أخطار داهمة وفرص للإنقاذ

                                                      

         تستمرّ الأزمة المركّبة والمتراكمة ببلادنا بعد نحو شهرين ونصف من الإجراءات الاستثنائية يوم 25 جويلية المنقضي. ولم يتأكد اليوم فقط قصور تلك الإجراءات التي فاقمت الأزمة ولم تنهها، بل ازدادت الأخطار المحدّقة بالبلاد نوعا وكمّا. فعلاوة على الخطر المالي خاصة والاقتصادي عموما، الذي يظلّ أكبر خطر داهم فعلي، تجمّعت عناصره قبل زلزال 25 جويلية وتضاعفت مخاطره بعده، أبانت مؤخرا أقوال البعض، خلال وقفة المؤيدين للقرارات الرئاسية يوم الأحد 03 أكتوبر 2021 وأفعالهم، على منسوب عال لمخاطر في العنف وتهديد التعايش السلمي والنسيج الاجتماعي. وإذ تشتدّ الأزمة التي نروم التوقّف عند أهمّ مؤشراتها وأخطارها، فإنّنا نودّ استشرافا لإيذان صبح الحلّ بالبلج، باستحضار سيناريوهات محتملة وفرص للإنقاذ تبدو متأكدة خلال الفترة القادمة.

         يعدّ الإخفاق الاقتصادي والتنموي لعشرية ما بعد الثورة، أهمّ أسباب غضب عموم التونسيين من المفقّرين والشباب خاصة، وأهمّ حاضنة شعبية لتقبّل الإطاحة بمنظومة ما بعد 2011، عبر “انقلاب ناعم” انطلق بالتفعيل المتعسّف للفصل 80 من الدستور مساء 25 جويلية 2021 بحلّ الحكومة وتعليق اختصاصات البرلمان، وتأكّد بالأمر الرئاسي 117 ليوم 22 سبتمبر 2021، الذي علّق الدستور فعليا واستبدله بتنظيم مؤقت للسلط (دستور صغير) يمدّد الإجراءات الاستثنائية ويجعلها أصلا، ويكرّس الحكم الفردي المطلق. وقد بدأ التونسيون والمتابعون يكتشفون مجدّدا أنّ أولويات الرئيس قيس سعيد هي أيضا سياسية وليست اقتصادية واجتماعية. فالخطابات والمشاريع والأولويات تنصرف للنظام السياسي والقانون الانتخابي والاستفتاء، ولم تؤشر بعد على أيّة إجراءات في الإصلاحات الاقتصادية المتأكدة ولا في اقتراح حلول أو آفاق للمالية العمومية المنهارة. بل ربما تبدو الأمور عكسية تماما.

         كانت عناصر أزمة توازن المالية العمومية المتراكمة عبر حكومات ما بعد الثورة قد بلغت ذروتها وصارت منذرة بالانهيار خلال حكومة هشام مشيشي. فقد فاقت نفقات الدولة الضعف خلال العشرية الأولى من الثورة. فمن حوالي 20.000 م د في 2010 إلى حوالي 50.000 م د في 2021. وكم تبدو المفارقة عجيبة وفاضحة بين ارتفاع نفقات الدولة، مقابل تراجع آمال المواطنين في تحسين أوضاعهم وتردّي خدمات المرفق العمومي ومزيد صعوبات العيش. فالميزانيات التوسّعية بعد الثورة، التي لم تراع صعوبات الانتقال، واستجابت للضغوطات الاجتماعية القطاعية خاصة، وراهنت على سياسات شعبوية وانتخابوية، وافتقدت لرؤية اقتصادية بعيدة المدى، لم تحسّن أحوال الناس في الصحة والنقل والتعليم والخدمات على سبيل المثال، ولم تخلق ثروات ليتقاسمها أفراد الشعب، وقادت إلى ارتفاع المديونية وارتهان القرار الوطني.

         إذ مثّلت الميزانية المقدّرة لسنة 2021 حوالي نصف الناتج المحلي الإجمالي المقدّر بحوالي 112.000 م د. وقدّرت خدمة الدين العمومي لسنة 2021 بمبلغ 15.776 م د أكثر من نصفه خارجي. وهذا ما استدعي تعبئة موارد اقتراض لتمويل ميزانية 2021 بمبلغ حوالي 20.000 م د، ليبلغ حجم الدين العمومي 90% من الناتج المحلي الإجمالي.  وتضاعفت كتلة الأجور ثلاث مرات بعد الثورة، لتفوق 20.000 م د، وكانت في حدود 6.785 في سنة 2010. وهي نسبة تعادل 16,6% من الناتج الوطني، وتفوق بكثير المعدّلات المعتمدة في سائر دول العالم والتي لا تتجاوز 10 % من الناتج الوطني. وهنا المفارقة الصارخة والحقيقة الموجعة التي تجد صداها في تشكّيات عموم المواطنين واهتراء القدرة الشرائية للطبقة الوسطى خاصّة.

         جاءت الإجراءات الاستثنائية حين كانت حكومة المشيشي تستعدّ لعرض ميزانية تعديلية لسنة 2021 وتقديم مشروع ميزانية الدولة لسنة 2022، وكانت تُجري مفاوضات عسيرة مع صندوق النقد الدولي، في ظلّ تراجع التصنيف السيادي للاقتصاد التونسي بسبب تأخّر الإصلاحات والمشاكل السياسية أساسا. ولا يخفى على أيّ متابع أنّ تونس بلا حكومة أصلا، منذ 25 جويلية، ولأول مرة في تاريخها، وفي ظلّ غموض سياسي وأزمة شرعية الحكم داخليا، وضغوطات خارجية ذات خلفية اقتصادية واضحة من الدول السبع الكبرى خاصة، تبدو أوضاعها أصعب بكثير مما كانت عليه.

         وقد بدأت التداعيات الاقتصادية للأزمة السياسية بشحّ بعض المواد الأوّلية المستوردة أو تأخّر مصانع تونسية عن الوفاء بالتزاماتها تجاه حرفائها وغلق بعض المؤسسات وتهديد البعض بالغلق الاضطراري. وما يسببه ذلك من فقد لمواطن شغل وتداعيات اجتماعية إضافية. ويكفي استحضار أزمة مديونية الشركة التونسية لصناعات التكرير “ستير” المحتكرة لاستيراد المحروقات وتوزيعها، وما تشهده من مصاعب غبر مسبوقة، لنتوقّع لا قدّ ر الله تداعيات أزمة في الوقود بتونس على غرار لبنان على سبيل المثال.  هذا علاوة على تضاعف خطر إعلان إفلاس الدولة المخيّم على البلاد، بسبب توقّف الاتفاقيات المالية الدولية التي تفرض موافقة البرلمان، وعدم وصول أيّة مساعدات مالية خارجية واحتمال مزيد تراجع تصنيف الاقتصاد التونسي في ظل الغموض السياسي والتهديد الخارجي المبطّن بالعقوبات.

         وإذ يظلّ الخطر المالي والاقتصادي مقدّما على غيره، لتداعياته السلبية السريعة على بقية القطاعات والمجالات، فإنّ ما عرفته وقفة 03 أكتوبر 2021 التي نظّمها المساندون للإجراءات الرئاسية، من عنف لفظي ورمزي وتهديدات للنسيج الاجتماعي التونسي واستهداف للمخالفين، تضاعف في الأخطار الداهمة. فخطابات الوصم والبذاءة والكراهية والعداوة والمعجم الحربي، التي تجد جذورها ومرجعيتها في خطابات رئيس الجمهورية نفسه، وعربدة بعض ميلشيات الشعبوية في الاعتداء على نواب الشعب أو الشخصيات السياسية، ومجسّمات الصواريخ وشعارات الحشد الشعبي تحيلنا بلا شكّ على صور سوداء للتطاحن الأهلي بالمشرق العربي أو على إسقاط لصور  مقاومة العدوّ الصهيوني. فشتّان بين أساليب مقاومة عدوّ مغتصب للأرض ومنتهك للحقوق بأنواعها ومارق عن الشرعية الدولية، وبين إدارة اختلاف بين “خصوم” في السياسة ومتنافسين في خدمة الشعب من أبناء الوطن الواحد، في ظلّ تعدّدية حزبية مشروعة وتنافسية شعبية تحتكم لصناديق الاقتراع.

         ولعلّ النخب التونسية من نشطاء وإعلاميين ومثقفين خاصة، يدركون قبل غيرهم أخطار العنف اللفظي والتكفير والتخوين والاعتداء على الأشخاص والاجتماعات والمقرات الحزبية وغيرها التي عرفنا أمثلة عنها في السنوات الأولى للثورة تحت عناوين مختلفة، ليتحوّل بعضها إلى خطر إرهابي هدّد جدّيا كيان الدولة وحياة الشعب، ونجحنا والحمد لله في دحره، بجهود قواتنا العسكرة والأمنية ووحدة الموقف الشعبي في رفضه واستنكاره. و يدفع اليوم غاليا من رصيده السياسي، كلّ من تردّد أو تأخر في التحذير من خطر العنف والٍإرهاب ومقاومته. فلا نجرّب المجرّب الذي بان فساده وتأكّد ضرره، ولا نكرّر أخطاء من ننتقدهم. وّالحديث قياس” كما يّقال في المثل.

         قد تطول الفترة الاستثنائية، وقد تكون أقصر ممّا نتوقّع. فالاستثناء يظلّ عابرا مهما أكسيناه من مشروعية تحاول أن تجعل منه أصلا. وقد نحتاج إلى فترة انتقالية أخرى تمهّد لاستئناف المسار الديمقراطي المعطّل منذ 25 يوليو وتصحيحه. فلا عودة إلى الوراء وإلى أخطاء مشهد ما قبل 25. كما لا تفريط في المكاسب السياسية لثورة 17/ 14 في الحرية والكرامة. وإذ يظلّ التظاهر السياسي أحد أساليب الصراع المشروع، فإنّ قناعتي تظلّ راسخة بأنّ معركة الشوارع لن تحسم الخلافات السياسية. وأنّ مخاطرها قد تتضاعف مع الوقت، إذا تصاعد الشحن وضعف التأطير في ظلّ عناوين غير دقيقة للمتظاهرين. تماما كما أنّ معركة الشرعيات لا بدّ أن تدرك حدودها ولا تتجاوزها. فبلادنا لا تتحمّل ما عرفته تجارب بلدان أخرى نجحت أو فشلت.

         وما دامت الانتخابات المبكّرة سبيل الجميع إلى الحسم الديمقراطي للخلافات وهي المحطة الأخيرة في هذا المسار الانتقالي مجدّدا والاحتكام للإرادة الشعبية، فإنّ الجميع مدعوّون إلى تغليب العقل على العاطفة، والدفع باتجاه الحوار الوطني الذي لا يقصي أحدا، وحسن الاستعداد له بالمقترحات حول المراجعة التشاركية للنظام السياسي والانتخابي ومتعلّقاتهما، والذهاب إلى الناخبين  مجدّدا بعد مراجعات جذرية وتدارك للأخطاء وخطاب مختلف يستجيب لتطلعات الناس الحقيقية الاقتصادية والمعيشية،  وبرامج دقيقة في الإنقاذ المالي والاقتصادي خاصة. فلا بديل عن الحوار المطلوب داخليا وخارجيا، والذي ندفع غاليا تكلفة تأخّره. ولا سبيل لحسم الشرعية وتكريس سيادة الشعب، إلاّ عبر صناديق الاقتراع.  فقد يريد الشعب ما لا نريد. وإنّ غدا لناظره قريب.

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 225، تونس في 07 أكتوبر 2021

    0 Comments

    No Comment.