إعلانات رئيس الجمهورية في عيد المرأة: خطوة خاطئة في الاتّجاه الصحيح

 

جريدة الرأي العام، العدد19، تونس في  17 أوت 2017.

لم يكد رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ينهي خطابه  بمناسبة الاحتفال بالعيد الوطني للمرأة يوم 13 أوت 2017،  وما أعلنه من رغبته في مزيد تطوير التشريعات المتّصلة بالنّساء، لا سيما ما يتعلّق بمسألتي المساواة في الإرث وزواج التونسية من أجنبي غير مسلم، حتى انطلق جدال لم يتوقّف في الأوساط السياسية والحقوقية والمنابر الإعلامية وفضاءات التواصل الاجتماعي وحتّى العائلات والمجالس الشعبية، ليمتدّ إلى خارج تونس. فقد جاء الخطاب في ظرفيّة سياسيّة تعدّدت فيها الإعلانات المثيرة للجدال ووسط اتهامات متبادلة بخدمة أجندات انتخابية ذات صلة باستحقاقات قادمة محلية عاجلة، وتشريعية ورئاسية آجلة، وفي مرحلة تحتدّ فيها التحدّيات الاقتصادية والاجتماعية، خاصّة ما يتّصل بصعوبات توازن المالية العمومية. لكن الذي زاد في حدّة الجدال واتّساعه هو بلا شكّ حساسية المسألة المطروحة في علاقتها بالإسلام وبالانقسام الفكري والثقافي غير الخافي في أوساط النخب التونسية عامّة. فأيّة رهانات في إعلانات رئيس الجمهورية وأيّة ملابسات وتداعيات لها؟

ليس السيد الباجي قائد السبسي  أوّل من دعا إلى فتح نقاش حول مسألتي المساواة في الإرث وزواج التونسية من أجنبي غير مسلم وغيرها من التشريعات ذات الصلة بتحقيق المساواة الكاملة بين النّساء والرجال. فقد كانت هذه المسائل موضوع عرائض ومبادرات تشريعية و جدال لا يتوقّف في الأوساط الحقوقية والسياسيّة والأكاديميّة وغيرها، قبل الثورة وبعدها. ولكن إثارتها من قبل رئيس الجمهورية تعطيها صبغة استثنائية بسبب موقعه في الدولة. ومن هنا يكتسي خطابه المذكور أهميّة إضافية، وتُحسب له جرأة في موضوع المساواة في الميراث بالذّات، الذي لا تخفى حساسيّته، والذي نقصر عليه الحديث في هذا المقام، والذي يقال أنّ الزعيم بورقيبة تجنّبه بمناسبة إصدار مجلة الأحوال الشخصية في السنة الأولى للاستقلال. وهي المجلة التي ظلّت النخب المحتكرة لصفة الحداثة والتقدم تعتبرها من الثوابت غير القابلة للمراجعة. وها أنّ الرئيس الباجي يدعو إلى تطويرها جوهريّا في الذكرى الواحدة والستين لصدورها، في ضوء ما عرفه وضع المرأة التونسية من تطوّر إيجابي بفضلها، أورد الخطاب بعض الأرقام والمؤشرات عليه.

فقد ورد في نصّ الخطاب المكتوب أنّه “قد أصبح الوعي بضرورة المساواة حاضرا اليوم في العقول والضمائر وفي السُّلوكات ومن الطبيعي أن ننظر إلى المستقبل ونُريد الإصلاح ما استطعنا لذلك سبيلا”. وأنّ “الإسلام في جوهره عـادل، إذ لا يُعقل أن يقبل التمييز بينما رفض (الله) التفريق بين عباده إلاّ بدرجة التقوى، لا بحسب جنسهم إن كان ذكرا أو أنثى” وأنّ السياق يقتضي اليوم “تطوير مجلة الأحوال الشخصية في العديد من المجالات طلبا لتكريس المساواة بين المواطنات والمواطنين وفق ما دعا إليه ديننا الحنيف وما نصّ عليه دستورنا الجديد في فصله 21”. وخلص إلى أنّه “لزاما عليه أصبح اليوم من المطلوب ومن الممكن تعديل قانون الأحوال الشخصيّة المتعلّق بالإرث بصورة مرحليّة مُتدرّجة حتّى بُلوغ هدف المساواة التامّة بين الرجل والمرأة”.

ونحسب أنّ الرئيس بخطابه و بقراره “إحداث لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة” التي ستتولّى إعداد تقرير حول الإصلاحات المرتبطة بالحريّات الفردية والمساواة استنادا إلى مقتضيات دستور 27 جانفي 2014، والمعايير الدولية لحقوق الإنسان والتوجهات المعاصرة في مجال الحريّات والمساواة، وفق ما جاء في بيان لرئاسة الجمهورية، إنّما عبّر عن قضايا من صميم الواقع التونسي ودعا إلى حوار حولها تعزيزا للإجماع الحاصل بمجلس نواب الشعب يوم 26 جويلية 2017، بالمصادقة على القانون الأساسي عدد 60/2016 المتعلّق بالقضاء على العنف ضدّ المرأة، دون تسجيل أيّ احتفاظ أو رفض. وما دامت  دعوة الرئيس ما تزال  في حدود الرغبة والتطلّع إلى الأفضل، ولم تتحوّل بعدُ إلى مبادرة تشريعية أو غير ذلك، في انتظار ما سيسفر عنه الحوار، فإنّنا لا نفهم ردود الأفعال التي يغلب عليها الانفعال والحملات التي تستبق الأمور وتصادر على المطلوب. فليس من حقّ طرف من كان، بمقتضى دستور الثورة ومبادئ حقوق الإنسان أن يصادر حق غيره في إثارة حوار فكري أو الدعوة إلى مناقشة مسألة مهما كانت، فضلا على أن يكون ذلك رئيس الجمهورية نفسه. كما أنّ ترحيل المسائل أو تجاهلها تحت أيّة ذريعة، لن يلغيها ولن يساعد على حلّها. ورغم نفي الرئيس للطابع الديني للمسألة، فإنّ خطابه كان مسكونا بهذه الخلفية، ولذلك استند إلى المدرسة الفقهية الاجتهادية التونسية، وتضمّن نصّ الخطاب إشارة خفيّة إلى اجتهاد الباحث الإسلامي السوري محمد شحرور الذي اعتبر تشريعات القرآن في الميراث ضمانا للحدّ الأدني الذي لا مانع شرعي من الزيادة عليه باتجاه المساواة. فموضوع الميراث خلافيّ بين كتّاب الإسلام ومفكّريه.

وإذ نعدّ إعلانات رئيس الجمهورية المذكورة خطوة في الاتجاه الصحيح ، فإنّنا نراها خطوة منقوصة أو خاطئة، لا بسبب أهدافها النبيلة و وما تعبّر عنه من تطلّعات مشروعة، بل بسبب ملابساتها والإخراج السياسي لها والتداعيات السلبية لذلك. فمن خلال نوعيّة الحضور في احتفال قصر قرطاج، نستنتج دون عناء أنّ محيط الرئيس والساهرين على الإعداد، لم يوفّروا الشروط الضروريّة لضمان نجاح المبادرة بحشد ما يلزم لها من الدعم السياسي والرمزي. فقد كان تمثيل الأحزاب والمنظمات والمجتمع المدني والشخصيات من أضعف المناسبات. ولم يُظهروا رئيس الجمهورية، في منتصف عهدته الدستورية، على أنّه رئيس جميع التونسيين، كما يقتضي الدستور المستأمن عليه، بل أظهروه أقرب إلى الانحياز إلى فريق من النخبة لا تخفى خلفياته وملامحه من خلال غالبية الحضور والصفوف الأماميّة، ومن خلال صياغة نصّ الخطاب الذي خرج عنه الرئيس مشافهة وتحرّر قصدا من شحنته الأيديولوجية، ومن خلال تركيبة اللجنة المقترحة  التي بدت أحادية ولا تعكس بالمرّة التنوّع الفكري ولا التوازن السياسي، والتي لم يعد تزيينها بشخص أو أكثر ينطلي. كما عزّزت أسماء المكرّمات من النساء بالمناسبة ما ذهبنا إليه من انحياز فاضح، والتي لم تشمل على سبيل الذكر لا الحصر إحدى ماجدات تونس ممّن عانين مظالم النظام السابق وصمدن دفاعا عن الحرية ومشاركة المرأة السياسية، وكانت شهاداتهنّ مدوّية أمام هيئة الحقيقة والكرامة.

كم يبدو ضروريّا أكثر من أيّ وقت مضى، أن يكفّ البعض عن احتكار الحداثة والتقدميّة، واختطاف البلد بالوصاية عليه تحت هذين العنوانين أوغيرهما. فقد تأكّد أنّ الحداثة حداثات، وأنّ التيارات الفكرية والسياسية الأساسية لا خلاف بينها حول ضرورات التحديث والتقدم، لكن قد تختلف الخلفيات والمقاربات، وهذا ما عكسه التوافق الواسع حول الدستور. ولا مصلحة في توظيف مؤسسات الدولة في خدمة أجندات أيديولوجية أو فئوية أو انتخابوية. وربما لهذا السبب كان الرئيس حريصا في الخطاب على التأكيد على مرجعيّة الفصل الأول من الدستور واحترام مشاعر أغلبية الشعب من المسلمين  “على درب الاجتهاد والتنوير والتدبّر السليم في شؤون الناس تأسيسا للعقد المجتمعي التونسي بما لا يتنافى في شيء مع تعاليم الإسلام السمحة نصّا وروحا”. فالرئيس مستأمن على وحدة الشعب أيضا، ومنتبه لنزعة المحافظة في المجتمع، وحريص على ضمانات أوفر للنجاح في خطوة تاريخية لا غنى عنها، والتي لا تخفى تعقيداتها وحساسيتها. فتونس الثورة 2017 ليست تونس الاستقلال 1956.

محمد القوماني

 

L’image contient peut-être : 2 personnes, personnes souriantes, texte

 

 

 

 

 

تعليق واحد


  • فؤاد منصور قاسم

    جميل ما كتبت في جوهر الموضوع. الوقت والاسلوب والصف الاول امام السبسي كله. ثانوي
    الان نريد موقفا من حركة النهضة وانت عضو في مكتبها السياسي شكرًا. دمت. مستنيرا. اخي العزيز



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>