عشرية الديمقراطية والعجز..ويبقى التفاؤل مُرجّحا*

       يحقّ لنا نحن التونسيات والتونسيون أن نقول بكل فخر واعتزاز في الذكرى العاشرة لثورة الحرية والكرامة 10 دسمبر 2010/14 جانفي 2011،  أنّنا الاستثناء في ربيع الثورات العربية. وأننا فخورون بثورتنا التي أخرجتنا إلى العالمية، وماضون في تعزيز مسارنا الديمقراطي رغم كل المصاعب الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية. وإذ يعمد البعض إلى استغلال المناخ المحتقن الذي تحلّ فيه ذكرى الثورة، لترويج حنينهم إلى عهد الاستبداد هروبا من مصاعب الانتقال الديمقراطي الشاقّة وكلفتها الباهظة،  حالهم كالذي يهرب من الرمضاء إلى النار، فإنّ السنوات العشر تؤكد أنّ الثورة التي عُمّدت بدماء الشهداء، وصمدت في وجه المؤامرات الداخلية والخارجية إلى الآن، لا تزال تحظى باستحسان الأغلبية ودعمهم، وأنّ عموم التونسيين لا ينخرطون في مغامرات الطفوليّة السياسية، وأنّ علاقتهم التاريخية بالدولة، تأيى عليهم قبولهم بمن يحاولون خرق سفينة الوطن أو إسقاط سقف الدولة على رؤوسهم. لكن هذا التفاؤل الحذر، لا يجب أن يحجب عنا الأسئلة المحرجة في الذكرى العاشرة، على غرار لماذا نجحنا ديمقراطيا وفشلنا اقتصاديا واجتماعيا؟ وهل تصمد المكاسب السياسية دون نجاح تنمويّ؟  وهل خلقت الثورة التونسية ثقافتها التي تجعل المسار الديمقراطي مستعصيا عن المتآمرين عليه؟ وأيّ مستقبل لتونس ما بعد الثورة؟

ثورة حقيقية غير مسبوقة

 ليست الثورة قرارا سياسيا لحزب معيّن أو جهة ما،  ولا نزوة شخص أو أطراف، كما يُستشفّ ذلك من شهوات وتصريحات البعض أو تدويناتهم الداعية إلى ثورة جديدة خلال الفترة الأخيرة. بل الثورة مراكمة لوعي بالظلم والقمع، ولنضال متعدّد الأوجه والعناوين، وهي مرتبطة بتوفّر شروط تاريخية داخلية وخارجية، وبإرادة شعب مصمّم على الانعتاق ومتطلّع إلى الأفضل. وللثورة يوميّات حاسمة في مسارها، ولها أيضا أهداف تضبط بوصلتها، بما يجعل لها ماض ومستقبل، وبما يساعد على رصد مدى نجاحها.  وبهذه الجمل المكثّفة أروم التوقّف مجدّدا عند سرديّة ثورة الحرية والكرامة في ذكراها العاشرة، التي لا ينفكّ التشكيك فيها وتبخيس رموزها وعناوينها، من قبل من يحنّون إلى مواقعهم الدافئة ومصالحهم غير المشروعة زمن الاستبداد والفساد.

ففي كلّ ذكرى للثورة، يحتدم الجدال حول مفهومها وسرديّتها، وذلك جزء من الصراع السياسي، وجانب من تعارض المواقف والمصالح قبل الثورة وبعدها. وبعيدا عن الجدال النظري العقيم أحيانا، حول أيّ المصطلحات أنسب لتوصيف مــا حصــل بتونس ما بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011، يمكن الاتفاق عل أنّ الغضب الاجتماعي الذي انطلق من سيدي بوزيد، امتدّ إلى القصرين بالوسط الغربي التونسي واتّخذ منعرجا حاسما هناك، قبل أن يعمّ مختلف الولايات بدرجات متفاوتة ويتحوّل إلى انتفاضة شعبية، كانت كفيلة في أقلّ من شهر، بوضع حدّ لنظام بوليسي كان يُنظر إليه على أنّه من أعتى الدكتاتوريات في المنطقة، لتكون بداية ثورات عربية غير مسبوقة.
      لم تأت الثورة التونسية صدفة على غرار ما يحاول البعض تسويقه، بل كانت تتويجا لنضالات مريرة وتضحيات جسيمة، بصرف النظر عن تعقيدات اليوميّات الحاسمة في الثورة والمتدخّلين فيها والفاعلين في نتائجها. كما لا يجوز فصل السياسي عن الاجتماعي في الثورة. فقد توازى خلالها شعار “التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق” مع شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”.  وكان هروب الرئيس المخلوع بن علي وبعض أفراد عائلته يوم 14 جانفي 2011، عنوانا لانزياح كابوس الاستبداد والفساد عن تونس. إذ تحرّر التونسيون ودخلوا في أجواء ما تواضعوا على تسميته بالثورة، التي انضمّوا إلى حركيّتها بعد ذلك بأعداد أكبر بكثير ممّا حصل  قبل هروب المخلوع.

 لم تكن الثورة صناعة خارجية، وإن استفادت من ظرف دولي مناسب. فقد بات معلوما أنّ حكم بن علي وفساد عائلته، خلقا خصومات وعداوات داخلية وخارجية، وباتا يهدّدان مستقبل تونس على أكثر من صعيد، فتمّ التخلّي عنهم ليلاقوا مصيرهم المحتوم، أمام ثورة الشعب الهادرة، التي خُضّبت بدماء الشهداء والجرحى. ورغم تعاقب الحكومات المختلفة،بعد 14 جانفي، فإنّه  لا توجد إلى حدّ الآن، رواية رسميّة لما حدث في يوميّات الثورة. ولا يزال التونسيون يتطلّعون إلى الحقيقة.

و يبقى الأهم بعد عشر سنوات، هو أنّ الشعب التونسي  أسقط دكتاتورا بثورة سلمية في فترة قصيرة، مستعملا “الفايس بوك” ومستفيدا من الثورة المعلوماتية التي احتضنت تونس قمة لها سنة 2005.  وقد أخرج حدث الثورة تونس إلى العالمية، وهي إلى الآن تحظى بصورة خارجية إيجابية، باعتبارها الاستثناء الديمقراطي العربي.

الثورة فتحت أفقا جديدا.. لكن..

انبنت دولة الاستقلال التي قادها الزعيم بورقيبة والدستوريون عامة، والتي حقّقت مكاسب هامّة بلا شكّ، على الإلحاق الثقافي والاستبداد والحكم الفردي والمركزية والتفاوت بين الجهات. وكانت تلك أهمّ عناوين معارضتها على مدى عقود، من قبل عائلات فكرية وسياسية مختلفة، ليتراكم النضال، حتَى كانت ثورة الحرية والكرامة سنة 2011.

كان من المؤمّل في ظلّ النهج السلمي للثورة التونسية، أن تنفتح دولة الاستقلال على الطاقات التي عانت من الإقصاء والتهميش، وأن تسري دماء جديدة في الحكم مُشبعة بقيم الثورة ووفيّة لأهدافها، حتّى تصحّح الدولة مسارها دون قطيعة أو هزّات لا تتحمّلها، وحتّى تتكامل الأجيال وتلتقي مختلف العائلات الفكرية والسياسية على خدمة مصالح وطنية جامعة، وتتنافس الأحزاب، في إطار التعددية والشفافية، على البرامج والأشخاص التّي تؤمّن تلك المصالح، وأن ينتهي احتكار الدولة من طرف واحد لتكون جاذبة لأبنائها لا طاردة لهم. كما كان على الذين عملوا طويلا في مواجهة الدولة أن يندمجوا في مؤسساتها وأن يعملوا من داخلها.

فالثورة تجبّ ما قبلها، ومن ينخرطون في أهدافها ومسارها، ويلتزمون بدستورها، مهما كانت مواقعهم قبلها ومهما كانت إسهاماتهم فيها، لا فضل بينهم ولا عداوة، وأيديهم ممدودة لبعضهم لطيّ صفحة الماضي بسلبياته ومكاسبه، ولكتابة صفحات جديدة مشرقة من تاريخ تونس. لكن ها نحن نستكمل السنة العاشرة للثورة دون أن يتحقّق الأمل. بل إنّ حزب حركة النهضة على سبيل المثال، الذي كان قمعه وحظره عنوان الاستبداد خلال العقود الأخيرة، لا يزال بعد تقدّمه في الانتخابات ومشاركته في الحكم بعد الثورة، يُتهم بمحاولة “التسلّل لمفاصل الدولة” ويُعامل ككيان “غريب” بل ويطالب البعض بحلّه وحظره من جديد. لنكتشف أنّ “الدولة الصلبة” تستعصي عن إدماج معارضيها السابقين. وأنّ دستور الجمهورية الثانية والمكاسب السياسية الهشّة للمرحلة الانتقالية، لم تؤمّن بعد، انتقالا ديمقراطيا مُطمئنا. وفي ظلّ المناكفات السياسية والحزبية الحادة والاحتقان الاجتماعي المتصاعد، ووجود أزمة سياسية بين رأسي السلطة التنفيذية، وعدم التوافق بين مراكز الحكم في قرطاج وباردو والقصبة، تزداد المخاوف عن مستقبل “ثورة سائلة”.

ولعل أهمّ مؤشر يبعث على القلق حول مستقبل ثورة كان للشباب دور واضح في إشعالها وانتصارها، أنّ نسبة التشاؤم  بلغت مستويات عالية جدّا في صفوف الشباب خاصة، و لعل “غُربتهم” عن “الدولة الصلبة” التي تعكسها أغاني “الرّاب” المنتشرة بينهم، ومشاعر النقمة لديهم على وضع لا يملكون فيه ما يخافون على خسارته، وإقبالهم اللافت على “الحرقة” والمغامرة بحياتهم في البحر، أو حرق أجسادهم للتعبير عن اليأس أو محاولة إشعال نار الثورة مجددا، وغيرها من المؤشرات صفّارات إنذار ورسائل دالّة عن تصادم مفاهيم “الدولة الصلبة”  مع الأفكار والاتجاهات السائلة بين شباب جيل جديد لا يرى أنّ ثورة الحرية والكرامة قد أنصفته.

مسار خاطئ وعجز واضح بعد الثورة

       نجحنا خلال السنوات العشر في تجنيب بلادنا سيناريوهات الحرب والاقتتال والتدمير على غرار دول أخرى، وقطعنا خطوات هامة على طريق القطيعة مع الاستبداد وتعزيز  الحريات والديمقراطية، عبر دستور توافقي يضمن الحقوق والحريات ويوزّع السلطة عموديا وأفقيا استبعادا للحكم الفردي والتهميش، ويرسي مؤسسات دستورية للرقابة والتعديل. كما نجحنا في دحر الإرهاب عن بلادنا بجيش وأمن جمهوريين، وفي توفير حدّ أدنى من الاستقرار السياسي وتأسيس مجتمع مدني نشيط وفاعل. وهذا ليس قليلا.

       ولكن لن يضيرنا في شيء أن نعترف في المقابل بأننا كشفنا عن عجز واضح عن تحقيق أهداف أخرى للثورة في الكرامة والشغل والتوازن بين الجهات وإنصاف المظلومين وتحسين ظروف عيش الناس والارتقاء بالخدمات العامة في الصحة والتعليم والبنية الأساسية والبيئة وغيرها، وتحقيق الاستقرار والأمان وتحصين الوطن بالوحدة الوطنية ومنع الاختراقات الخارجية. وهذه مسائل حيوية لا يمكن تجاهل تداعياتها.

ولا بدّ أن نقرّ بعد عشر سنوات من الثورة بأخطاء في المسار وبضعف الأداء بل بالعجز. لم يكن الخطأ في خيار انتخاب مجلس وطني تأسيسي  في 23 أكتوبر 2011 كما يرى البعض، فهذا الخيار يبدو أقرب إلى جوهر الثورة في النزوع إلى القطع مع منظومة الفساد والاستبداد، بل كان الخطأ في ضعف تمثّل مقتضيات التأسيس والتعاطي غير المناسب معها. فلم تتح مناخات التجاذب والمناكفة فرصا لحوار هادئ دون إقصاء، واختُزل مسار التأسيس في كتابة دستور، دون التوافق على تشخيص عميق وجامع لمشاكلنا، ولا لبلورة مشروع وطني للإصلاح. وكان استقطاب المشهد السياسي بين حكومة ومعارضة على سبيل المثال غير صحّي في سياق تأسيسي، يقتضي شراكة لا تطمس التعدّديّة وحقّ الاختلاف. ومن جهة أخرى لم تكشف السنوات التي خلت عن مقترحات أو “أفكار” قويّة وجذّابة، في الإنقاذ والإصلاح ولا عن قيادات أو “زعماء” مميّزين، سواء في الحكم أو في المعارضة. وتعمّق التباعد بين مجتمع الحكم (النخب) ومجتمع المحكومين (عامة الشعب).

بعثرت الثورة للأسف أوراق الأحزاب والعائلات الأيديولوجية التي التقت في مقارعة الاستبداد، وكان توحّدها حاسما في كسب المعركة. فتخاصمت وحكمها الاستقطاب الأيديولوجي وتفرّقت كلمتها وذهب ريحها وعادت إلى مربّعات التنافي والاحتراب.  وكان الصراع قويّا بعد14جانفي 2011 بصور معلنة وأخرى مخفية، حول تحديد وجهة الثورة التونسية، بين مساري التغيير الجذري وتصفية المنظومة القديمة للحكم بأشخاصها وممارساتها، والانتقال الديمقراطي وما يفرضه من معجم مخصوص وتسريع للإصلاح وتسوية سياسية بين القديم والجديد. وقد حُسم الأمر بوضوح لصالح المسار الثاني، لكن دون أن يسلّم أطراف المسار الأوّل، ودون أن تتوضّح عناصر التسوية الشاملة أو تتمّ بين من ينخرطون في المسار الثاني.

مثّل لقاء باريس سنة 2013 بين المرحوم الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي محطّة فارقة في إنقاذ التجربة التونسية من أزمة سياسية حادّة تردّت إليها الأوضاع، خاصة بعد الاغتيالات السياسية. وتدعّم التوافق بين الزعيمين، ليشمل حزبي النداء والنهضة المتنافسين الغريمين في انتخابات 2014.  فكانت تجربة الحكم المشترك وسرديّة “الاستثناء التونسي” أمام العواصف التي عبثت ببقية تجارب ثورات الربيع العربي.

وكان المؤمّل أن يتوسّع التوافق في حكومة وحدة وطنية، كما تمّ اشتغال البعض على تحقيق مصالحة تاريخية بين الدستوريين والإسلاميين عموما، بعد عقود من التنافي والصراع، في إطار مراجعات نظرية وعدالة انتقالية ومصالحة وطنية عادلة وشاملة. لكن مسار التوافق تعطّل في الفترة الأخيرة من رئاسة الراحل الباجي قايد السبسي، لتعود الأوضاع إلى أجواء المناكفات وعدم الاستقرار الحكومي، ولتكشف في كل مرة فراغا سياسيا جليا في الحكم، بات يغذّي الأطماع الشخصية والقئوية والخارجية أيضا. ولم تنجح الانتخابات الرئاسية والتشريعية أواخر سنة 2019 في رفع التحديات وملء الفراغات، فازداد الوضع سوءا.

        حصائل غير مرضية

       تكفي الأرقام التي تم تداولها مؤخرا بمناسبة مناقشة البرلمان لقانون المالية التعديلي لسنة 2020 أو قانون المالية للسنة الجديدة 2021، دلالة على عمق الأزمة الاقتصادية التي تعيشها بلادنا ونهاية “الزنقة”. إذ استقر حجم ميزانية الدولة لسنة 2021 في 51804 م د. وهي ميزانية توسّعية تكاد تساوي ثلاث مرات ميزانية سنة 2010. والمفارقة هي تتضخّم نفقات الدولة من جهة، وتتردّى معيشة غالبة المواطنين في المقابل. تضاعفت كتلة الأجور ثلاث مرات بعد الثورة لتبلغ 20000 م د، وكانت في حدود 6.785 في سنة 2010. بل إنها تجاوزت حجم ميزانية الدولة بأكملها لسنة 2010. وهي نسبة تعادل 16,6%  من الناتج الوطني،  وتفوق بكثير المعدّلات المعتمدة في سائر دول العالم والتي لا تتجاوز 10 % من الناتج الوطني. وتعدّت كتلة الأجور وخدمة الدين مداخيل  الميزانية المقدرة ب33109 م د، ليصبح العجز منذرا بالإفلاس الحقيقي. وهذا ما يستدعي تعبئة موارد اقتراض لتمويل ميزانية 2021 بمبلغ 18695 م د، منها قرض داخلي ب5580 م د والبقية 13015م د  اقتراض خارجي. وبذلك تتجاوز نسبة الدين العمومي 90% من الناتج المحلي الإجمالي. ويرى خبراء  وسياسيون تعبئة موارد الاقتراض متعذّرا بالمعطيات المقدمة. ويزداد الوضع تأزّما في غياب رؤية متكاملة وعدم التزام الحكومة ببرنامج للإصلاحات المتأكدة وخطة طريق مزمّنة للتنفيذ.

       فسياسة الهروب إلى الأمام من الحكومات المتعاقبة، وإدارة الأزمات بسياسة المطافئ في الحرائق وتقديم التكتيكات عن الاستراتيجي والانشغال باليومي على حساب المستقبل، مسارات أبانت عن حدودها واستنفذت مداها. ولا بدّ من التوقّف حالاّ ودون تردّد عن تكرار ما تأكّد فشله. “يزّي”. ونحسب أن التقييم الصارم يتعدّى المالية العمومية والأوضاع الاقتصادية ليشمل إدارة المرحلة برمّتها من الحكام والمحكومين في آن. ولا نظنّ أنّ المزايدات الحزبية والفئوية والتلاوم والتفصّي من المسؤولية ستنفع الناس في شيء إذا سقط السقف على الجميع.

لم تغطّي المناكفات السياسية المستمرة لعشر سنوات بعد الثورة في أيّة مرحلة عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. و لم ينجح تغيير الحكومات الذي بات يمسّ من الاستقرار السياسي في حلّ المشاكل. فنتائج الحرب المعلنة على الفساد من مختلف الحكومات تبدو عديمة الجدوى وبلا مصداقية، بل إنّ المؤشرات وأحاديث المجالس تشي بمزيد استشراء الفساد في مؤسسات الدولة الحيوية وفي استعمال الملفات فقط للمساومات السياسية. وتوقيف إنتاج الفسفاط وإغلاق منشآت نفطية ومصانع كبرى، وتوسّع الاحتجاجات الاجتماعية وقطع الطرقات، وغيرها من صيغ الغضب التي صارت الدولة عاجزة أمام خرقها للقانون وتهديد المصلحة العامة، لم تغيّر الأوضاع إيجابيا. ويقف الجميع متفرّجين على انهيار المدرسة العمومية التي تظلّ ملاذ عموم التونسيين ومصعدهم الاجتماعي الأول لتحسين أوضاعهم. وترتفع نسبة الجريمة لتتحول إلى إرهاب مجتمعي بالأسلحة البيضاء، يفوق خطره أحيانا الإرهاب الأيديولوجي والسياسي بالأسلحة النارية، الذي لم تتوقّف تهديداته.

وبعد أكثر من ستّ سنوات من إقرار الدستور لم يستكمل مجلس نواب الشعب وضع القانون المنظّم للهيئات الدستورية ولم ينتخب أعضاءها ولم تتأسس هذه الهيئات التي عُدّت من أهم مكاسب دستور الثورة. علاوة عن العجز عن مراجعة القانون الإنتخابي والمراسيم المنظمة للإعلام والأحزاب والجمعيات التي تبيّن تخلّفها عن مقتضيات المرحلة ما بعد الـتأسيسية، وآثارها السلبية في المشهد السياسي. وبعد عشر سنوات لم يُحسم الصّراع بين المتنفّذين القدامى الماسكين بالحكم سابقا والمستفيدين من الثورة من الحكّام والفاعلين الجدد، وبين الضحايا والجلادين، وبين رجال الأعمال “الرسميين” المتنفذين في الدولة وبين “الأثرياء الجدد” المتنفذين في الاقتصاد الموازي والمتطلّعين إلى أدوار مؤثّرة في الدولة والمجتمع، وبين الجهات الداخلية المحرومة  والفئات المهمّشة والمركز المتحكّم والطبقة المرفّهة، وبين الخصوم الإيديولوجيين من المدارس المختلفة. والأدهى من كل ما سبق والأمرّ منه، أن لا حضور لهذه القضايا الحارقة  وغيرها ممّا لا يتّسع المجال لذكرها، في خطاب المتصارعين عن الحكم في مختلف مستواته.

بعد عشر سنوات من ثورة حرّرتنا من سطوة الاستبداد، لا زلنا في مرحلة انتقالية وتبدو الحصائل مع الأسف مخيّبة للتطلّعات. ويكفي شاهدا أنّ كثيرا من مؤسسات الدولة والمقرّات الديبلوماسية مسيّجة اليوم بالأسلاك في مشهد حزين لا يبعث على الطمأنينة، والحياة الحزبية تزداد تصحّرا مع السنوات والأجواء داخلها خانقة دون استثناء، والفوضى عارمة في الإدارة وفي الرياضة وفي الثقافة وغيرها، والعمل متوقّف في الغالب والتحيّل سيّد الموقف، والجريمة المتزايدة تقضّ أمن الجميع، والعمل النقابي يتّجه إلى البلطجة، والأفكار والمقترحات لا مكان لها وسط مزايدات الموتورين من مختلف الأطراف، ومؤسسات الحكم تبدو متنافرة ومعطّلة.

       نتوقّف عن الوصف ويظلّ الاعتقاد بأنّ الخير لن ينقطع من الأمّة “وإن تتولّوا يستبدل قوما غيركم ثمّ لا يكونوا أمثالكم” ‘سورة محمد/الآية 38). لكننا نؤكد أنّ “المكاسب “التكتيكية” لأيّ طرف لا تغني عن مآزق المسائل “الاستراتيجية” ولا تحسمها. وأنّ الحلّ ليس في المزايدة بين الأطراف، ولا في المكابرة وصراع الصلاحيات بين مراكز السلطة في قرطاج وباردو والقصبة، والمناكفة الحزبية الطفولية والخطابات الشعبوية،  بل في الاعتراف الجماعي بالمأزق وبالأخطاء، والجنوح للصلح والحوار الهادئ،  قصد وضع حدّ للانحدار الذي ليس له قاع، والتوصّل إلى تسوية شجاعة، تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمجتمعية وغيرها في سلّة واحدة. فبلادنا بحاجة إلى مشروع إنقاذ وبرامج للإصلاح متعدّد المجالات. وهي قبل ذلك بحاجة إلى قوّة سياسية قادرة على ملء الفراغ في الحكم الذي سبق أن ألمحنا إليه. وفي ظلّ مشهد عربي درامي الذي تُقايض فيه الحرية بالأمن ويبدو فيه انهيار البلدان ثمن التخلص من الحكّام، نرى أنّ تصحيح مسار الثورة وإنقاذ البلاد وإصلاحها، أيسر وأقلّ كلفة من سيناريوهات الانقلاب على الديمقراطية وإدارة التوحّش.

تجربة تونسية عصيّة

       فشلت مخطّطات الإرهاب وسيناريوهات الإرباك والعنف والجريمة، واحترقت مراكب المتآمرين على بلادنا خلال السنوات التي خلت. ونرجّح أنّ سيناريو انقلابي محتمل بتونس لا حظوظ له في النجاح. فإضافة إلى خصوصيات التجربة التونسية قبل الثورة وبعدها، وحسن أداء المؤسستين الأمنية والعسكرية، ترجّح اعتبارات إقليمية ودولية، حاجة جيران تونس إلى استقرارها، وحاجة شركائها الأوروبيين والأمريكيين إلى ذلك أيضا، ومنها بصفة خاصة الاستعدادات لإعادة إعمار ليبيا بعد نجاح الحوار الوطني بين فرقائها، علاوة على المصاعب التي تمرّ بها تجارب أخرى في التآمر والإرباك، وما خلّفته من تداعيات خطيرة جدا على المنطقة والعالم بأسره.

       ومن باب الاحتياط فقط، وحتّى لا نصادر على المستقبل، نقول دون مواربة، قد تصدق التوقّعات بانفجار الوضع خلال الأسابيع القادمة، وقد تنفلت الأمور فيحصل ما يفوق المتوقّع، وسيكون الإرهاب حاضرا بالتأكيد في هذه المناخات التي طالما كانت حاضنته الأساسية، وقد تكون الأضرار بليغة في الممتلكات العامة والخاصة لا قدّر الله تعالى، لكن الأكيد أنّ المستثمرين في الإحباط والفوضى لن يبلغوا أهدافهم السياسية على الأغلب. فموازين القوى السياسية لا تتغير بمثل هذه الفرقعات. والانتخابات لا تُكسب بمثل هذه السيناريوهات. ومسار الحريات والديمقراطية المتوهّج، يأبى التوقّف بعد إطفاء النيران وانجلاء الدخان. فقد غيّرت ثورة الحرية والكرامة تونس في العمق، وصار سيناريو العودة إلى ما قبل الثورة بالغ الكلفة وصعب التحقّق. وفي كل الأحوال لا أحد يستفيد من سقوط السقف على الجميع، ولا أحد يكسب من ضياع الوطن وإدارة التوحش.

لماذا نبقي على تفاؤلنا بمستقبل أفضل؟

       قد يستشعر البعض مصاعب الانتقال الديمقراطي وكلفته، فيستوحشون الطريق ويغلب عليهم التشاؤم. وقد يستعجل البعض النتائج الإيجابية والغنائم فيضيق صبرهم. وقد ينظر البعض لموازين القوى الدولية قيتسرب إليهم اليأس من كسب المعركة. ولهؤلاد نهمس لنذكرهم بأنّ إدراكنا لضرورة النهوض الحضاري مجدّدا، وإقبالنا على المعارف الجديدة، والأخذ بشروط التحديث، وتقليد الغرب، وغيرها من الخطوات التي أثارت جدلا كبيرا بيننا منذ ما يزيد عن القرن ونصف قبل أن تصبح مقبولة، لم تؤت أكلها كاملا ولم تجعلنا في مصافّ الدول الحديثة والمصنّعة والمكتفية بذاتها. وإذا كان الأخذ بالمعارف الحديثة في بلادنا، أو من خلال التعلّم بأنحاء العالم المتقدم، لم يؤمّن نقلتنا الحضارية، في المستوى المادّي على الأقلّ، فما بالك بما يستوجبه التمدّن في السلوك والتدرّب على المواطنة، وتحقيق الديمقراطية وتغيير سلوك الحاكمين والمحكومين على السواء، وتلك من المسائل الذهنية والمعنوية والخُلقية التي تبدو أصعب من الوجه المادي للتحديث. والحديث قياس.

وحين نستحضر مسيرة نهوض شعوب في كوريا والصين والبرتغال على سبيل المثال، كانت أوضاعها قريبة منا في ماضي الأعوام، أو تغيّر أوضاع بلدان على غرار أثيوبيا والصومال وروندا، وتحسّن معدلات التنمية بها، التي كانت بالأمس القريب أسوأ منا أحوال، عندها نستعيد الأمل والثقة بالنفس والمستقبل، وندرك أنّ النهوض بأوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية ليس من المحال. وأنّ تغيير موازين القوى لصالحنا ليس مستحيلا. فليس أخطر على الأفراد والشعوب من سريان الإحباط واستبداد اليأس بالنفوس.

 لكن بعد عشر سنوات عجاف للثورة، لم يعد مستساغا ولا مقنعا أن ندعو الناس إلى مزيد الصبر وتفهّم صعوبات المرحلة الانتقالية. فبعض التجارب الناجحة في الحكم على غرار ماليزيا وتركيا حقّقت قفزة نوعية في التنمية الشاملة خلال مثل هذه الفترة. كما لم يعد مقنعا تفسير إخفاقات حكم ما بعد الثورة بمخلّفات حكم الاستبداد أو بعراقيل “الدولة العميقة” و”وضع العصا في الدولاب” كما يقال. ولذلك يبدو الغضب الشعبي متفهّما في ذكرى الثورة وتبدو الاحتجاجات مشروعة في التنمية وتحسين العيش.

       ومع ذلك يظل التفاؤل مرجّحا لدينا رغم الخيبات والصعوبات والحصائل غير المرضية على أكثر من صعيد. ولا نجانب صوابا حين نؤكد بأنّ حوارا وطنيا نراه ممكنا،  لا يزال منفذا للتدارك. ونراه حوارا دون إقصاء أو شروط مسبقة، يحسم المسائل السياسية بتصحيح المسار وبناء الثقة والالتزام بشروط الخيار الديمقراطي والتوافق على ملامح مشروع وطني، وتغيير القانون الانتخابي لضمان أغلبية حاكمة ووضع قوانين جديدة للأحزاب والجمعيات وضمان شفافية التمويلات واستكمال المؤسسات الدستورية، والتعهّد ببدء إنفاذ الإصلاحات الاقتصادية المتفق عليها، وتوفير المناخ السياسي والاجتماعي المناسب لذلك.

       فملفّات الإصلاح الجوهرية لم تعد تحتمل التأجيل وفي مقدمتها توجيه الدعم لمستحقيه  فقط، وإعادة حوكمة المؤسسات العمومية، وتحقيق توازنات الصناديق الاجتماعية، ومراجعة كتلة الأجور، وتحمّل الدولة مجددا مسؤولياتها في قيادة قاطرة التنمية بالجهات الداخلية خاصة، وتفعيل الشراكة بين القطاعين العمومي والخاص، باعتماد مشاريع تنموية واقعية تفعّل قانون الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وتستفيد من خصائص الجهات وتلبي حاجياتها في التشغيل وتحسّن مستوى عيش أهلها. ولأنه لا ديمقراطية ناجزة وناجحة دون تنمية اقتصادية وعيش كريم، فلا بدّ أن يكون الاقتصادي  والاجتماعي  أولوية المرحلة القادمة، حتى نستثمر النجاح السياسي اقتصاديا وندعم التوافق السياسي بالسلم الاجتماعي ونؤمّن مستقبل مطمئنا في محيط عربي وإقليمي ودولي مضطرب ومنذر بمخاطر جمّة.

الثورة تحتاج إلى ثقافة جديدة

    جرّبنا على مدى عقود في البلاد العربية منهج التغيير بالبداية من الأعلى واستهداف رأس السلطة  والتعويل على قوّة الدولة أكثر من الاهتمام بتطوير المجتمع، والصير على متطلبات التغيير الأفقي، وكانت النتائج مخيّبة للآمال. وقد حان الوقت لنعي الدرس ونعدّل البوصلة ونجرّب مداخل ثبت نجاحها في ربوع أخرى. وإنّ للعاملين على الإصلاح في ربوعنا، من داخل الحكم أو من خارجه، آفاقا رحبة في التطوير وكسب تحدّي التغيير، وإنّ لنا في تجارب الانتقال الديمقراطي والإصلاح السياسي الناجحة في إفريقيا الجنوبية  وفي آسيا وفي أمريكا اللاتينية وفي أوروبا الشرقية وفي أماكن مختلفة من العالم أمثلة للاستئناس بها وليس للقياس عليها، في تغيير الواقع نوعيا دون هزّات، وفي بناء مُعجم خاص بالانتقال بين الفاعلين السياسيين، وتوخي المرحلية وبناء الوفاقات الصّلبة عبر الحوار ووضع الآليات الضامنة للتطبيق والحامية للمكتسبات. ومن أوكد مؤشرات بناء المعجم السياسي الجديد، ومراجعة منهج التغيير، أن نستبعد التنافي والإقصاء والإكراه ونحلّ التنافس السياسي بدل العداوة. ونعتمد الإصلاح الذي ينطلق من مرتكزات إيجابية في الواقع لمعالجة السلبيات، ويستبعد النقض واستئصال الخصم والبدائل الشمولية. ونتوخّى التدرج والمرحلية والواقعية ونبحث في الممكن ونتفهّم تعقيدات الواقع وصعوباته، ولا نقع تحت إغراءات  الفرضيات الذهنية القصوى. ونعمل بجاذبية الديمقراطية ونتحرك بروح التجديد والتطوير ومُراكمة الايجابيات والاستفادة من الأخطاء والمراهنة على المستقبل بتمكين الشباب وإعطائه الأولوية في الاهتمام والتكوين وتحمل المسؤولية في القيادة واتخاذ القرارات.

      ومن أهمّ مفارقات مشهد ما بعد الثورة، أنّ “الحداثيين” انهزموا في منافسة “الإسلاميين” في الانتخابات، لكن قيم  الحداثة انتصرت في المحصّلة. فالمدنيّة والمواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها من قيم الحداثة  السياسية، اخترقت بوضوح خطاب التيار الإسلامي المنتصر. بما يعني أن الأغلبية صوّتت للتمسك بالهوية وللوعي بمتطلبات الحداثة أيضا. وبما يجعل المصالحة التاريخية على هذا الصعيد ممكنة جدا. مصالحة لا تستند إلى مقاربات  وتصنيفات منتهية الصلوحية، بل  تستند إلى معجم جديد في الانتقال الديمقراطي. معجم يؤسس لمرحلة ما بعد الصراع المحموم بين نزعات “العَلمنة” و”الأَسلمة”. ويتعزّز فيه خط الممانعة والمقاومة الذي مهّد لثوراتنا المجيدة الأخيرة.

       ونحسب أنّ نجاحنا في تحقيق المصالحة الوطنية التاريخيّة المستوجبة يظلّ متوقّفا على تفعيل مفهوم المواطنة ودلالاته وعلى تأثيث أركانه في الفكر وفي الممارسة، وجعل ذلك أولويّة لا تتقدّم عليها أخرى. فلن ينجح انتقال ديمقراطيّ ولن تُضمن حريات ولا حقوق للإنسان إذا استمرّت المواطنة مفقودة أو ضامرة. فإذا ضاع هذا الهدف وتبدّدت الجهود في المُغالبة وإدارة الملفات الظرفية، نخشى أن تتغلّب جاذبية التسلّط ويستمر منطق حكم الغلبة على حساب ذهنية المواطنة ودولة المؤسسات، فنخسر رهانات الحاضر والمستقبل. وإذا كان من المشروع والمهم أن تنشغل السلطة والأحزاب السياسية بالاستحقاقات العاجلة وبالانتخابات، فإنه من باب أولى أن يُعيروا الاهتمام اللازم للمستقبل المنظور والبعيد للأجيال.

ختاما

       تقول الحكمة أنّ طريق الألف ميل تبدأ بميل واحد. ونحسب أنّ ما تمّت مراكمته على مدى عقود من النضال الديمقراطي عبر أجيال متعاقبة ومن مدارس فكرية وعائلات سياسية متعدّدة، قد أثمر موجات من ربيع عربي ديمقراطي، مهما تلبّدت في سمائه من سحب داكنة، ومهما دوّت في أرجائه من رعود، ستشعّ شمسه وتزهر وروده.

       ولأنّ الظلم مؤذن بالخراب، والعدل أساس العمران، ولأنّ الاستبداد غطاء للفساد، والحرية شرط  لكلّ صلاح، فإنّ مستقبلا تونسيا وعربيا ديمقراطيا كفيل بتأمين حوكمة راشدة، وضمان عيش أرغد وجودة حياة وسيادة على الأوطان والثروات. إذ نحسب أنّ ما راكمته فترة ما بعد الثورة، من منسوب عال في حرية التعبير وتقاليد الاحتجاج ومطالبة بالحقوق الدستورية ومراقبة للمجتمع المدني وإيمان بقدرة الفعل الجماعي على التغيير، مؤشرات على ثقافة سياسية ومدنية لم نعهدها من قبل، وهي صمام أمان للمضي في تحقيق أهداف الثورة وعدم الانتكاس.

تونس في 14 جانفي 2021

محمد القوماني

*مساهمة منشورة بالعدد 29 من سلسلة كتاب الإصلاح، خمسة أسئلة إلى النخبة: الثورة في ذكراها العاشرة، فكرة وإنجاز المهندس فيصل العش، الرابط: http://alislahmag.com/livre-29.pdf

    0 Comments

    No Comment.