاوت بين اختصار وتطويل”، فإنّ مجامع التفاسير القرآنية ظلّت تعاني نقصًا بيّنًا وثلمة معرفية بائنة، تتمثّل في عدم توظيف المناهج الحديثة، من قبيل علوم النفس والاجتماع، والتداولية، والتفكيكية، والبنيوية. والحال أنّ الحاجة باتت ملحّة إلى تثوير تفسيري ومعرفي معاصر للقرآن الكريم، يؤسّس لاستئناف حضاري واعٍ بسياقاتِه وأسئلته، ومتخطّيا مِطبات الواقع واشتراطاته.
القوماني لا يكتفي بمنطق الاستئناف، بل يتجاوزه في أكثر من اتجاه؛ فبينما وضع ابن عاشور عشر مقدمات تأطيرية لتفسيره، يعيد القوماني بناء ثنائية العنوان نفسها: التنوير والتحرير، ويحمّلها دلالات متصلة بالفكر والاجتماع الإنساني، مقرًّا بأنّ الذِّكر ـ بوصفه وعيًا وحضورًا لا مجرّد ترديد ـ شرطٌ آخر من شروط الفهم. كما يستثمر ومضاتٍ تجديدية كامنة في فكر ابن عاشور، ليعيد توجيهها نحو سؤال الإنسان والواقع، في أفق قراءة قرآنية أكثر حيوية واتصالًا بعصرها.
وفي هذا الإطار، يندرج كتاب “تنوير وتحرير: ادّكار آخر في القرآن الكريم” لمؤلفه محمد القوماني، الباحث بجامعة الزيتونة التونسية، الذي رام البناء على “الروح العاشورية” ـ على حدّ وصف مقدّم الكتاب أ.د احميدة النيفر، لا سيما في موقف الإعراض عن نهج التفاسير المقلِّدة التي انتقدها ابن عاشور- ثم اجتهد في تجاوزها بالدعوة إلى استثمار أوسع وأكثر جرأة للعلوم الحديثة في مقاربة النص القرآني وفهم دلالاته. وهو ما جعل الدكتور النيفر يعتبر أنّ اعتناء هذا الكتاب بالدروب التأويلية المجددة من لسانيات معاصرة ومن فهم تداولي وسياقي وغيرها من مجالات المعرفة في إعادة قراءة القرآن الكريم، فتحٌ لمدًى يتخطّى الانقسام الحدّي بين الجهود التفسيرية الكلاسيكية وما يُنْجَزُ في الدراسات القرآنية الحديثة والمعاصرة. فإلى أيّ حدّ أقنع القوماني بالحاجة إلى قراءات جديدة مختلفة للقرآن الكريم تحسن الاستثمار الجيّد للمناهج الحديثة؟ وكيف كانت قراءته لاجتهادات النخبة المعاصرة التي استأنست بالمناهج الإنسانية الحديثة في التفسير؟
محاور الكتاب
بوّب المؤلف محمد القوماني كتابه إلى أربعة فصول استهلّها بفصل تمهيدي، سعى فيه إلى الإجابة عن الأسئلة الآتية: لماذا تُعدّ علاقة النقل بالعقل من أهمّ القضايا في الفكر الإسلامي؟ وما أبرز مقاربات الفرق الإسلامية لهذه العلاقة؟ وما هي أهم الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها؟ وما هي الرؤية التي نعتمدها في فهم جدل الوحي والعقل من منظور الوعي التاريحي؟ وما منزلة القرآن بوصفه خاتم الوحي؟ وهل يجوز تجميده عند فهم عصر بعينه؟ وما أبرز خصائص لحظتنا المعرفية الراهنة؟ وكيف يمكن فهم طبيعة النص القرآني وتحديد وظائفه وأولويات قراءته المعاصرة؟
ولم يفت المؤلف في مقدمة كتابه الإشارة إلى أهمية استحضار مواقف المفكّرين المسلمين من المنطق قديمًا، بين الرفض المطلق، والقبول التام، والتوفيق عبر التعديل أو التبيِئة، لما لها من نظائر في مقاربات المفكرين المعاصرين للحداثة الغربية، لاسيما في توظيف المناهج الحديثة في فهم القرآن. وهو زبدة بحث الكتاب ومدار نقاشه.
وقد جاء الفصل الأول بعنوان “راهنيّة المواقف من المنطق الأرسطي عند مفكّري الإسلام: الغزالي وابن رشد أنموذجًا”، وأتبعه بفصل ثان بعنوان “قراءة محمد شحرور المُعاصرة للتنزيل الحكيم: ما لها وما عليها”. أما الفصل الثالث فجاء بعنوان “السياقية التداولية في تجلية دلالات القرآن الكريم: دراسة الياباني إيزوتسو أنموذجًا”، والفصل الرابع والأخير فجاء بعنوان “جدل الغيب والشهادة في القصص القرآني: قصة ذي القرنين أنموذجًا”.
اعتنى الفصل الأوّل من الكتاب، المعنون بـ “راهنيّة المواقف من المنطق الأرسطي عند مفكّري الإسلام: الغزالي وابن رشد أنموذجًا”، بالوقوف عند تجربة الغزالي “الذي تدرّج في مؤلّفاته من شرح المنطق الأرسطي إلى إعادة صياغته بمفاهيم قرآنية، أو من ابتكاره، مثل: مدارك العقول، معيار العلوم، محك النظر، القسطاس المستقيم، وغيرها. وبهذا، قام بعملية تبيئة للمنطق داخل الثقافة الإسلامية. و”شكّك في معارف من لا يُتقنون المنطق”. كما تناول هذا الفصل تجربة ابن رشد “الذي دافع عن الفلسفة والمنطق من منطلق قرآني وفقهي. فاستدل بالقرآن على وجوب النظر الفلسفي. ودافع عن القياس البرهاني، مستندًا إلى القرآن ومستأنسًا بما جرى به العمل في القياس الفقهي”.
أما الفصل الثاني المعنون بـ “قراءة محمد شحرور المعاصرة للتنزيل الحكيم: ما لها وما عليها”، فقد خصّصه المؤلف لشرح قراءة محمد شحرور، التي أحدثت جدلا واسعا منذ صدور مؤلفه “الكتاب والقرآن”، ولما رأى فيها المؤلف من تميز بـ”جهاز اصطلاحي فريد ومنهج لغوي تأويلي جديد، أدّى إلى مراجعات جوهرية”. وقدّم المؤلف في هذا الإطار عرضًا تحليليًا نقديًا لهذه القراءة من حيث المنطلقات، والمكاسب، والإشكاليات.
وتناول المؤلف في الفصل الثالث، الذي جاء بعنوان “السياقية التداولية في تجلية دلالات القرآن الكريم: دراسة الياباني إيزوتسو أنموذجًا”، الثورة المنهجية التي دشّنتها اللسانيات الحديثة. واعتبر المؤلف أن تلك الثورة المنهجية “جعلت الرؤية أوضح في فهم مناهج السلف وتقديرها حق قدرها، وفي بيان الحاجة إلى تطوير المنهج والاستفادة من اللسانيات المعاصرة وغيرها من مجالات المعرفة في إعادة قراءة القرآن الكريم، وتجاوز الدلالة المعجمية نحو فهم تداولي وسياقي”.
وقدّم الفصل قراءة في اجتهاد “توشيهيكو إيزوتسو” (Toshihiko Izutsu) (ت1993) حول الرؤية القرآنية للعالم، بوصفه رائدًا في تطبيق النظرية الدلالية والسياقية على النص القرآني. “إذ لم تزد العقود التي مضت منذ نشر دراسة إيزوتسو، (صدرت مطلع ستينات القرن المنصرم، وتمّ تعريبها سنة 2007 تحت عنوان: “الله والإنسان في القرآن: علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم)،” إلا تأكيدًا لأهمية هذا العمل وقيمته المضافة”.
أخيرًا، عنون المؤلف في الفصل الرابع بـ “جدل الغيب والشهادة في القصص القرآني: قصة ذي القرنين أنموذجًا”، وأجرى تجربة تطبيقية في الادّكار الشخصي الآخر للقرآن الكريم. فتناول مفهوم الغيب والشهادة كما تجلّى في قصة ذي القرنين والجدل بينهما ضمن تصور توحيدي. وسعى إلى تجاوز ما قال إنها قراءات تقليدية لهذه القصة التي طغت عليها “الإسرائيليات” والخرافة، نحو قراءة عقلانية معاصرة تراعي المقاصد وتوظّف المعارف الحديثة. وسوف نقتصر في هذا التقديم على أهمّ المنطلقات الفكرية التي يعتمدها المؤلف محمد القوماني في تناول قضايا كتابه. ونتناول قراءة المؤلف لطروحات محمد شحرور و”توشيهيكو إيزوتسو”، وذلك لضيق المجال.
تجديد قراءة النص القرأني استجابة معرفية وروحية لأسئلة العصر
حرص محمد القوماني منذ المقدمة على التأكيد أنّ الاشتغال بتجديد قراءة النص القرآني ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو مطلب حضاري ملحّ في زمن تتسارع فيه التحوّلات، وتتجدد فيه التحديات التي تمتحن علاقتنا بالوحي والواقع والعقل والحرية. وبيّن أنّ الانفتاح على المناهج المعاصرة، لا يقطع الصلة بالتراث، وإنما هو في حوار نقدي معه، يستبقي ما استقام من اجتهاداته، ويعيد النظر فيما تجاوزه الزمن أو خضع لظروفه وأفقه المحدود. مضيفا القول إنّ القراءات الأخرى التي يدعو إليها، “ليست نقيضًا للقراءات السابقة، ولا بديلاً متعالياً عنها، وإنما هي استئناف لمشروعِ تدبّر لا ينتهي، وحلقة من حلقات التفاعل الخلاق بين الإنسان والقرآن، في ضوء المتغيرات المعرفية والوجودية المتسارعة”.
في ذات السياق، أشار القوماني إلى أنّ زبدة عمله هو محاولة توليد الأسئلة وإثارتها، و”تأصيل المنطلقات، وتقديم نماذج من مقاربات بديلة، تؤمن بفاعلية العقل، وتحترم مقاصد النص، وتراعي سياقاته، وتُحسن الإصغاء لتحديات الإنسان المعاصر، في آماله وآلامه، في قلقِه وإبداعه، في بحثه المستمر عن المعنى والهداية والكرامة”. كما أن مبتغى الكتاب في النهاية هو هو “الإسهام في بناء ثقافة قرآنية جديدة، قوامها التفاعل الحرّ المسؤول مع الوحي، واستحضار القيم الكبرى التي بشّر بها: الحرية، والعدل، والرحمة، والعقل، والتزكية، والعمران، بعيدا عن أيّة نزعة تكفيرية. إذ لا تكفير في تأويل. وقد نقل ابن رشد عن أبي حامد الغزالي والجويني وغيرهما “إنّه لا يُقطع بكفر مَن خرق الإجماع في التأويل”.
التنوير شرطٌ سابق للتحرير
يُشيّد محمد القوماني أطروحته ضمن هذا الكتاب ـ الموسوم بآية التيسير: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ـ على قاعدة أساسية مفادها أنّ التنوير شرطٌ سابق للتحرير. وفي هذا يقول إنه رام أن يكون عنوان الكتاب “تنوير وتحرير: ادّكار آخر في القرآن الكريم”، إحالة غير مباشرة على المجهود المتميز لابن عاشور في تفسيره “التحرير والتنوير”، إشادة به واعترافا بفضله، مع تحوير في ترتيب المفردات ودلالاتها. ويضيف بالقول إنّ “التنوير في مقاربتِنا طريق إلى التحرير، إذ تحرير الإنسان المسلم يبدأ من تحرير علاقته بالنص المؤسس، بتنوير تفكيره فيه، وتفعيل طاقاته التأويلية. وتحرير الذوات شرط لتحرير الشعوب والأوطان”.
يرى المؤلف محمد القوماني أنّ اعتماد العقل أساسا للتكليف وأداة للمعرفة والتمييز وحجة يقينية لا يعني انفصاله عن الوحي، كما أن حياة الإنسان في إطار الاستخلاف تبقى مسيرة دائمة لتحقيق كماله الذاتي والاجتماعي، باكتساب صفات الله تعالى بلا ادّعاء للألوهيّة.
ويقول القوماني إنّه حرص عبر فصول الكتاب على بيان الحاجة إلى مقاربات تجديدية للقرآن وادّكار آخر في آياته. وهو إذ يفعل ذلك، إنّما يستحضر مقولة المفكّر الباكستاني فضل الرحمن في كتابه “الإسلام وضرورة التحديث”، حيث يؤكّد أنّ “لا سبيل إلى تغيير اجتماعي في البلاد الإسلامية دون نزعة عقلية إسلامية موصولة بأسلوب تفسير القرآن، لأن تعثّرات الحاضر وعدم نجاعة الأدوات الفكرية المعتمدة إنما ترجع، في جوهرها، إلى الافتقار إلى المنهج الصالح لفهم القرآن نفسه”.
ومن هذا المنظور، يرى الدكتور احميدة النيفر أنّنا “أمام لَبِنة مشروع يمكن اعتماده في أعرق صرح تعليمي تربوي عربي مغاربي، ينتفض به جيلٌ قادم في قيامة رمزية ترتوي بنسغِها جذور الزيتونة الشاهدة، لتُنير عالم المعرفة والثقافة بإسهام حضاري جديد”.
ويضيف النيفر أنّ القوماني لا يكتفي بمنطق الاستئناف، بل يتجاوزه في أكثر من اتجاه؛ فبينما وضع ابن عاشور عشر مقدمات تأطيرية لتفسيره، يعيد القوماني بناء ثنائية العنوان نفسها: التنوير والتحرير، ويحمّلها دلالات متصلة بالفكر والاجتماع الإنساني، مقرًّا بأنّ الذِّكر ـ بوصفه وعيًا وحضورًا لا مجرّد ترديد ـ شرطٌ آخر من شروط الفهم. كما يستثمر ومضاتٍ تجديدية كامنة في فكر ابن عاشور، ليعيد توجيهها نحو سؤال الإنسان والواقع، في أفق قراءة قرآنية أكثر حيوية واتصالًا بعصرها.
القراءة الجديدة للقرآن وإعادة ترتيب العلاقة بين الوحي والعقل
يرى المؤلف محمد القوماني أنّ اعتماد العقل أساسا للتكليف وأداة للمعرفة والتمييز وحجة يقينية لا يعني انفصاله عن الوحي، كما أن حياة الإنسان في إطار الاستخلاف تبقى مسيرة دائمة لتحقيق كماله الذاتي والاجتماعي، باكتساب صفات الله تعالى بلا ادّعاء للألوهيّة. ويشير في هذا الإطار إلى تشبيه ابن خلدون العقل بميزان الذهب لما يتسم به من دقة وما فيه من يقين، لكنه لم يغفل عن محدوديته وحاجته إلى الوحي، حيث قال: “العقل ميزان صحيح وأحكامه يقينية، لا كذب فيها، غير أنّك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة، وحقيقة النبوّة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طـوره، فإن ذلك طمع في مُحال. ومثال ذلك رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهـب فطمـــع أن يزن به الجبال. وهذا لا يدلّ على أن الميزان في أحكامه غير صادق، ولكن للعقل حدّا يقف عنده ولا يتعدّى طوره.
كما أنه فضلاً عن حاجة العقل إلى الوحي في قضايا الغيب، يبقى القرآن، الذي أحاط بجواهر قضايا الإنسان إطارًا نظريًا عامًا للعقل ينطلق منه و يعود إليه، ويظلّ العقل الحاكم والناطق عن الوحي، مصداقا لقوله تعالى: “مَا فَرَّطْنَـــا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ” (الأنعام/38)،. وقد أُثر عن الإمام عليّ قوله: “هذا القرآن إنما هو خطّ مستور بين الدفّتين، لا ينطق بلسان، ولا بدّ له من ترجمان، وإنّما ينطق عنه الرجال” ، في إشارة إلى أنّ التأويل والتفسير من مسؤولية الإنسان. لذلك، يرى القوماني أنّ أولى أولويات القراءة الجديدة للقرآن اليوم، في سياق تجديد الفكر الإسلامي، هي أن نعيد ترتيب العلاقة بين الوحي والعقل، بحيث يكون الوحي هاديًا مرشدًا للعقل، لا خصمًا له، ولا بديلًا منه. كما يجب أن يُنظر إلى القرآن على أنه نص تأسيسي مفتوح على الواقع والزمان والمكان. وهو ما يجعل الاجتهاد القرآني المتجدد ضرورةً لا ترفًا، خاصة في سياق التحديات الحضارية والمعرفية المعاصرة. كما أنّ علاقة الوحي بالعقل، والغيب بالشهادة، تشكّل المدخل الأساسي لفهم التجديد القرآني، وأنّ التفكير في هذه العلاقة لا يمكن أن ينفصل عن التاريخ الإسلامي، وعن تحديات اللحظة الحضارية الراهنة، ولا عن طبيعة النص القرآني نفسه.
جدل الغيب والشهادة في قصة ذي القرنين
في قراءته لجدلِ الغيب والشهادة من خلال قصّة ذي القرنين الواردة في سورة الكهف، يشير محمد القوماني إلى أنّه استفاد من أقوال علماء سابقين، ولكنه لم يتردد في نقد بعض قراءاتهم، خاصّة تلك التي يرى أنها تأثرت بنزعة تفكير خرافي، وغرقت في تفاصيل المرويات والإسرائيليات التي لا دليل على صحتها و تبدو متعارضة مع السياق القرآني.
وقد توصّل القوماني إلى أنّ القصص القرآني احتوى من الآيات المتشابهات التي تقبل التأويل والقراءات المختلفة، وهو حقل خصب للتفكير والتجديد. لكن النزوع إلى التفاصيل التي لا دليل عليها وترديد المرويات غير المؤكدة وتغليب الطابع الأسطوري عوائق منهجية تحول دون تحقيق مقاصد القصص القرآني. كما رأى أنّ القصص القرآني لا يروي أحداثًا تاريخية فقط، وإنّما “يوظّفها في إطارٍ جدليٍّ تتداخل فيه حقائق الغيب مع وقائع الشهادة. وكل تجديد في قراءة القرآن، وفق سقف العصر المعرفي وقضاياه، يكسب القرآن راهنيّة ويعزّز صلاحيته لكل زمان ومكان”.
كما أشار القوماني إلى أنّه يمكن توظيف القصص القرآني في بناء عقلية نقدية معاصرة، والاهتداء بالقرآن في تحسين السلوك والأداء. وتفسير التحرير والتنوير لابن عاشور يتيح لنا قراءة عقلانية يمكن من خلالها رصد جدل الغيب والشهادة في قصّة ذي القرنين عليه السلام، لتوجيه الإنسان نحو الفهم الإيماني للوجود، وموقعه فيه، ومصيره.
وفي ذات الإطار، يرى القوماني أنّه يمكن اعتماد قصّة ذي القرنين مثالًا في الأخذ بأسباب العلم وفهم الطبيعة، وتخطيط العمل، واستثمار الإمكانيات الذاتية، وإشراك الجماعة في الفعل الإيجابي. فالأخذ بالأسباب والاجتهاد في خدمة الناس، والحرص على النجاح والتألق، لا يُنسي المؤمن شكر الله تعالى في تواضع. والرؤية التوحيدية تؤطر جدل الغيب والشهادة في كلّ نواحي الحياة.
محمد شحرور والتأكيد على عالمية الإسلام وإنسانيته
يشير القوماني إلى أنّ محمد شحرور يشدّد على أنّ “الفكر الإسلامي ذو طابع عالمي إنساني”، وبذلك يكون كتابه غير مخصوص بفئة معيّنة وإنّما هو موجّه “إلى كلّ إنسان عربي أو غير عربي، مؤمن أو ملحد، وإلى كافة الاتجاهات العقائدية حيث نعتقد بأن كل إنسان سيجد شيئا ما في هذا الكتاب يدخل ضمن قناعاته الخاصة، وقد يجد فيه شيئا ما كان يبحث عنه”. فهو تجاوز في كتابه كل أنواع التعصّب المذهبي والطائفي وهدفُه هو البحث عن الحقيقة بشكل موضوعي. فمحمد شحرور يحاول في مشروعه تجاوز مشكلة جوهرية تواجه الفكر الإسلامي التقليدي، ألا وهي القصور عن مخاطبة العالم على أساس تصالحي وتعددي رغم الاتفاق على عالمية الإسلام. ويظهر هذا الهاجس جلياً في حرص شحرور على إعادة تعريف المسلمين من جهة والمؤمنين من جهة أخرى، وهو ما تناوله في آخر كتابه.
وبهذه المنطلقات النظرية، يرى القوماني أن شحرور يضع الإنسان المعاصر أمام نصّ الوحي المنزل (الكتاب) وجهًا لوجه دون مُسبقات. وكانّه يتنزّل للتوّ. فلا يعتمد أيّ تفسير سابق ولو كان منسوبًا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك عكس منهج أهل التراث التفسيري من وجهة نظره. ومن هذه المنطلقات النظرية أيضا يضع شحرور مضامين جديدة تماما لجملة من المصطلحات التي تجد سندها في التنزيل الحكيم، وهو يميّز بينها بناء على رفضه للقول بالترادف. وقد خصّص الباب الأول من مؤلفه تعريف بجهازه الاصطلاحي المستنبط من القرآن والاستدلال عليه. ومن أبرز تلك المصطلحات الكتاب، الذكر، النبوة، الرسالة، الآيات المحكمات، الآيات المتشابهات، الفرقان، أمّ الكتاب، القرآن العظيم، السبع المثاني، تفصيل الكتاب، الآيات البينات، أحسن الحديث، القرآن المجيد، الكتاب المبين، الإنزال، التنزيل، الترتيل، السنة، والحدود.
في ضرورة إعادة قراءة شحرور وتقييمها
يعتبر القوماني أن محمد شحرور اعتمد نفي الترادف في الكتاب، وقاس دقة اللغة في المصحف بوصفه كتابا إلهيا مقروءا، على دقة خلق الله تعالى الكون بوصفه كتابا منظورا، وتوصّل إلى نتائج مهمّة في بيان الفوارق بين الألفاظ مستندا إلى المعنى اللغوي. و”فتح أبوابا ربما كانت مغلقة من قبل، أمام البحث الجاد في النص القرآني، مستفيدا من المزج بين النظرية النحوية العربية القديمة وما توصلت إليه اللسانيات الحديثة. وقد انفرد بجهاز اصطلاحي (معجم جديد) يفتح آفاقا واعدة في فهم كتاب الله تعالى”. في مقابل ذلك، يرى أنّ “من أهم أسباب الاحتراز عليه، فضلا عن مهاجمة رافضيه له، عدم الاطلاع أصلا على مؤلفاته، واجتزاء أقواله أو تصريحاته من سياقها وعدم الاطلاع على المعجم الخاص به. فهو حين يقول لا وجود لمسألة ما في القرآن، شأن الميراث على سبيل المثال، إنّما يعني القرآن كما يعرّفه جزءا مخصوصا من كتاب الله تعالى، وليس القرآن كما ألفنا استعمال المصطلح الذي يدلّ عليه”.
كما يشيد المؤلّف بما حققه شحرور من إضافة نوعية وتقديم اقتراحات عملية، في العقيدة وفي الفقه، عكس سابقيه. فقد كان مستحضرا لهذا التحدّي. إذ يذكر في مقدمة “الكتاب والقرآن” قوله: ” إنّ المسلمين في العصر الحاضر يعيشون أزمة فقهية حادة، وهناك صيحات صادقة تقول: إننا بحاجة إلى فقه جديد معاصر، وبحاجة إلى فهم جديد معاصر للسنة النبوية، وقد تم تشخيص هذه المشكلة، ولكن دون وضع حلّ لها. فإذا أردنا أن نخترق الفقه الإسلامي الموروث “الفقهاء الخمسة”، وجب علينا إعطاء البديل، وهذا ما فعلناه في هذا الكتاب، حيث طرحنا منهجا جديدا في الفقه الإسلامي وطبقناه على أحكام المرأة فنتجت لدينا أحكام لم تكن عند الفقهاء كلّهم”.
كما نأى محمد شحرور بقراءته المعاصرة للكتاب عن الخوض في “أصل القرآن” وفي “مصادره” اليهودية والمسيحية أو غيرها ممّا أثاره بعض المستشرقين وتبعهم فيه باحثون عرب ومسلمون. ولم يبحث في حقيقة الوحي وفي كيفية حصوله، ولم يتوقّف عند قضايا تدوين المصحف وما أثاره المستشرقون وغيرهم من تشكيك في “القرآن”. فتلك التوجّهات في التعاطي مع القرآن لم تنل من ثقة المسلمين به، وهم يتداولون المصحف نفسه، ويعتقدون جازمين في أنّه وحي الله إلى الرسول الخاتم محمد وأنّه مضمون رسالته ومعجزته الخالدة في آن. وأنّه وصلهم بالتواتر الشفاهي والكتابي وتولّى الله تعالى حفظه من التحريف. فقد تعاطى شحرور مع المصحف بصفته نصّا منجزا وأمرا واقعا، فضلا عن عقيدته الشخصية فيه، وكان اهتمامه منصرفا إلى القراءة التي يستهدف من خلالها تغيير تفكير المسلمين وسلوكهم، وهذا البُعد أهمّ من الجدال في الفرضيات الذهنية. وهو ممّا يُحسب له.
لقد جعل شحرور الكتاب الكريم مركزا لاهتماماته ومقترحاته، وهو مرجعه الوحيد تقريبا في حجاجه لأطروحته. وكان كما يقول عن نفسه أوّل من طبق القول بأنّ “القرآن يفسر بعضه بعضا”. وهذا يحسب له أيضا، بعد أن تاه المسلمون زمنا طويلا بين المرويات وأقوال المتقدمين على حساب كتاب الله تعالى. واستطاع أن يبلور رؤية قرآنية متكاملة تبدو مكتفية بذاتها، في معالجة القضايا التي تصدّى لها. دون تجاهل استفادته الواضحة بلا شك من مجمل التراث العربي الإسلامي والغربي عموما.
ولم تكن إضافته النوعية في مستوى الجهاز الاصطلاحي الذي استخدمه لفهم أسرار الكتاب انطلاقا من الكتاب ذاته، أو في الاشتقاقات اللغوية التي اعتمدها لتغيير فهمنا لبعض المسائل، وإنّما بدت الإضافة النوعية في تداعيات المنهج الذي اختاره في فهم التنزيل الحكيم على مجالات مختلفة في الفكر الإسلامي، ذات صلة بالواقع والممارسة، نخص بالذكر منها قضايا الفقه لا سيما الأحوال الشخصية، والقصص القرآني، وبعض مسائل العقيدة.
إيزوتسو والنظرة العالمية للقرآن
يشير القوماني في دراسته لمشروع إيزوتسو الياباني إلى أنّه يؤكد “أنّ التصور القرآني لـ “الله” أحدث تحولًا عميقًا في رؤية العرب للعالم. فالتوحيد في القرآن لم يكن مجرد تغيير لفظي، وإنما كان تغييرا جذريًا لنظام القيم والمفاهيم السائدة. فقد كان له تأثير في كافة المجالات الفردية والاجتماعية والسياسية، وأدى إلى إعادة تنظيم شاملة لكل القيم والمعاني في “الرؤية القرآنية للعالم”.
فالنظرة القرآنية للعالم بحسب “إيزوتسو” رؤية شاملة ذات جوانب مترابطة هي: الله، والإنسان، والمجتمع، والغيب والشهادة، والدنيا والآخرة، والمفاهيم الأخروية. ويعتبر ” الله” العنصر الأهمّ في هذه الرؤية. فكلّ ما هو موجود في الكون، بما في ذلك الإنسان، يرتبط مباشرة بالله من خلال كونه الخالق، المتحكم، والمربي. كما يربط القرآن بين الإنسان والكون، فهما مرتبطان بعلاقة تفاعل وتكامل، حيث يُعتَبر الإنسان مسؤولاً عن تعامله مع العالم الذي خلقه الله. في حين تبرز أهمية الآخرة والدنيا في هذه الرؤية، فهما يشكلان إطارًا لفهم الإنسان لمصيره ودوره في العالم.
وتشمل العلاقة بين الله والإنسان حسب “إيزوتسو” أبعادًا متعددة منها: العلاقة الوجودية، والتواصلية، والأخلاقية. فالعلاقة الوجودية تعبّر عن الارتباط الأساسي بين الله خالقا والإنسان مخلوقا. أما العلاقة التواصلية فتشمل التواصل غير اللغوي من خلال الدلائل والآيات الطبيعية، والتواصل اللغوي من خلال الوحي والرسالة القرآنية. وأخيرًا، العلاقة الأخلاقية التي تُعنى بالمعايير الأخلاقية التي يفرضها الله على الإنسان وكيفية استجابة الإنسان لها.
وفي تقييمه لـعمل “توشيهيكو إيزوتسو”، يرى القوماني أنّ الباحث أعرض عن الخوض في “أصل القرآن” ومصادره اليهودية والمسيحية أو غيرها، التي أثارها بعض المستشرقين وتبعهم فيها باحثون عرب ومسلمون. ولم يبحث في حقيقة الوحي وكيفية حصوله، ولم يتوقف عند قضايا تدوين المصحف وما أثاره المستشرقون وغيرهم من تشكيك في “القرآن”، الذي يظل موثوقًا عند أكثر من ملياري مسلم يؤمنون بأنه وحي الله إلى النبي محمد، وأنه آياته الخالدة. وقد وصل المصحف بالتواتر الشفاهي والكتابي، وتولى الله حفظه من التحريف: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر/9). وقد تعامل “إيزوتسو” مع المصحف كنصّ منجز وأمر واقع، وركز اهتمامه على قراءة القرآن من خلال علم الدلالة، ساعيًا إلى الموضوعية العلمية وتجنب الجدال في الفرضيات الذهنية، مما يُحسب له.
وجعل “إيزوتسو” القرآن الكريم مركز اهتماماته العلمية ومصدرا أساسيا في حجاجه لأطروحته. وهذا يُحسب له أيضاً، بعد أن تاه المستشرقون والمسلمون أنفسهم وقتا طويلا بين المرويات وأقوال المتقدمين على حساب الكتاب. وقد استطاع أن يبلور رؤية قرآنية للعالم تبدو مكتفية بذاتها في معالجة القضايا التي تصدى لها، دون تجاهل استفادته من التراث العربي الإسلامي والغربي عموماً. وكانت إضافته نوعية من خلال استخدامه لجهاز اصطلاحي لتجلية دلالات القرآن، انطلاقًا من القرآن ذاته.
وتميّز كتاب “الله والإنسان في القرآن” بلغته السهلة وأسلوبه المبسط، بعيدًا عن التعقيد، رغم أن غير المختص قد يجد صعوبة في المقدمات المنهجية نظرا لجدّتها. ورغم ذلك، حرص الباحث على الضبط المنهجي المفصل للقارئ. ومما يُحسب له أيضاً دقته العلمية واعتماده المباشر على اللغة العربية وإتقانه لتفاصيلها. فقد رفض دراسة المفاهيم القرآنية بلغات أخرى، وعاد إلى الشعر الجاهلي، حيث أظهر معرفة جيدة بمعانيه ومفرداته الغريبة، وهي معرفة نادرة حتى لدى بعض الباحثين العرب.
في ضرورة الانتباه إلى خصوصية الأسلوب القرٱني وأسراره
يرى القوماني أنه على أهمية ما تطلع إليه إيزوتسو من رؤية قرآنية للعالم من خلال علم الدلالة، وما يشتغل عليه القائلون بـ “التفسير الموضوعي للقرآن” عموما يظلّ مهمّا، لكن لا ينبغي أن يحجب ذلك الأسئلة الكبرى المتعلّقة بشكل النص القرآني وبنيته. فمن السهل تتبّع الموضوع الذي تتوزع مؤشراته هنا وهناك في السور. لكن هذا الافتراض يعني أمرين: إمّا أنّ السورة، والآية، وترتيب المقاطع داخل السورة، والانقطاع، والتكرار، وغير ذلك من أساليب البناء والتنظيم لا معنى لها، أو هي اعتباطية، وأنّ المعنى يتحدّد حسب السياق في مختلف الموضوعات، وإمّا أنّ كل ذلك له معنى ولكننا لا نعرف عنه إلا القليل.
ثم إن الأسئلة تتولّد على نحو مثير: ما هي وحدة المعنى في القرآن؟ هل هي الآية؟ هل الآية وحدة نحوية أم وحدة خطابية؟ هل يمكن مقارنتها بالبيت في الشعر؟ كيف يمكننا أن نفسّر البناء والتغيّر في طول الآيات أو قصرها؟ على أيّة قاعة تحدّد الآيات؟ كيف تُبنى السور؟ هل هناك إيقاع داخلي في السورة؟ وكيف يتمّ الانتقال بين الموضوعات؟ ما دور الخطاب والسرد في السورة؟ من الذي يتكلّم في القرآن؟ ما المسافة التي يقيمها النص مع المخاطَبين؟ هل هو فاعل أم مُنشئ للخطاب فقط؟ ما الفرق بين “أنا” و”نحن” في القرآن؟
في المحصلة، يؤكد القوماني على ضرورة اعتبار السياق في تجلية دلالات آيات القرآن الكريم، وقدم شواهد على ذلك. وأشار إلى اهتمامات القدامى المعتبرة على هذا الصعيد. وناقش بعض مواطن الخلل أو النقص في المدونة التفسيرية السنية والشيعية من خلال أمثلة دقيقة. وخلص إلى الإضافة التي تقدمها اللسانيات الحديثة، خاصة النظرية الدلالية والسياقية والتداولية، والآفاق التي تفتحها والحاجة إلى استخدامها في قراءة النص القرآني من خلال أنموذج تطبيقي. ويضيف بالقول إنّه مهما كانت ملاحظاته النقدية في أثر “الله والإنسان في القرآن: علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم” لـ “إيزوتسو”، فإن الاستفادة من المقدمات المنهجية التي وضعها والنتائج التي توصل إليها مؤكدة.
ويبقى “السياق المعرفي”، أو “الوعي التاريخي”، كما يطلق عليه محمد أبو القاسم حاج حمد (1941-2004) في كتابه “العالمية الإسلامية الثانية”، وتحديد “طبيعة النص القرآني” وأية وظيفة رئيسية له، وأولوياتنا المعاصرة في تدبّره، من أهم المسائل وأكثرها حساسية في تناول التفاسير المنجزة والمشاريع المقترحة. فقد ألمّ بعض المفكرين المعاصرين بهذه المسألة الخطيرة، لكن الجهود في هذا الصعيد لا تزال محدودة، مما يجعل الأسئلة أكثر من الأجوبة، ويترك الأبواب مشرعة على مصاريعها لتجديد الدرس التفسيري وتقديم قراءات معاصرة للقرآن الكريم، خلافًا لما قدّره الذهبي في كتاب “التفسير والمفسّرون” من أنّ السلف لم يتركوا للخلف كبير جهد في تفسير القرآن.
ختاما،
نقدّر أن المؤلف محمد القوماني اجتهد على غرار الكثير من المهتمّين بالظاهرة القرآنيّة وما تعلّق بها من دراسات. ولكنّ السؤال الحادّ الذي يظلّ مطروحا يتمثّل في مدى قدرة القراءات المعاصرة على بلورة رؤية واضحة بوسعها أن تعكس منظومة تفسيريّة تُقدّم المعنى القرآني بأكثر منطقيّة تضمن قابليته عند المتلقي. ولماذا تبدأ مشاريع القراءات المعاصرة للقرآن ولا تكتمل؟
الحسين بن عمر
[i] ـ تقديم الإعلامي الحسين بن عمر لكتاب”تنوير وتحرير: ادّكار ٱخر في القرٱن الكريم” لمؤلفه محمد القوماني على منصة عربي 21، في جزءين بتاريخ 13 و14 فيفري 2026.
مقالات ذات صلة
شهادة نعتزّ بها
2025-12-10