حتّى لا تكون مقاومة الفساد فسادا..

    في الحاضر كما في الماضي، وفي بلادنا كما في أنحاء من العالم، يوجد فساد في الحكم بصيغ وأحجام متفاوتة. فقد يكون “فسادا صغيرا” أي محدود المنفعة والتأثير، وواسع الانتشار، مثل دفع مال قليل لتعجيل الحصول على خدمة، يمكن نيلها بغير ذلك المقابل.  وقد يكون “فسادا كبيرا” بالغ التأثير في المجتمع وفي الدولة مثل التلاعب بالمال العام أو غسيل الأموال أو تزوير الانتخابات أو التحكّم في الإعلام أو استعمال المال الفاسد في السياسة أو التلاعب بالصفقات أو الغش في السلع والمواد وفي المناظرات والانتدابات والترقيات والتعيينات ونحو ذلك. ولا خلاف بين التونسيين وحتّى بين المراقبين في الخارج، على أنّ الفساد أهمّ الأخطار التي تتهدّد الدولة والمجتمع في بلادنا. فقد تلازم رفض الفساد مع رفض الاستبداد في الثورة التونسية، باعتبارهما الركيزتين الأساسيتين لمنظومة حكم المخلوع بن علي. وبعد الثورة تقدّم مسار الانتقال الديمقراطي في القطع مع الاستبداد، لكنّ النتائج في مقاومة الفساد كانت خلاف ذلك. فبالعكس ارتفع منسوبه واستفاد من ضعف الدولة ليستشري أكثر، بما لم يساعد على بناء الثقة بين الحكّام والمحكومين. لذلك لا غرابة أن يتجدّد الجدال حول هذا العنوان مع كل حكومة جديدة، على غرار ما حصل مؤخرا حول التفويض الواسع الذي منحه إلياس الفخفاخ لمحد عبو، وزير الدولة لدى رئيس الحكومة المكلّف بالوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد.

    لا نهتمّ في هذا السياق بالتجاذبات الحزبية واللغط الذي دار حول تداول مجلس الوزراء بإشراف رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ، يوم الثلاثاء 23 أفريل 2020 حول مشروع أمر حكومي يتعلق بضبط مشمولات الوزارة المذكورة وتفويض بعض صلاحيات الفخفاخ لعبو في هذا المجال، بقدر ما يهمّنا التوقّف عند شعار “الحوكمة ومكافحة الفساد” في تسمية هذه الوزارة، ورهانات النجاح على هذا الصعيد. فيبدو مشروعا أن يعبّر كثيرون عن ارتياحهم لمنح هذه المهمة لشخص محمد عبو الذي ارتبط خطابه بأولوية مقاومة الفساد وضرورة الحزم في هذا التوجه وإنفاذ القانون دون تردّد أو محاباة. وهو الذي أسندت له نفس الوزارة في حكومة الترويكا الأولى واستقال منها، ليبني سرديّة عدم توفّر الإرادة السياسية الكافية آنذاك في مقاومة الفساد وعدم منحه الصلاحيات الكافية للإيفاء بالغرض. وهو اليوم بالتفويض الممنوح له إنفاذا لاتفاقيات مفاوضات تشكيل حكومة الفخفاخ، ترفع عنه الأعذار وتصبح مسؤوليته السياسية كبيرة في تحمّل تبعات التعثّر في إنجاز وعوده.

     ونحن بقدر ما نرجو لوزير الدولة التوفيق والنجاح في مهمته المعلنة، وندعم هذا التوجه بقوّة،  نروم وضع نقاط على بعض حروف هذه الأجندة السياسية. ففساد الحكم أو الفساد السياسي نعني به أساسا ما يحصل من سوء استخدام للسلطة أو النفوذ ومن ممارسات مخالفة للقانون وللعدل،ومن محسوبية أو ابتزاز أو محاباة للأقارب أو الأصدقاء، لتحقيق منافع شخصية أو تسهيل انتفاع آخرين مما لا يحق لهم، مقابل رشاوي قد تأخذ تسميات عديدة منها الهدايا والعمولات و”القهوة” و”الفرحة” وغيرها. و يفيدنا درس التاريخ أنّ شعار “مقاومة الفساد” قد يكون كلمة الحق التي يراد بها باطلا. وكثيرا ما كان وسيلة لتصفية خصوم سياسيين للانفراد بالحكم وتغذية فساد المتنفّذين الجدد، والأمثلة على ذلك عديدة. وحتى لا نذهب بعيدا فإن التونسيين لا ينسون على الأقل شعار “لا ظلم بعد اليوم” وجُمل بيان السابع من نوفمبر 1987 الرنّانة، و”الزيارات الفجئية” المزعومة لبن علي، للديوانة ولبعض مؤسسات الدولة وللمناطق “السوداء” من تونس الخضراء، وطرق عزل المسؤولين أو تسميتهم وإحداث صندوق 26/26، والنتائج العكسية في الواقع، التي أرست دولة الاستبداد والفساد. فحين ينحرف شعار “مقاومة الفساد” عن مساره، يصبح طريقا لفساد جديد. وإنّ ممّا يزيد في هذه المخاطر تجميع الصلاحيات ذات الصلة في جهة واحدة، رغم ما تمثله التعددية الحزبية في الحكم وتوزيع مؤسسات السلطة وحرية الإعلام والمؤسسات الدستورية من ضمانات تختلف جوهريا عن زمن الاستبداد.

     كما يعلّمنا التاريخ أيضا أنّ المجهولين في هذا العالم “المُلغز” ممّن يعملون في صمت ويحرّكون الخيوط من وراء ستار دون الظهور بصفاتهم في الحياة العامة، هم الأكثر خطورة من المعلومين. وأنّ هؤلاء ما كان لهم لينجحوا في أعمالهم غير المشروعة لولا تواطؤ متعاونين معهم من داخل أجهزة الدولة الحسّاسة من المحمولين على مراقبتهم ومحاسبتهم. فالفساد الأصلي في الدولة نفسها، أي في الإدارة والأجهزة ومنظومة الحكم. إذ المتعاونون مع المهرّبين والمحتكرين والمتحيّلين  والمفسدين من أعوان الدولة جزء من منظومة الفساد. ولا ندري بدقّة هل هو الجزء الأصغر أو الأكبر؟ ولذلك يحقّ لنا التساؤل، هل تكون الحرب على الفساد إن صدق العزم، حربا الدولة ضدّ نفسها؟ لتتطهّر من فسادها المستشري في مفاصلها والممتدّ في كامل جسمها. ونحسب أنّ التفكير في حجم هذه الحرب وأدواتها ومداها الزمني عناصر كافية لتعطي فكرة عن كلفة هذه الحرب التي لا مفرّ منها وعن مستلزمات كسبها. ولذلك يُقال حقيقة لا مجازا أنّ الحرب على الفساد أخطر من الحرب على الإرهاب.

     وتفيد تجربة ماضينا القريب، مع حكومة الشاهد المتخلية، أنّ الحرب على الإرهاب لا يصحّ أن تكون أجندة “شخص”، مهما كان موقعه في الدولة ومهما كانت مصداقيته وصلاحياته. ولا يمكن ربح تلك الحرب إلاّ متى كانت مقاومة الفساد سياسة دولة، تنخرط فيها شخصيات قوية ومتضامنة في المؤسسات الحيوية للحكم في السلطة التنفيذية برأسيها والسلطة التشريعية والسلطة القضائية والقوات المسلّحة والإعلام أيضا.

     الفساد ظلم مؤذن بالخراب، ينخر  الحكم والدولة والمجتمع، وقد ينخر العقول والنفوس. وقد تكفّلت الدراسات المتخصّصة ببيان كلفة الفساد الاقتصادية والأثر التنموي الإيجابي لمقاومته. ومع التداعيات الاقتصادية السلبية للحرب على كوفيد 19، تتأكد أولوية مقاومة الفساد التي يجب أن تتضافر فيها جهود جميع مكوّنات الائتلاف الحاكم، وتدعمها المعارضة أيضا، من أجل إرساء دولة القانون والمؤسسات وتكريس الحوكمة الرشيدة التي تظلّ الضامن الأساسيّ لمنع الفساد مستقبلا أو تقليص منسوبه إلى أدنى المستويات. فذلك هو الجهاد الأكبر الذي يسري على الأفراد من المسؤولين وأعوان الدولة عموما، كما يسري على مختلف السلطات والأجهزة والمؤسسات وعلى رأسها السلطة القضائية الضامنة للعدل بصفته شرطا للعمران.

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 154، تونس  في 30 أفريل 2020 (نسخة إلكتونية فقط)

فراد والشعبأأأ

    0 Comments

    No Comment.