في الشرعية والمشروعية وعربدة الضوضاء السياسية

       لا نبالغ حين نصف بالتعطّل، الحالة العامة بتونس، في هذه المرحلة. ولا نعني بذلك فقط تعطّل العمل والإنتاج ومحرّكات الاقتصاد منذ سنوات، وتلك من أهمّ أسباب أزمتنا الاجتماعية، بل أعني أساسا وفي سياق الأزمة السياسية التي نعيشها، تعطّل دواليب الدولة. والمفزع إضافة إلى مخاطر التعطيل وتداعياته، هو أن يكون مصدر ذلك من يجلس على أعلى هرم الدولة ويرمز إلى وحدتها ويضمن استمراريتها بمقتضى دستورها. فبعد مضيّ أكثر من أسيوعين، عن منح مجلس نواب الشعب ثقته للوزراء الذين اقترحهم هشام مشيشي ضمن تعديل لحكومته، يتعذّر على الوزراء الجدد استلام مهامهم، بسبب امتناع رئيس الجمهورية قيس سعيد عن دعوتهم لأداء اليمين أمامه. ويتعلّق الأمر ب11 حقيبة لوزارات حسّاسة، من بينها العدل والداخلية والصحة والشؤون المحلية والبيئة والصناعة والطاقة. وكان مزمعا قبل ذلك، إجراء حركة واسعة في صفوف الولاة والمعتمدين. ولنا أن نتوقّع أداء مسؤولين في المركز والجهات والمحليات ومدى فعالية سلطتهم وعلاقتهم بإداراتهم ومنظوريهم، وهم في حالة ترقّب. فليس أبلغ دلالة على المشهد السريالي للحكم وتعطّل الدولة، من حالة الإرباك التي نمرّ بها في هذه المرحلة.

        علّلت رسالة رئيس الحكومة مطلع هذا الأسبوع لرئيس الجمهورية استعجال الطلب بتحديد موعد لأداء اليمين الدستورية، بلفت النظر لدقة الوضع الأمني والصحي والاقتصادي والحاجة لضمان تواصل سير مؤسسات الدولة. ويتحرّك هشام مشيشي باتجاه المحكمة الإدارية والهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين والخبراء في القانون، لتأييد موقفه وتقوية جانبه في أيّة خطوة قد يُقبل عليها في تسليم المهام للوزراء الجدد، إذا استمر قيس سعيد في التمسك بتأويله للدستور وموقفه الرافض لأداء اليمين الدستورية أمامه.

       وبصرف النظر عن التأويلات المختلفة للدستور، في غياب المحكمة الدستورية ذات النظر، ومهما كانت نهاية هذا الخلاف الحادّ بين رأسي السلطة التنفيذية، فمن المؤكد أنّ العلاقة بين سعيد ومشيشي قد ساءت كثيرا وتردّت إلى مربّعات غير مسبوقة ولا متوقّعة. وأنّ أيّ حلّ لأزمة اليمين القائمة، لن يمنع تجدّد المواجهة في محطّات قريبة قادمة. لذلك تتأكد معالجة الخلاف جوهريا ومؤسساتبا، بعيدا عن الأهواء والترضيات.  ويتأكد التسريع بإرساء المحكمة الدستورية، باستكمال الأعضاء الراجعين للبرلمان، أو تعيين البقية من الراجعين للمجلس الأعلى للقضاء أو لرئيس الجمهورية. وإن اقتضى التسريع تعديل القانون المنظّم للمحكمة. فهذا الفراغ لم يعد قابلا للاستمرار.

       لكن الأخطر فيما يحصل من أزمة، هو تعمّد بعض الأطراف السياسية ذات الأجندات الداخلية أوالخارجية، ركوب شعبية الرئيس قيس سعيد وشعبويّته أيضا، لتوسيع الحريق وتغذية المناكفات بين مراكز السلطة في قرطاج وباردو والقصبة. والمفارقة أنّ أغلب هؤلاء الراكبين لحصان شعبية سعيد، لم يكونوا من أنصار ترشّحه لرئاسة الجمهورية، ولم يشاركوا في حملته الانتخابية، ولم يصوّتوا له أصلا. بل اتّهمه بعضهم أثناء حملته وفي بداية عُهدته، بأنّه “صنيعة حركة النهضة وحليف الإسلام السياسي”. لكن حين رأوا مصلحة في مواجهة النهضة، خصمهم الأيديولوجي الدائم، صاروا يزايدون في تأييد رئيس الجمهورية ضدّ رئيسي البرلمان والحكومة، باسم الشرعية والمشروعية. فلا تهمّ المبادئ والمواقف والحقائق كما يزعمون، بل الغاية تبرّر الوسيلة كما هو دَيدنُهم.

       الشرعية والمشروعية مصطلحان شائعان تلتبس معانيهما، على غرار مصطلحات أخرى عديدة. فالشرعية مفهوم وظيفي يتّصل في الغالب باكتساب السلطة الإطار القانوني لوجودها وعملها،  سواء أكانت سلطة وطنية أو دولية، رسمية أو غير رسمية، إدراية أو اقتصادية،  حزبية أو جمعياتية أو غيرها. وتُكتسب الشرعية بطرق متعدّدة أشهرها الانتخاب. أمّا المشروعية فهي في مجال القانون تعني العلاقة القانونية التي تختصّ بالقانون والقرار والتعليمات . فالمشروعية عامة تعني اتفاق قرارات السلطة وتصرفاتها مع أحكام الدستور ومقتضيات تحقيق العدالة. وعليه فإنّ العلاقة بين المفهومين لا تقوم على التطابق والانسجام ضرورة وواقعا. فقد تكون السلطة شرعية والقرار غير مشروع. وقد يحدث العكس. وتبقى الحالة الطبيعية والمطلوبة، هي أن تكون السلطة شرعية وقراراتها مشروعة.

       ويختلف وضع الشرعية والمشروعية ودلالتهما في المجال السياسي أكثر من غيره. وقد تصبح المشروعية التي تكتسب من الفعل السياسي والعلاقة بالشعب مصدر الشرعية الأصلية، شرطا للشرعية. فكم من سلطة منتخبة مُستوفية لكل الشروط القانونية، يتمّ الطعن في شرعيتها بناء على مشروعيات يُختلف في مضمونها أيضا. فمن كافح ضدّ الاستعمار أو ناضل ضدّ الاستبداد على سبيل المثال فهو صاحب مشروعية. وعلى قدر التضحيات وكلفة المقاومة تتعزّز المشروعيات التاريخية. وقد تُسمدّ المشروعية من مكانة دينية أو قبلية أو اجتماعية أو غيرها. وفي ممارسة الحكم تكتسب المشروعية من النجاح في الاستجابة لانتظارات المحكومين وتلبية حاجاتهم. وقد يكتسب بعض الحكام مشروعية لحكمهم  من خلال فرضهم الاستقرار السياسي والاجتماعي أو بعض مواقفهم، تحجب التشكيك في شرعية سلطتهم. وعلى قدر شعبية الحاكمين تُكتسب المشروعيات الواقعية. ولنا في التاريخ البعيد والقريب لتونس وغيرها أمثلة دالّة في التباعد أو التقارب بين الشرعية والمشروعية، وحضورهما في الصراع السياسي.

       وما نروم الوصول إليه من هذه المقدمات النظرية هو استحضار تبعات التنازع حول الشرعية والمشروعية في أزمتنا الحالية، وأثر تداعيات هذا التنازع في عربدة الضوضاء السياسية. وحتى نخرج من النظري إلى الواقعي، نشير إلى أنّ شرعية الرئيس قيس سعيد المستندة إلى انتخاب عام ومباشر له بأكثر من 70 بالمئة في رئاسية اكتوبر 2019، تثير جدالا كبيرا في فيفري 2021. فاستطلاعات الرأي نزلت بنوايا التصويت له إلى ما دون الخمسين بالمائة. ونحن نعاين يوميا من خلال فضاءات التواصل الاجتماعي ومتابعتنا للمشهد السياسي، أنّ كتلا انتخابية حزبية ومستقلة وازنة، وناخبين فرادى منحوا الثقة لقيس سعيد، غيّروا رأيهم فيه بعد اختباره في الرئاسة لأكثر من سنة.

        فالرئيس قيس سعيد لم يتقيّد بالدستور الذي ترشّح على أساسه، وأصبح من أشدّ منتقديه، وهو متسرّع في تجاوزه إلى ما يريده.  وكان دون انتظارات جزء هام من ناخبيه في التعاون مع مراكز السلطة في باردو خاصة. وهو لم يتقدم بأية مبادرة تشريعية إلى اليوم، ولا حظوظ لمبادراته في ظل علاقة متوترة بمجلس نواب الشعب منذ انطلاقته. وهو أقرب إلى قيادة المعارضة والتحالف الواضح مع كتلها النيابية، في تعارض فاضح مع موقعه في الدولة وواجباته الدستورية. وقد صار الرئيس مصدر إرباك للدولة وتعطيل لمؤسساتها بسبب انفلات خطاباته وقراراته وضعف أدائه الدبلوماسي. وكلّ هذا وغيره يضعف شرعيته.

       أمّا مشروعية الرئيس فحدّث ولا حرج. سواء في عدم تطابق قراراته وأدواره مع مقتضيات الدستور والقانون، أو مشروعيته السياسية تاريخا وأداء. ففي تعيينه الشخصية الأقدر لرئاسة الحكومة، وفي علاقته بالأحزاب السياسية، وفي تدخله الفجّ في تشكيل الحكومة، وفي توظيفه لمؤسسات الجيش والأمن ولمؤسسة مجلس الأمن القومي، وفي رفضه أداء واجبه الدستوري في تقبّل أداء الوزراء لليمين، وفي غيرها من الأمثلة العديدة شواهد على ضعف المشروعية القانونية. أمّا المشروعية النضالية والسياسية فهي أضعف. فقيس سعيد الأستاذ الجامعي لا مشاركة تُذكر له  في مقاومة الاستبداد والفساد زمن حُكمي بورقيبة وبن علي، ولم تتأكد نجاعة أدائه رئيسا للجمهورية في مجال اختصاصه  الديبلوماسي أو ضمان وحدة الدولة  واستقلالها واستمراريتها. وقد بات طيف سياسي واسع يشكّ في قدرته على الاضطلاع بقيادة الدولة.

       فشل المراهنون على تأجيج الشارع استنادا إلى شعبية الرئيس هذه المرة، واستثمارا في بؤس الناس والحصائل الاقتصادية والاجتماعية السلبية لعشرية الثورة. وعلى أصحاب أجندات الإرباك من عناوين الفشل في الانتخابات، وبقايا الشيوعية منتهية الصلوحية، وأيتام بن علي، أن يتوقّفوا فورا عن عربدة الضوضاء بالشعارات الرنّانة والشعبوية المهزومة والاتّهامات الباطلة للخصوم والشرعيات المزعومة. فقد صار التونسيون يعرفون كيف يدافعون عن مصالحهم ويحتجون ضدّ السياسات الخاطئة في حقّهم، ويميّزون بين من يجتهدون وقد يخطئون، وبين من يخدمون أجنداتهم السياسية باسم آلامهم. ولا تخفى على كل عاقل التداعيات الخطيرة لأصناف الخطابات الاحترابية التي تذكّي فتنة الحرب الأهلية التي اكتوت بها دول أخرى ولم تنتج إلاّ خرابا. فهي خطابات شعوبية تتغطّى بالوطنية والثورية والمبدئية، لكنها تنضح استبدادا وتسلّطا وحقدا. فتزعم لنفسها مشروعية شعبية لا دليل عليها، وتحاول سحب شرعيات ديمقراطية مؤكدة من الأطراف التي تُشيطنها وتطالب بحلها أو وضع حدّ لأنشطتها.

       ولا نملّ وسط هذه الفوضى السياسية العارمة والعامة، من التأكيد مجدّدا على أنّه لا بديل عن الاحتراب إلاّ الحوار. إذ لا طرف بوسعه شطب شرعية طرف مقابل لا يريده، ولا مصلحة في ذلك أصلا. ولا أفق لخطابات الاحتراب وترذيل الدولة، غير الفوضى وإدارة التوحّش وخسارة الجميع. وفي وضع مأزوم كالذي نعيشه في هذه المرحلة، يبدو واهما من يتأهّب لوراثة حكم أو كسب مغنم.

       لن يكون الحلّ في إسقاط حكومة المشيشي ولا في استقالة رئيس البرلمان راشد الغنوشي أو سحب الثقة منه، كما يعمل على ذلك المُربِكون، بل الطريق الذي نراه أسلم لمستقبل شعبنا وبلادنا،  يكمن في احترام نتائج الانتخابات ومقتضيات الديمقراطية ومؤسسات الدولة المختلفة، وإنجاح حوار وطني لا إقصاء فيه لطرف، وبأولويات اقتصادية واجتماعية وأفق سياسي توافقي، قوامه تغليب العقل والمصلحة العامة والاعتراف المتبادل وبناء الثقة.  وما ذلك بعزيز على التونسيين بعدما تحقّق مؤخّرا لأشفائنا الليبيين.

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 193، تونس  في  10 فيفري 2021     

    0 Comments

    No Comment.