الاحتلال إلى زوال .. والمجد للمقاومة

 

الاحتلال إلى زوال .. والمجد للمقاومة

 

جريدة الموقف بتاريخ 9 أفريل 2004

 

بعد سنة من الاحتلال، ماذا بقي للأمريكيين أن يفعلوا بالعراق ؟ وقد نجحوا في تدمير أسلحة الدمار الشامل التي كانت تهدد العالم الآمن ! وحرروا شعب العراق من دكتاتورية صدام حسين وحزب البعث ! وأرجعوا الطمأنينة للعراقيين وأغدقوا عليهم خيرات العراق التي كانت تحتكرها عائلة صدّام ! وملأوا ربوع بلاد الرافدين عدلا وحقق إنسان!

لن نبكي بغداد في الذكرى الأولى لاجتياح القوات الأمريكية لساحاتها وشوارعها، لأنّ بغداد بتاريخها وحاضرها ومقاومتها أكبر من أن يطمسها المحتلون الذين باتوا ينتحرون على أسوارها.

لا شك أن سنة من الاحتلال قد كشفت بعض الحقائق، لكن أمورا كثيرة تظل طيّ الكتمان ما دام الغزاة وشركاؤهم يتحكمون بالوضع إلى حين. ويكفي أن نستحضر في هذه المناسبة وبما يتيحه المقام الحقائق الثلاثة التالية:

الحقيقة الأولى : سقوط الذرائع وانكشاف المخطط

بعد سنة من احتلال العراق تظهر إدارتا بوش وبلير عاريتين من أيّة مصداقية، بعد أن تبين بما لا يرتقي إليه الشكّ أن مزاعم امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل ليس سوى ذريعة للاحتلال. وقد بدأ رموز الإدارتين في الاعتراف دون خجل بالفرية التي سوقوها. بعد أن فعلوا كل ما بوسعهم لقطع الطريق عن الشهود. كما بينت عمليات النهب والتخريب الواسعة التي قامت الآليات العسكرية الأمريكية بتغطيتها، إن المستهدف ليس نفط العراق وثرواته فقط، وإنما أيضا تاريخه وذاكرته ومؤسساته العلمية ومعالم الحداثة فيه. تماما مثلما كشف التغلغل الصهيوني والبدائل المعروضة لحكم العراق أن هذه الحرب تدور بالوكالة عن الكيان الصهيوني، وأن النهج السياسي للقيادة العراقية كان المستهدف الأوّل.

الحقيقة الثانية أكذوبة تحرير العراق ونشر حقوق الانسان

رغم ما بدأ به الأمريكيون أيامهم الأولى من دخول بغداد باستهداف الإعلاميين قتلا ومضايقة وحصارا وإخضاعا، فإن ما تبثه الفضائيات وما تنقله الصحافة المكتوبة كفيل بكشف حجم الكارثة التي حلت بالعراق و الجحيم الذي يحياه العراقيون منذ بداية الاحتلال. فصور الآليات العسكرية المنتشرة بالشوارع والتقتيل العشوائي وقمع المظاهرات بالذخيرة الحيّة وعمليات دهم البيوت الآمنة وإهانة أصحابها والاستيلاء على المنازل وتحويلها إلى ثكنات للجنود، والعبث بالممتلكات… كلها مشاهد يومية بالعراق لا تختلف في شيء عن نظيراتها في فلسطين على يد العصابات الصهيونية. مئات المطلوبين..مئات آلاف العاطلين عن العمل. أعدادا كبيرة غير محددة من المعتقلين بأماكن مجهولة وفي ظروف غامضة.. وفيات مشبوهة بالمعتقلات.. شهادات من المسرحين عن الإهانة والتعذيب.. تنفيذ لقرارات بالإعدام دون أسر أو محاكمة كما هو الشأن بالنسبة إلى قصي وعدي وآخرون.. وأخيرا وليس آخرا إيقاف صحيفة ” الحوزة ” واعتقال القائم عليها من مكتب الزعيم الشيعي مقتدى الصدر..

ترى هل تحرّر العراق فعلا من القمع والخوف، وسيطرة المخابرات أم ضاق العراق أكثر بالرعب الذي تنشره قوات الاحتلال متعددة الجنسيات !؟ تلك عينة بالغة الدلالة على العصر العربي الأمريكي وعن حقوق الإنسان المزعومة

الحقيقة الكبرى: تصاعد المقاومة واتساعها..والاحتلال إلى زوال

لم يستقبل العراقيون قوات الاحتلال بالورود والزغاريد، بل انطلقت المقاومة الشعبية في الساعات الأولى التي كان يعلن فيها عن انهيار النظام. ففي حين كان الأمريكيون وبعض من جنّدوهم يسقطون تمثال صدّام حسين بساحة الفردوس يوم 9 أفريل 2003 كانت جيوب المقاومة تشنّ أولى هجماتها. ولم يمضي وقت طويل حتى تسارعت العمليات وتطورت كمّا ونوعا، وسقط في صفوف جنود الاحتلال من القتلى والجرحى خلال أشهر قليلة ما يفوق خسائرهم المعلنة ما بين إعلان الحرب على العراق ودخول بغداد. وروّجت الدعاية الإعلامية الأمريكية أن صدّام ومساعديه يقفون وراء تلك المقاومة التي أعلنوا أنها ستنتهي بسرعة. لكن الأحداث جاءت عكسية فقد أعتقل الأمريكيون أغلب من أوردوا أسماءهم على لائحة المطلوبين وقتلوا عدي وقصي، وأوقفوا الآلاف، وأغرو العراقيين بآلاف الدولارات لتعقّب رموز النظام السابق، وبثوا يوم 14 ديسمبر 2003 صورا مهينة لصدّام حسين في محاولة للنيل من معنويات العراقيين وكل المناهضين للوجود الأمريكي بالعراق. لكن المقاومة رغم كل ما زعموه ظلت مستمرة ومستعرة، وهاهي خلال هذا الأسبوع تشتدّ وتتسع لتشمل ضحايا النظام السابق من أمثال أتباع مقتدى الصدر، وهاهي معنويات العرب ترتفع مع كل عملية نوعية ضدّ الاحتلال. وهاهي ” الفلوجة ” تفرض نفسها عاصمة لعراق المقاومة وإحدى العتبات المقدسة السنية، التي تنضاف إلى عتبات أهل البيت بعاصمة الرشيد.

وتبقى الحقيقة الكبرى في العراق كما في فلسطين أن المجد للمقاومة.. وأن الخزي للغزاة.. وأن الاحتلال إلى زوال.

محمد القوماني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* مقال منشور بجريدة “الموقف” (أسبوعية تونسية)، العدد 259، بتاريخ 9 أفريل 2004


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>