هل كانت رئاسة الغنوشي للبرلمان خطأ؟ ولماذا يستهدفونه؟

       بعد 100 يوم من انطلاق الفترة النيابية الجديدة 2019 ـ 2024، وفي خضمّ تعقيدات مسار تشكيل الحكومة التي لم تنل  ثقة البرلمان  إلاّ بعد انقضاء حوالي أربعة أشهر  من الإعلان النهائي لنتائج الانتخابات، وفي ضوء لقاءاته مع دبلوماسيين ومشاركاته الخارجية، وتفاعلا مع لغط يدور في صفوف النهضة وخارجها، يحقّ لنا استدعاء الأدلّة للجواب عن سؤالين يطرحهما أكثر من طرف، بخلفيات متباينة، وهما:  هل كانت رئاسة راشد الغنوشي للبرلمان خطأ؟ ولماذا يتمّ استهداف رئاسته له؟

       لم يكن سهلا البتّة انتخاب زعيم حركة النهضة على رأس البرلمان المنبثق عن تشريعية نهاية 2019، الذي وُصف بالبرلمان المتشظّي، والذي حلّت فيه كتلة النهضة بالمرتبة الأولى بأقلّ من ربع أعضائه. وقد شهد الجميع بقدرة زعيم حزب النهضة على نسج تحالف مع غريمه حزب قلب تونس، لتكون رئاسة مجلس نواب الشعب للنهضة وتكون النيابة الأولى للرئيس لقلب تونس. وكان ذلك التحالف مؤشّرا قويّا على طبيعة الأغلبية التي ستصنع المشهد البرلماني وربما الحكومي أيضا، رغم استمرار مخلّفات المناكفة بين حزبي النهضة وقلب تونس خلال الحملة الانتخابية وإعلان كل منهما أنّه لن يتحالف مع الآخر في الحكم. فلموازين القوى أحكامها في السياسة.

       ويتأكّد الآن بعد مسافة زمنية وعاطفية عن الحدث، أنّ التحالف البرلماني الذي مكّن الغنوشي من رئاسة البرلمان، وحده القادر على ضمان استقرار البرلمان واستقرار الحكم. وأنّ ما كان مرفوضا بالأمس صار مطلبا ملحّا اليوم. فبغير أغلبية برلمانية معلنة تجمع تحالف الوسط الذي يضمّ مبدئيا كتل النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة، وقد تنضم إليه أطراف أخرى، يصعب جدّا ضمان استقرار البرلمان. وبغير هذا التحالف البرلماني المتأكّد، يصعب على هذه الأطراف السياسية فرض لونها في مشهد الحكم.

       وعلاوة على الاستقرار البرلماني والحكومي الذين أشرنا إليهما، يتبيّن اليوم بلا شكّ، أنّ رئاسة الغنوشي للبرلمان، قد خلقت التوازن المطلوب بين مؤسسات الحكم الأساسية في قرطاج وباردو والقصبة. فأمام الشرعية الانتخابية الواسعة والرمزية التي يحظى بها رئيس الجمهورية، وفي ظلّ الصلاحيات التنفيذية الكبيرة التي يمنحها الدستور لرئيس الحكومة، كان لا بدّ من شخصية قوية وكاريزما بحجم رئيس البرلمان الحالي لخلق التوازن وردّ الاعتبار للسلطة الأصلية بباردو في نظام سياسي شبه برلماني.

       ولا يخطئ أيّ متابع موضوعي للمشهد السياسي التونسي الحالي ومنعرجات مسار تشكيل الحكومة الجديدة، الدور الحيوي لشخصية راشد الغنوشي على راس البرلمان. إذ من الصعب جدّا خلق مثل هذا التوازن بشخصية أخرى من بين نواب الشعب الحاليين، مع حفظ مقامات الجميع. فالغنوشي رئيس الحزب الأول بالبرلمان، وصاحب نصف القرن من الخبرة السياسية الذي تأقلم مع أوضاع مختلفة ومعقدة،  والزعيم ذو العلاقات الممتدة في الداخل والخارج، والحامل لخطاب وطني جامع والداعي إلى التوافق والمصالحة التاريخية الشاملة، وهو علاوة على كلّ ذلك، المعارض التاريخي والشريك في الحكم، رمز التصالح بين الدولة والثورة ومكاسب الجمهورية وقيم الديمقراطية.

       وقد عزّز الغنوشي موقعه السياسي وأبان عن جدارته بإحدى الرئاسات الثلاث خلال المائة يوم الأولى من عمر البرلمان الجديد، من خلال علاقاته الخارجية أيضا. فاللقاءات الديبلوماسية المكثّفة والنوعية  التي عرفها مكتب رئيس مجلس نواب الشعب خلال الأسابيع الأولى من انتخابه، دلّت على إشعاعه الخارجي وترحيب بعض القوى الإقليمية والدولية به والرغبة في التعاون معه.  كما أنّ المشاركات الخارجية على قلّتها، على غرار ما لاقاه الغنوشي من احتفاء في مؤتمر اتحاد مجالس الدول الأعضاء في منطقة العالم الإسلامي  الذي انعقد بالعاصمة واقادوقو  ببوركينافاسو ، والذي ستحتضن تونس دورته 16 سنة 2021، أو اللقاءات التي عقدها على هامش ميشاركته في المؤتمر 30 الطارئ للإتحاد البرلماني العربي بالأردن تحت عنوان: “دعم ومساندة الأشقاء الفلسطينيين في قضيتهم العادلة”، وما لقيه من ترحيب بشخصه وحظوة لتونس ودعم لها، أو الدعوة الرسمية مؤخرا لزيارة الشقيقة الجزائر، وجميعها مؤشرات إيجابية على مقبولية الغنوشي خارجيا على رأس البرلمان التونسي، وفرص الاستفادة من مكانته وعلاقاته بما يخدم الاقتصاد الوطني والمصالح التونسية عامة.

       لهذه الأسباب ولغيرها يتمّ استهداف رئاسة الغنوشي للبرلمان من جهات داخلية وخارجية عديدة. فالمناكفون للنهضة لأسباب أيديولودية والذين يضيرهم نجاحها، والذين لم يُشفوا من مرض كره النهضة وعدم القبول بها في المشهد الوطني والرغبة في استئصالها، والذين يعملون بالوكالة لفائدة الغير، من أجل إفشال المسار الديمقراطي في تونس  ومحاصرة التجربة الاستثنائية، هؤلاء جميعا يتقاطعون في استهداف الغنوشي ومحاولة إرباك البرلمان وإعطاء أسوأ صورة عنه.

       حين سقطت حكومة الحبيب الجملي ولم تنل ثقة البرلمان في الجلسة العامة ليوم 10 جانفي 2020، سارعت بعض الأطراف إلى إعلان أغلبية برلمانية ضدّ النهضة. وظنّت رئيسة كتلة الحزب الحرّ الدستوري عبير موسي، أنّ الوقت صار سانحا لتقديم عريضة من أجل سحب الثقة من  رئيس البرلمان راشد الغنوشي. ورجّح محلّلون وسياسيون بمنابر متعدّدة أنّ حركة النهضة فقدت زمام المبادرة نهائيا، وصارت في عزلة سياسية وانتهى دورها أو يكاد، كفاعل سياسي رئيسي في المشهد التونسي. وربما ظنّ البعض أيضا أن “حكومة الرئيس” التي يحدّد رئيس الجمهورية الشخصية الأقدر لتشكيلها، إمّا لا حظ للنهضة فيها،  أو ستكون فيها ضعيفة ومضطرّة للتصويت لصالحها. لكنّ الغنوشي بصفته رئيسا لحزب حركة النهضة، ومن موقعه كرئيس للبرلمان، استطاع بسرعة أن يستعيد المبادرة السياسية ويحسّن وضع حزبه ويجعله محدّدا في مستقبل حكومة الفخفاخ بالمرور بالبرلمان من عدمه.

       لم يكن ترشيح النهضة لزعيمها لرئاسة البرلمان خطأ بأيّ وجه من الوجوه. ودلّت الوقائع التي استعرضنا بعضها، بعد مائة يوم من انتخابه وحسن الأداء عموما، الذي لا ينفي حصول بعض الأخطاء،  على أنّ وجود الغنوشي على رأس البرلمان مكسب للنهضة ولتونس وللتجربة الديمقراطية الناشئة. وسيتعزّز موقع الغنوشي رئيسا للبرلمان، بالتعاون مع رئيس الجمهورية قيس سعيد ورئيس الحكومة إلياس الفخفاخ،  والتكامل في الأدوار بين باردو وقرطاج والقصبة. وسيغيّر كثير من النهضويين وغيرهم آراءهم حين تتبدّد مخاوفهم ويكتشفون بالأدلّة الدامغة حسن حظ التونسيين بوجود راشد الغنوشي على رأس مؤسستهم التشريعية في هذه المرحلة التاريخية.

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 146، تونس في27  فيفري 2020

    0 Comments

    No Comment.