الاتحاد قوّة وازنة في البلاد: نقطة اللاّعودة

 

جاء خطاب الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي يوم الثلاثاء 04 سبتمبر 2014 كما كان مُنتظرا،  حاسما وصارما وغير مسبوق في تحديد علاقة منظّمة الشغّالين بحكومة الشاهد. ففي كلمته الافتتاحية لندوة “قسم الدواوين والمؤسسات العمومية” حول “مشروع الحكومة الخاص بإصلاح المنشآت العمومية وحوكمتها” وصف الطبوبي الحكومة أو بعض أعضائها، ب”العصابة” و”أربعة ذرّي في القصبة” وبعض “السماسرة” ونعت الوزير المكلف بالإصلاحات الكبرى ب”وزير الخراب وتخريب البلاد”. وأشاد بقرار “مجمّع القطاع العام” الإضراب العام، الذي يبقى للهيئة الإدارية المزمع انعقادها  يوم 13 سبتمبر 2018 ، إقراره وضبط موعده إنجازه. كما أقسم الطبوبي على “عدم التفريط في أيّ شبر من القطاع العمومي”. ولاقى خطابه الحماسي الذي استغرق ساعة وربع تقريبا، تأييد المشاركين وتصفيقهم. وعرّج فيه الأمين العام على مسائل حيوية من بينها الإصرار على رحيل الشاهد وتغيير الحكومة كليا والتصدّي لتوجهات الحكومة في خصخصة بعض الدواوين أو المؤسسات العمومية. فأيّ دور للاتحاد في المرحلة القادمة  بعد استخلاص أمينه العام عقب لقائه زعيم حزب النهضة راشد الغنوشي مساء الإثنين ولقائه رئيس الجمهورية صبيحة الثلاثاء بالوصول إلى نقطة اللاّعودة في الحوار الذي طال حول مستقبل الحكومة والبلاد؟

يبدو التذكير بمكانة الاتحاد العام التونسي للشغل ودوره ضروريا للمساعدة على فهم ما يجري واستشراف المستقبل. فالاتحاد شريك أساسي في بناء الدولة الوطنية بعد إسهامه في النضال الوطني من أجل الاستقلال. وقد كانت القيادة النقابية ممثلة في المكتب التنفيذي أساسا شريكا في الحكم بصيغ مباشرة أو غير مباشرة في أغلب الفترات. وكان التصادم بين الحكومة والاتحاد سببا في اضطرابات اجتماعية كبرى وهزات سياسية مؤلمة على غرار أحداث 1978 أو أزمة 1985. كما كان الاتحاد مع ذلك ملاذا “للمعارضين” من مختلف العائلات وسندا للحركة الحقوقية والديمقراطية بأقدار تختلف بحسب نوعية القيادات النقابات ومواقفها.

ولا ننسى أن الاتحاد كان شريكا أساسيا وفاعلا في مسار إنجاح ثورة الحرية والكرامة، خاصة من خلال دور اتّحاداته الجهوية والمحلية في تأطير التحركات وإسنادها قبل 14 جانفي 2011، قبل أن يقرّر المكتب التنفيذي الإضرابات العامة الجهوية تمهيدا للإضراب العام وإعلانا عن نهاية حكم بن علي. كما لعب الاتحاد دورا حيويا في إنجاح مسار الانتقال الديمقراطي سواء باحتضانه بالشراكة مع الهيئة الوطنية للمحامين لحوار “المجلس الوطني لحماية الثورة” المكوّن من الأحزاب والمنظمات والشخصيات  التي عارضت الدكتاتورية، ثمّ مشاركته لاحقا في الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة. وكان للاتحاد أيضا دوره في خلق التوازن السياسي المفقود بعد الثورة، وقيادة الحوار الوطني في إطار الرباعي للخروج من الأزمة السياسية الخانقة في المرحلة التأسيسية وتأمين المصادقة على دستور الثورة وإنجاز انتخابات تشريعية ورئاسية نهاية 2014. وقد صار الاتحاد أحد أطراف وثيقة قرطاج في دعم حكومة الوحدة الوطنية.

لا يحتاج المتابع للشأن العام التونسي قبل الثورة وبعدها، إلى جهد كبير ليدرك المكانة الهامة للاتحاد العام التونسي للشغل في خلق توازن مستمر مع الحكم، حكومة أو احزابا حاكمة. وقد تعاظم دوره السياسي غير المباشر في ظلّ ضعف الأحزاب السياسية عموما. فضلا عن دور الاتحاد التقليدي في حماية مصالح منظوريه من الشغالين والتصدي لنزعات النيل من المكاسب الاجتماعية أو تجاهل المقدرة الشرائية للعمال بالساعد والفكر. وفي مرحلة تتأكد فيها أولوية الأجندة الاجتماعية محليا وعالميا، تزداد الحاجة إلى دور الاتحاد. كما لا يخفى على المتابع الدور الاقتراحي للاتحاد في بلورة خيارات وطنية اقتصادية واجتماعية خاصة. وكان بعض قادة الاتحاد قادة للدولة على هذا الصعيد.

يحلو لبعض منخرطي الاتحاد العام التونسي للشغل أو أنصاره ان يرفعوا شعار “الاتحاد أكبر قوّة في البلاد” خاصة في ظلّ المناكفات الحادّة، وهو تعبير مبالغ فيه، للتأكيد على أنّ “الاتحاد قوة وازنة في البلاد”. وكثيرا ما يحرص الطبوبي خاصة على التذكير بأن الاتحاد “قوة خير” و”قوة اقتراح” في مسعى ذكي لإعطاء مدلول إيجابي  لهذا الشعار، والردّ على المتهمين للاتحاد بأنّه “أداة خراب”،  مبالغين في دوره في العدد المهول من الإضرابات والاحتجاجات و”وضع العصا في العجلة” على حدّ تعبير بعضهم.

وبعد إعلان الأمين العام “نقطة اللاّعودة” يبدو أنّ الأسابيع القادمة ستكون ساخنة جدّا و”مفصلية” كما قال الطبوبي نفسه. ففي افتتاح سنة مدرسة وجامعية وسياسية أيضا، وفي وضع اقتصادي واجتماعي بالغ التعقيد والصعوبة، وفي ضوء الاحتقان الاجتماعي المتعاظم مع الزيادات المستمرة في الأسعار وتراجع الدينار وارتفاع نسبة المديونية العمومية ونسبة التضخم، وأمام تأجيل الإصلاحات المتأكدة، تستمرّ الأزمة السياسية التي طالت أكثر من اللزوم. فقد تباعدت الشقّة بين حكومة الشاهد التي لم تعد  تلقى دعما من غير حزب النهضة وبعض النوّاب من كتل مختلفة، يعملون على التوحد في “كتلة الائتلاف الوطني”، وبين بقية أطراف قرطاج خاصة حزب نداء تونس واتحاد الشغل المدعومين من رئيس الجمهورية بصورة معلنة أكثر من أيّ وقت مضى.

هاهنا تلقي رغبة الاتحاد في عزل الشاهد، مع إعلانه رفض مقتراحات حكومته الأحادية في الإصلاحات، فيتهم الطبوبي الحكومة بالأوصاف المذكورة أعلاه، وبأنها عاجزة وتبيع الأوهام للخارج وللتونسيين، ويشكّك في أرقامها وما تزعمه من إنجازات، وفي مزاعمها في مكافحة الفساد، ويتوعّدها صراحة بتصعيد الاحتجاجات ضدّها. وبالتوازي وفي علاقة مباشرة بذلك، يهاجم الطبوبي في خطابه وتصريحاته حزب النهضة ووزرائه ويتّهم رئيسه بالتذاكي والمراوغة، ويعلن أن لقاء الغنوشي به وبرئيس الجمهورية، لم يفصح عن موقف مختلف عن السابق، وأنهما لا يجدان في إعلان الشاهد عدم  الترشح استجابة لطلب النهضة، أيّة فائدة أو مبرّر لبقائه على رأس الحكومة، فضلا عن اعتبار ذلك مخالفا لحقه الدستوري. وحين يشيد الطبوبي بقرار الإضراب العام ويعطي للندوة صبغة “تقريرية”، تتأكد أزمة الثقة وتحصل القطيعة.

وحين يصعّد قادة حزب  نداء تونس من انتقاداتهم للشاهد ولموقف حركة النهضة، ويعلن النداء في بيان رسمي، امكانية استقالة وزرائه، وحين يكثّف رئيس الجمهورة من لقاءاته في علاقة بالأزمة وتفيد التسريبات ضجره من تصرفات رئيس الحكومة، خاصة بعد الخطوة الأخيرة في إقالته لوزير الطاقة وكاتب الدولة والمسؤولين الأوائل وإلغاء الوزارة، دون تشاور أو تريّث في تبّن الخلل أو المشكل، حينها تجتمع كل المؤشرات لتؤكد أنّ المواجهة، التي لا نرضاها ونعمل على تجنبها، صارت حتمية، وأنّ الاستقرار المرغوب قد فقد مقوّماته، وأنّ المسار الديمقراطي يمرّ بأصعب مراحله. وما لم تحصل خطوات شجاعة في التقارب والتدارك، رغم بلوغ نقطة اللاّعودة، لا نرى المستقبل للأسف إلاّ أسوأ من الحاضر.

بعد تأكيد حزبي النهضة والنداء على تمسّكهما بالتوافق خلال الأيام الأخيرة، وهما يدركان جيّدا فضائل التوافق عليهما وعلى المسار وحيويته في تأمين مستلزمات الاستقرار وإنجاز الاستحقاق الانتخابي لسنة 2019، وبعد دعوة رئيس الجمهورية مختلف الفاعلين في محاولة أخيرة لإنقاذ مسار قرطاج2، وبعد تأكيد الطبوبي أنّ الاتحاد لا يرفض الإصلاحات، بل يملك تصوّرا ومقترحات في ذلك ويطلب شراكة فعلية، ويدعو في خطابه منظوريه إلى مزيد العمل لرفع الإنتاج والإنتاجية وحماية المؤسسات العمومية، بعد كل هذا نتساءل أين المشكل إذن؟ ومن يتحملون مسؤولية الوضع المأزقي والتداعيات الخطيرة لوصول الحوار إلى نقطة اللاّعودة؟

 

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 72، تونس في 06   سيتمبر 2018.

https://scontent.ftun3-1.fna.fbcdn.net/v/t1.0-9/40769082_2094359607254479_3081932587304747008_n.png?_nc_cat=0&oh=1a7dec5ba9d3267e20dc7e7115620fc0&oe=5C38DE61


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>