من الجائحة إلى اللائحة: بوصلة تعديل الأشرعة



       لم نكد ندخل المرحلة الأخيرة من الحجر الصحي الموجّه يوم 04 جوان 2020 لنتأكّد من انتصارنا صحيّا على جائحة كورونا، ونتفرّغ لمعالجة التداعيات الخطيرة الاقتصادية  والاجتماعية للجائحة، حتى وجدنا أنفسنا في البرلمان يوم 03 جوان نتخاصم حول لائحة عبير موسي الانقسامية حول التدخل الخارجي في ليبيا الشقيقة، التي لا تخفى خلفياتها في تذكية الصراعات والإساءة لصورة البرلمان وإرباك أشغاله والإضرار بمصالح تونس. وبعد أقلّ من أسبوع كانت الجلسة العامة ليوم 09 جوان لمناقشة مشروع لائحة ائتلاف الكرامة حول طلب الاعتذار من فرنسا عن فترة احتلال تونس، مناسبة لتجديد المناكفات السياسية والأيديولوجية وتعميق الانقسامات وترذيل البرلمان. ولا نكشف سرّا حين نقول أنّ لهاتين الجلستين، كما للحرب على كورونا، تداعيات مباشرة وغير المباشرة على المشهد السياسي وأولويات المرحلة، بما يستدعي تأمّلات في السياقات والمخرجات والمآلات، التي ستتحكّم في بوصلة تعديل أشرعة السفينة الوطنية.
       أحدثت الجلسة البرلمانية ليوم 03 جوان 2020 لغطا واسعا في الداخل والخارج وكانت موضوع  سجال في المنابر الإعلامية، وجدال استمر حتى انطلاقها وخلال كامل فترة انعقادها القياسية التي تواصلت دون انقطاع حتى صباح اليوم الموالي. أرادها البعض محطة إساءة للبرلمان ولرئيسه وتعميقا للتجاذب بين الفرقاء السياسيين، فكانت عنوانا جديدا لتألّق هذا البرلمان، الذي عمّدته الدماء الزكية لشهداء 09 أفريل 1938، وراكمت المعارضة التونسية من مختلف الأجيال والتيارات الفكرية والسياسية نضالها من أجل بلوغه، ليكون عنوان ديمقراطية تونس ما بعد ثورة الحرية والكرامة المشعّة في محيطها وفي العالم.

       كان جدول أعمال الجلسة العامة في نقطتين. الأولى تتعلق  بمناقشة مشروع لائحة مُقدّمة من كتلة الحزب الدستوري الحر طبقا للفصل 141 من النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب، حول رفض التدخل الأجنبي في ليبيا الشقيقة ورفض اتخاذ تونس قاعدة لوجستية لذلك، والتصويت عليها. أما النقطة الثانية فتتعلق بحوار حول الديبلوماسية البرلمانية التي أثارت جدالا داخل الكتل النيابية بعد المكالمة الهاتفية بين رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي ورئيس حكومة الوفاق في ليبيا فائز السراج.

       ورغم ما تخلّل المداولات في النقطتين، من توتّرات وإساءات لفظية وتوقّف للأشغال أحيانا، وصورة مسيئة للبرلمان، فقد كشفت في محصّلتها أنّنا نحن التونسيون، خلافا لما يروّجه البعض، يهمنا الشأن الليبي كثيرا، لأسباب عديدة أهمها الجوار والحدود الممتدة والعضوية بالاتحاد المغاربي وخاصة الأمن القومي لكلا الدولتين الذي لا ينفك أحدهما عن الآخر.
كما كشفت المداولات أنّ اتفاقا واسعا حاصل بين مختلف النواب حول الحرص على وحدة ليبيا أرضا وشعبا وسلطة، واعتبار الحل للخلافات القائمة  لا يمكن الا أن يكون ليبيّا ليبيّا. وأنّ الجميع يرفضون أي تدخل أجنبي في ليبيا، كما يرفضون انخراط تونس في سياسة المحاور الإقليمية.

       كانت نتيجة التصويت في جلسة 03 جوان 2020 على مشروع اللائحة لافتة، بصرف النظر عن نوعية التصويت. فقد حظيت اللائحة، خلاف المتوقع، ب94 صوتا، تقاطعت في هذه النتيجة أسباب عديدة، يعود بعضها إلى اختلافات حقيقية في تقدير الموضوع الليبي. ولكن اللائحة سقطت في النهاية، وبذلك تجنبت البلاد الإضرار بمصالحها الخارجية بالانجرار الى سياسة المحاور، التي خططت إليها عبير ومن وراءها، بذكر اسمي دولتي قطر وتركيا دون سواهما. وكانت حركة النهضة  المستهدف الأوّل،  فجاءت تدخلات أعضاء كتلتها  مرضية، بما تضمنته من قدرات في المحاججة والوضوح وغياب الأخطاء. كما كانت تحركاتهم ناجعة على أكثر من صعيد. وكان النجاح في إسقاط لائحة عبير، رغم كل الإغراءات والمناورات، نجاحا بطعم المرارة مع إنذار مزدوج من الغريم والصديق.

       بدا واضحا بعد جلسة 03 جوان التاريخية، أنّ عريضة سحب الثقة من رئيس البرلمان راشد الغنوشي هي القطار الذي يخفيه قطار اللائحة. ولذلك يظلّ الموقف من العريضة أساسيا في بوصلة التحالفات والعلاقات، أمّا التصويت فهو ظرفي ومفهوم في سياقه. وقد نجح رئيس البرلمان بهدوئه وحكمته وخبرته في امتصاص حنق خصومه، وغلبت رفعة أخلاقه وانفتاحه، إساءة مستهدفيه وبذاءة ألسنتهم وانحطاط مستويات تعامل بعضهم مع رئيسهم.

   ولعلّ من أهمّ استخلاصات تلك الجلسة أنّ علاقة حركة النهضة بحركتي الشعب وتحيا تونس بلغت نهايتها. وأنّ  حركة الشعب و الدستوري الحر يجمعهما العمى الأيديولوجي والحقد السياسي والأجندات الاقليمية في علاقتهم بالنهضة. ولا بدّ مراجعة للتحالفات بما يضمن استقرار حكومي وبرلماني في آن، وعلى قاعدة ثقة وتضامن حقيقيين. وهو ما أكّده الغنوشي بوضوح في لقائه الإعلامي على قناة نسمة مساء الإثنين 08 جوان 2020.

       وبات واضحا أنّ المشهد السياسي يتّجه إلى تغيرات قريبة في التحالفات، من أهمّ ملامحها دخول حركة النهضة في سرعة أقوى من أجل تحقيق مطلبها في توسيع الحزام السياسي للحكومة، يبني على تصويت التيار الديمقراطي في جلسة 03 جوان وموجهات خطابات ومواقف بقية الأطراف.
بما يستدعيه ذلك من تعميق للحوار مع التيار ودعم التقارب الواضح مع قلب تونس والضغط من أجل التعديل الحكومي.

       قد نحتاج إلى بعض الوقت حتى تهدأ العواطف في موضوع تبدو فيه الأرضية أكثر مناسبة للخطابات الشعبوية، لنتبيّن سياقات تقديم ائتلاف الكرامة لائحة طلب الاعتذار من فرنسا ومختلف المواقف واتجاهات التصويت في جلسة الثلاثاء 09 جوان 2020. ويبقى المؤكد والمستعجل الانتباه إلى أنّ إغراق المجلس بمشاريع لوائح، لا تبدو مستعجلة ولا مناسبة، وهي مثيرة للجدال ومدعاة للانقسام، هو استخدام غير موفّق لحقّ يضمنه القانون الداخلي للبرلمان، لكنه قد يكون مضرا بأدائه وصورته،  وإلهاء وتحريفا لأولوياته التشريعية والرقابية. وهذا ما يستدعي التفكير في مبادرة وفاقية واسعة لمعالجة الخطر في منطلقه، بدل أن نغرق في وحل لمشاريع لوائحه.

       لم نختر توقيت كوفيد 19 الذي اجتاح البلاد في الأيام الأولى لاستلام حكومة الفخفاخ مهامها، وآثاره الاقتصادية والاجتماعية المدمّرة في العالم وفي بلادنا. وقد تفرض علينا أجندات الإلهاء والإرباك مواضيع واهتمامات لا تناسب أولوياتنا الوطنية. وقياسا على الحكمة القائلة بأنّنا “لا نملك التحكّم في اتّجاه الرياح ولكن نملك تعديل أشرعتنا”، نقدّر أنّ مرحلة ما بعد  كوفيد 19 وتطوّرات المشهد البرلماني الأخيرة، تستوجب تعديلا عاجلا في التحالفات والتوازنات بما يضمن استقرارا حكوميا وبرلمانيا، ووضوحا في الرؤية والأولويات، وقدرة على إنجاز الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المؤكدة، وتوفير أرضية مناسبة لأوسع توافق وطني في مواجهة تداعيات خطيرة لمرحلة زادت في تعقيد أوضاعنا المأزومة مُسبقا.
 محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 160، تونس  في 11 جوان 2020

    0 Comments

    No Comment.